العنوان المجتمع التربوي العدد1981
الكاتب المحرر المحلي
تاريخ النشر الجمعة 23-ديسمبر-2011
مشاهدات 3
نشر في العدد 1981
نشر في الصفحة 50
الجمعة 23-ديسمبر-2011
المجتمع التربوي
التفكير.. والهجرة (۳)
قرار الهجرة.. توجيه إلهي
إيمان مغازي الشرقاوي (*)
(*) إجازة في الشريعة
لم يكن لنبي الله ﷺ أن يتخذ قرار الهجرة من تلقاء نفسه دون توجيه من ربه عز وجل.
خرج رسول الله ﷺ من مكة تاركاً كل شيء.. البيت والأرض والأهل وذكريات الطفولة.
أختار الله تعالى لنبيه ﷺ في هجرته خير صاحب وأحسن رفيق وأفضل من يقوم بمهمة الرفقة والصحبة.
تحوّل عن مكة بجسده فقط وقلبه معلق بالبيت العتيق.. لكنه فارق مخالفيه ومكذبيه ومريدي قتله.
هذه دعوة لكل من أراد أن يرقى تفكيره، وينضج فكره، وتنقح خواطره.. دعوة لصحبة رسول الله ﷺ في هجرته المباركة، والتجول في أروقتها، والسياحة في سمائها والتفكر في أرضها، ففيها غذاء الفكر، وفيها دواء السقم، وهي للمحب شفاء. لم يكن لنبي الله ﷺ أن يتخذ قرار الهجرة من تلقاء نفسه دون توجيه من ربه عز وجل الذي بعثه وأرسله بشيراً ونذيراً، وهو الذي سينصره ويظهر دينه ولا ريب.. ولأنه نبي مرسل، فقد امتثل أمر ربه له بالهجرة، وها هو الحبيب ﷺ يستعد لمغادرة مكة التي نشأ في أحضانها وتربى بين ربوعها إنها الأرض الطيبة التي قال عنها : «والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إليّ، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت» (صحيح الجامع، صححه الألباني).
يخرج رسول الله ﷺ منها بأمر الله تاركاً كل شيء البيت والأرض، الحصى والتراب الأهل والصحاب، بل ونسمات الهواء التي يستنشقها بعبقها المميز، إنه سيخلف وراءه ذكريات طفولته وأحاديث شبابه وأحداث بعثته، وما أشبه مفارقة الوطن بمفارقة الروح الجسد، ولا سيما من أكره على الخروج منه وأخرج رغما عنه.. وكم في تلك الأرض من ذكريات وذكريات، وكل ما فيها يمثل في النفس مكونات ذلك الوطن الذي يكبر حبه في قلبه مع كل لحظة تمر عليه من عمره الشريف، وكما قيل: إن حب الوطن من الإيمان.
ففي مكة نما النبي ﷺ، وترعرع وسط أهله وأحبابه الذين كانوا له بمثابة الأب والأم بعد اليتم والحرمان، حيث الجد عبد المطلب وحنانه، والعم أبو طالب وكفالته، وفاطمة بنت أسد زوجة العم والأم بعد فقد الأم وأبناء العمومة الإخوة والأصدقاء.
وفي مكة تزوج بسيدة النساء الطاهرة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، وعاش معها عمراً، فكانا خير زوجين تذوق معها طعم الحب والوفاء والنصرة والعطاء، وفي مكة رزق بفلذات الأكباد زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة وعبد الله والطيب وتذوق لذة الأبوة وعاشها.
وفي مكة كانت الخلوة مع الله، والعبادة الخالصة له والإنقطاع للذكر في غار حراء وفيها نزل عليه الوحي من السماء.
وفي مكة كانت باكورة دعوته إلى الله حيث آمن به خير الرجال أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وحمزة وغيرهم، وفيها أيضاً أوذي وكُذّب من أقرب الناس إليه
-عمه أبولهب- ورأى أصحابه وأتباعه وهم يعذبون كبلال وعمار، ويستتشهدون كياسر وسمية.
سيخرج رسول الله ﷺ من أحب أرض الله إلى الله، وكم يعز عليه البعد عن بيته المحرم، لكن عزاءه الكبير هو قول الله تعالى له: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ﴾ (القصص : ٨٥)، قال ابن عباس: أي لرادك إلى مكة كما أخرجك منها، وعن مجاهد: إلى مولدك بمكة، وقال القتبي معاد الرجل بلده لأنه ينصرف ثم يعود. وقال مقاتل: خرج النبي ﷺ من الغار ليلاً مهاجراً إلى المدينة في غير طريق مخافة الطلب، فلما رجع إلى الطريق ونزل الجحفة عرف الطريق إلى مكة، فأشتاق إليها فقال له جبريل إن الله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ﴾، أي إلى مكة ظاهراً عليها.
فكانت هذه البشارة معينة للنبي ﷺ على الصبر وتخطي الأحزان والإستهانة بكل ما يلاقي من معاناة، فما خرج من مكة إلا ليعود إليها فاتحاً منتصراً، قاهراً لأعدائه، مطهراً إياها من رجس الأوثان التي تحيط بها من كل جانب.
ربنا الله..
سيتحول النبي ﷺ عن مكة بجسده فقط والقلب ما زال معلقا بالبيت العتيق، لكنه والحمد لله سيفارق مخالفيه ومكذبيه ومريدي قتله، لذا فقد خرج مستخفياً عن أنظارهم مهاجراً إلى الله عز وجل، وفي سبيل الله، لا يجذبه أو يشده للبقاء شيء، هاجر بحثاً عن تربة صالحة لغراسه وبذره، ولم يثاقل إلى الأرض. هاجر وما أقترف إثماً في حق هؤلاء المشركين حتى يرسلوا على دعوته عواصف العناد المدمرة، وأعاصير التكذيب العاتية، فالإيمان عندهم جريمة وحب الله وعبادته وحده لا تروق لهم والحرية الشخصية حق لهم وحدهم، وإختيار الإنسان عقيدته التي يتعبد بها ربه مكفولة للجميع إلا للنبي ﷺ وصحبه من المؤمنين أي عدالة يتشدقون بها، وأي عدل يدعون وهم من يسعون في الأرض بالإفساد بصد النبي ﷺ، ومن معه عن إعتناق الإسلام فضلا عن الجهر به والدعوة إليه، وهم يسومون الضعفاء منهم سوء العذاب إن لم يسمعوا ويطيعوا.
قمة الإفساد
لم يتورعوا عن منع النبي ﷺ تبليغ دعوته التي تقول: «لا إكراه في الدين».. وها هم يصلون إلى قمة الإفساد فيتآمرون على وأد الرسالة رغم مرور عدة سنوات عليها بينهم لم يلن لهم قلب ولم تدمع منهم عين ولم يخشع لهم طرف صرفوا جل وقتهم في حربها والصد عنها بلها هم أولاء يتفقون على قتل صاحبها عليه الصلاة والسلام فيلجئوه للخروج.. قال تعالى : ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ (الحج: ٤٠). قال العوفي عن ابن عباس: أخرجوا من مكة إلى المدينة بغير حق يعني محمدا وأصحابه إلا أن يقولوا ربنا الله أي ما كان لهم إلى قومهم إساءة ولا كان لهم ذنب إلا أنهم وحدوا الله وعبدوه لا شريك له.
لقد جاوزوا الحدّ من العناد، فصاروا ضد دعوة النبي ﷺ وناصبوه العداء، ولم يمدوا أيديهم ليغترفوا من رحمة الله المهداة المرسلة إليهم، بل لقد وصل من جحودهم ونكرانهم أن قال أبو جهل ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (الأنفال: 32)، فقال تعالى لنبيه : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (الأنفال: 33).. لكن المشركين لم يقدروا هذه النعمة حق التقدير، ولم يعبؤوا بها ويحافظوا عليها بل أزدادوا طغياناً وكفراً، فلما استنفدوا مرات الرسوب في إمتحان الإيمان بمكة وأخفقوا في نتائج الإختبار الذي خاضوه مع هذه الرسالة الربانية، وحاولوا التخلص من نبي الرحمة، كان الأمر الإلهي والإذن الرباني لرسول الله ﷺ بالخروج من مكة إلى يثرب، حيث الإيمان والنصرة. فكان نصيبهم الحرمان والخسارة بخروج النبي ﷺ من بين أظهرهم مهاجراً عنهم إلى يثرب حيث الإيمان والنصرة..
وها هو نبي الله ﷺ يعدّ عدته للهجرة، وسينتقل بفضل الله من مكة إلى أرض أخرى مشتاقة لرسالته، حاضنة لدعوته ناصرة الصحابته أرض سيدخلها النور بمقدمه، وسيكون لها في تاريخ الإسلام شأن وأي شأن والجزاء من جنس العمل.. فسيخلد الله تعالى ذكرها وذكر أهلها أن أحتضنت خير البشر وأوت أحب خلق الله إلى الله عز وجل، بل سيحن الناس إليها بكل ألوانهم وأجناسهم ولغاتهم، وسيفدون عليها من كل حدب وصوب، يشدون رحالهم لزيارة مسجده ﷺ والصلاة فيه، ويتنسمون عبير هوائها الطيب، ويعيشون بالذاكرة والوجدان لحظات تنزل الوحي فيها على النبي ﷺ، ويرون بعين قلوبهم صحبه الكرام، وهم ينافحون دونه ويجاهدون معه ويستشهدون فداء له، فالكل يفديه بنفسه وروحه.
أفضل صاحب.. وخير رفيق..
أختار الله تعالى لنبيه ﷺ في هجرته إلى يثرب خير صاحب وأحسن رفيق أختار له أبا بكر وقد علم أنه أفضل من يقوم بمهمة الرفقة والصحبة في طريق الهجرة معه لينال شرفاً ما بعده شرف، ويسبق الجميع بذلك كما سبق في الإيمان والنصرة، فأبو بكر ليس كغيره من الرجال، إنه أمة وحده.. يقول عنه عمر رضي الله عنهما: «ولو وزن إيمان أبي بكر بإيمان الناس لرجح إيمان أبي بكر» وهو الذي قال عنه النبي ﷺ: «خير أمتي بعدي أبو بكر وعمر» (ابن عساكر، وحسنه السيوطي). إنه أول من آمن من الرجال، ولم يال جهدا من نفقة أو نصح أو تضحية في سبيل الله، وقد ذكر النبي ﷺ فضل أبي بكر صاحب هجرته.. فقال: «إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً من أمتي لأتخذت أبا بكر إلا خلة الإسلام..» (رواه البخاري). وبشره: «أبو بكر في الجنة..» (رواه أحمد، وصححه السيوطي)، وذكر فضائله فقال: «أنا أول من تنشق الأرض عنه، ثم أبو بكر..» (رواه الترمذي وحسنه السيوطي). وقال: «سيد كهول أهل الجنة أبو بكر وعمر، وإن أبا بكر في الجنة مثل الثريا في السماء» (صححه السيوطي).
المصادر
١- تفسير القرطبي، تفسير ابن كثير.
2- موقع «الدرر السنية» (الموسوعة الحديثية).
3- موقع «المحدث».
4- موقع «الإسلام دوت كوم».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل