العنوان الذهنية الأمنية والمعارضة السورية
الكاتب محمد الحسناوي
تاريخ النشر السبت 28-سبتمبر-2002
مشاهدات 61
نشر في العدد 1520
نشر في الصفحة 40
السبت 28-سبتمبر-2002
بات من الواضح جِدًّا أن «الذهنية الأمنية» هي الجناح المسيطر اليوم على القرار السوري، وبناء عليه فلنتصور «الرأي والرأي الآخر» على أيدي هذه العقلية وأجهزتها القائمة أصلًا على الشك والريبة، طبعًا الشك والريبة بالأعداء. وإذا تحول الشك والريبة إلى جهة المواطنين الشرفاء فلنتصور الطامة الكبرى كيف تكون، بل هي كائنة في سورية، وما تزال منذ عقود، لكنها اليوم تتلبس لبوس «التمويه» لاستدامة هيمنتها وعقليتها المدمرتين.
بعد مؤتمر لندن الوطني الأول للحوار السوري «أصبحت الجمهورية الديموقراطية القاسم المشترك الأعلى لكل الأطراف المعارضة في الداخل والخارج، ولم يبق خارج اللحن الديموقراطي سوى حزب البعث الحاكم، الذي نصب نفسه قائدًا للدولة والمجتمع في دستور ينتمي للقرون الوسطى السياسية، فإذا لم يكن هذا الحزب مؤهلًا لقبول مبادئ الديموقراطية وحقوق الإنسان، فهل يمكن التحلي بالمرونة السياسية، ولو بداعي غريزة الدفاع عن البقاء؟». (القدس العربي 29/۸/2002م).
هذه خلاصة الموقف السياسي في الساحة السورية الداخلية كما عبرت عنه الدكتورة فيوليت داغر «رئيسة اللجنة العربية لحقوق الإنسان»، في تعليقها على مقررات المعارضة السورية في المؤتمر الأول للحوار الوطني الذي انعقد مؤخرًا في لندن. وإذا كان الأمر كذلك، فما مصير الأجهزة الأمنية القمعية في «الجمهورية الديموقراطية» المستقبلية؟
في خطوة استباقية يتقدم أصحاب الذهنية الأمنية، عبر مراسل جريدة (النهار) في 7/9/2002م للقول: لا لكل المعارضة، لا للجمهورية الديموقراطية، بل على معارضة الداخل أن تصدر «فرمانات» التخوين ضد مؤتمر الحوار الوطني «هل هي راضية عن قيادتهم؟»«الاعتذار لا يعفي من ضرورة التعبير...» ولتستعد أيضًا منذ الآن «للبصم» بالأصابع العشرة على قانون الأحزاب المبرمج المزمع إصداره بعد حوالي ثلاثة أشهر، الذي ينص على «الموقف النهائي من الإخوان المسلمين» والمراد من هذا «القانون» «تعميد» الإجراءات الأمنية القمعية، ضد الشعب والطيف السياسي الذي يمثل الشعب بمزيد من «الأغلفة» التسويغية المكشوفة. فالنقابيون المعارضون «كالمحامين» تعاقبهم نقابتهم المزيفة، والناشطون العشرة يحكم عليهم القضاء «المدجن» لا عصي المخابرات، ورجال القلم يكبلهم «قانون الصحافة» وهكذا دواليك في سلسلة الحيل الاستبدادية المقنعة. في الحقيقة ليس «المؤتمر الوطني الأول للحوار» وحده الذي تناصبه «الذهنية الأمنية» العداء وليس وحده الذي أربك هذه الذهنية فصارت تتعثر بالتفكير والتعبير.
فعلى الرغم من وأدها لـ«ربيع دمشق» وحكمها الجائر على الناشطين العشرة، وإغلاقها «منتديات الحوار المدني».. ما زال نبض المعارضة السورية، يدق بقوة وعنف، ويفتق البراعم والنوافذ للهواء الطلق. آخر هذه الإرباكات كان شهادات الأدباء والمفكرين السوريين في العدد الأخير الممتاز من مجلة «الآداب» اللبنانية عن «الرقابة في سورية». أي هو بيان تضامني أدبي سياسي معارض من الدرجة الأولى ضد «الذهنية الأمنية» بأقلام بضعة عشر أديبًا ومفكرًا سوريًا، في مجلة قومية علمانية. وصدمتان أخريان على «رأس» هذه الذهنية في يوم واحد يوم 25/٨/2002م، الأولى صدور البيان الختامي للمؤتمر الأول للحوار الوطني السوري. الثانية صدور ملحق النهار الثقافي بملف ضاف عنوانه «هل انتهي ربيع دمشق»؟ تحدث فيه ثلاثة عشر أديبًا ومفكرًا من رموز المجتمع الوطني والمعارضة السورية جوهر حديثهم، كان منصبًا على إدانة هذه الذهنية الأمنية، والتنديد بعرقلتها للنهضة السورية، وقتلها» ربيع دمشق» في مهده.
إن مؤشرات تخبط الذهنية الأمنية لا تنبع من طبيعتها «العصابية» وحسب! بل من تقاطر الحراك الوطني، واجتماع الكلمة الوطنية ضدها. ومن شعورها المتعاظم بالعزلة والحصار المستمرين بالإضافة إلى إخفاق إجراءاتها ضد النشطاء المدنيين والحقوقيين، التي تكشف عن تخبطها في التعاطي مع خطاب جماعة الإخوان المسلمين الانفتاحي الديموقراطي.
أ- فمن الناحية الشكلية: كان أول جواب لأصحاب الذهنية الأمنية على «مشروع ميثاق الشرف الوطني»، الذي طرحه الإخوان في 3/٥/2002م جاء على شكل تصريح «مسؤول أمني رفيع» لمراسل «النهار»، أي مواجهة رسمية أمنية لمشروع سياسي مدني! وكانت «خبطة» مكشوفة جدًا لسيطرة الذهنية الأمنية على القرار السوري، وعلى الكيفية الحضارية التي تتعامل بها المؤسسات الرسمية مع فصيل شعبي مدني. ولما اقترب موعد انعقاد مؤتمر الحوار الوطني توارى «المسؤول الأمني» خلف مقال للمراسل نفسه في جريدة الرأي العام الكويتية، يكرر حروف المسؤول الأمني الرفيع مجددًا، لكن بحذف كلمة «الأمني»، ليحل محلها لفظ «مسؤول كبير».
أما المقال أو «التقرير» الأخير المنشور في جريدة (النهار 7/۹/2002م)، فليس فيه مسؤول أمني ولا غيره، لكنه «تقرير رسمي» من أين الحصيف وراءه؟ إن الألفاظ هي هي في المقالين السابقين، لكن التراجع واضح في إغفال الجهة صاحبة التصريح هذه المرة للتعمية والتمويه... علامة عجز وارتباك، فيما نقدر!
ب- أما من ناحية المضمون: فأصحاب «الذهنية الأمنية» يضطهدون معارضة الداخل بل يتهمونها بالخيانة، ثم يحتكمون إليها لمقاطعة الإخوان المسلمين أو المؤتمر الأول للحوار الوطني! ألم يصرح نائب رئيس الجمهورية عبد الحليم خدام ووزير الإعلام عمران بتهم العمالة لأنصار المجتمع المدني؟ ألم يحكم على الناشطين العشرة بالسجن، وبحزمة اتهامات من العيار الثقيل تخل بالشرف والوطنية؟ وحتى المواطن الصالح الناشط في حقوق الإنسان المحامي هيثم المالح هو الآن مطلوب أمام محكمة أمن الدولة بمذكرة جلب لدى النيابة العامة.. أي مطعون بنزاهته!
أصحاب الذهنية الأمنية بتخبطهم يورطون القيادة السورية بارتكاب تناقض آخر، ألا وهو التوجه للإدارة الأمريكية بسلوك وخطاب ينددان بإرهاب الإخوان المسلمين ويؤكدان جدارة السلطة السورية للاشتراك بالحملة الأمريكية الدولية على ما تسميه الإرهاب، ويقدمون لها ثلاثين ألف وثيقة أمنية ضد مواطنيهم السوريين وأشقائهم العرب، وبذلك يكونون هم الطرف السوري الوحيد الذي يتعامل مع المخابرات الأمريكية ثم يتوجهون للشعب السوري باتهام المعارضة والمؤتمر الوطني للحوار بالأمركة؟! «رمتني بدائها وانسلت»!
في مقالة الدكتور برهان غليون المنشورة في ملحق «النهار.. ربيع دمشق» تحت عنوان: «نظام الحزب الواحد فقد مبرر وجوده»، يلخص استراتيجية أصحاب الذهنية الأمنية في سورية بتطويرهم «استراتيجيتين متوازيتين ومتكاملتين: الأولى تهدف إلى وقف حركة الاحتجاج وتفتيت النخب القيادية الوليدة وتشتيت شملها... أما الاستراتيجية الثانية الموازية، فتهدف إلى تحصين الموقف الداخلي خارجيًا وذلك بالالتصاق بشكل أكبر من أي وقت مضى بالاستراتيجية الأميركية العالمية والإقليمية وهي اليوم مواجهة الإرهاب أو الحرب على الإرهاب والاستفادة من واجهة هذه الحرب أو شعاراتها لتبرير الاستراتيجية الداخلية وتحريرها، وهي الرامية إلى تصفية فرص التحول الديموقراطي والحصول على التغطية الدولية لهذه التصفية.
أما سؤال «التقرير الرسمي» الأمني: «أين كان الإخوان؟ وماذا يفعلون في الخارج؟ إنه في العشرين سنة المنصرمة من العمل السياسي كان «الإخوان»، غائبين تمامًا عن الواجهة ...» فهو أقل ما يقال فيه إنه سؤال من يقتل القتيل ويمشي في جنازته! أليس أصحاب الذهنية الأمنية يعلمون دون غيرهم أسماء الآلاف من ضحاياهم في المجازر والقبور والسجون والمنافي ومن بقي منهم يتهدده حتى اليوم القانون «49»، القاضي بإعدامه؟ وقد قال في ذلك الباحث السوري محمد جمال باروت في آخر مقالة له: «إخوان سورية.. الحاضر الغائب...الأكبر - أخبار الشرق 6/٩/2002م». نزولًا منا جدليًا عند منطق «الذهنية الأمنية» التشتيتية في الرد على الاعتراف بتنظيم الإخوان المسلمين فصيلًا سوريًا وطنيًا، بأن ذلك يفتح الباب لليزيدية والمرشدية والعلوية والدرزية والإسماعيلية والطوائف المسيحية لتؤسس أحزابًا لها نقول إن هذا مردود تاريخيًا وموضوعيًا وواقعيًا، لأنه لم يحصل من قبل ولأن كل حزب يحتاج إلى جماهير تشمل القطر كله في الأقل، وأن يكون برنامجه جديرًا بالحياة وإذا حصل هذا الاحتمال الموهوم نتساءل: أيهما أفضل؟ أن يصل هذا الحزب إلى السلطة عبر تمثيل شعبي ديموقراطي سلمي تحت ضوء النهار؟ أم أن يقفز إلى السلطة في ظلام الليل ويتستر بحزب قومي عربي علماني لينفرد بالسلطة ويقصي الآخرين؟ والمعلوم أن فصيل الإخوان ليس شأنًا سوريًا، بل هو تيار شعبي منظم، ممتد عبر الأقطار العربية كلها، وعبر معظم أقطار العالم الإسلامي وغيرها، مما هو شائع متداول والحكومة السورية نفسها تتعامل مع الفصائل الإخوانية غير السورية بفتح مكاتب لها، أو تبادل الزيارات معها وما شاكل ذلك!
وبالمناسبة نروي واقعة معبرة من التاريخ السياسي السوري: في عهد الانفصال قفز العسكر إلى السلطة وعطلوا المجلس النيابي وأحلوا محله حكومة الدكتور بشير العظمة فتصدى لهذه الحكومة غير الشرعية الإخوان المسلمون بقيادة مراقبهم العام- في ذلك الوقت- الأستاذ عصام العطار، واستطاعوا إسقاطها. وإعادة الشرعية للبلاد باستعادة البرلمان لدوره الدستوري وهذه واقعة تميز طريق الإخوان المسلمين السلمية من طريق غيرهم الانقلابية حتى هذه اللحظة، كما توضح أن حالة الثمانينيات الدموية من صنع الذهنية الأمنية الممسكة بخناق البلاد والعباد حتى الآن.
وهناك طرفة في هذا الصدد وهي أن الدكتور العظمة أصدر قانونًا للأحزاب، يحظر فيه قيام حزب على أساس ديني، فهاجم الأستاذ العطار هذا القانون بشدة من على منبر جامعة دمشق، فاستدعاه الدكتور العظمة ليهدئه، كما تروي مجلة المضحك المبكي، المعطلة بقرار أمني طبعًا، فقال العظمة للعطار: ليس المقصود بهذا القانون جماعة الإخوان المسلمين يا أستاذ عصام، وإنما المقصود أبناء الطوائف الدينية- وكان العظمة محسوبًا على اللون الأحمر سياسيًا- فرد عليه العطار قائلًا: أنا أفضل مئة مرة أن أمد يدي إلى حزب ذي دين من أن أمدها إلى حزب ليس ذا...
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل