; لا أسف على صاحبي «البيت الكبير» و«محمد.. خذ حقيبتك» | مجلة المجتمع

العنوان لا أسف على صاحبي «البيت الكبير» و«محمد.. خذ حقيبتك»

الكاتب عمر بن قينة

تاريخ النشر الجمعة 03-سبتمبر-2004

مشاهدات 99

نشر في العدد 1616

نشر في الصفحة 52

الجمعة 03-سبتمبر-2004

  • عرب يكتبون باللغة الفرنسية حملوا جنسية الأمة ولم يحملوا هويتها.

قرأت مؤخرًا في صحيفة عربية مشهورة، أسفًا لكاتب من مصر على غياب أعمال لديه للكاتب الفرنسي الجزائزي الروائي محمد ديب صاحب رواية «البيت الكبير»، التي كانت باكورة أعماله في مطلع الخمسينيات، هذا الأسف بمناسبة وفاة محمد ديب في فرنسا، يوعز بما يكرس الاهتمام المبالغ فيه، في الشرق العربي بالأدب الفرنسي في الجزائر، وهو اهتمام مستمد من دون شك من الرصيد التاريخي للثورة الجزائرية ( ١٩٥٤ – ١٩٦٢م) التي احتضنها العرب جميعا والمسلمون قاطبة بالتشجيع المادي والمعنوي للمواقف وللرجال، وهو السياق التي حظي فيه كتاب الأدب الفرنسي في الجزائر باهتمام خاص، فانطلق الاهتمام العربي بترجمة أعمالهم إلى العربية والتعريف بهم ونشر الدراسات النقدية والمقالات الإشهارية، عن تلك الأعمال المترجمة، وغير المترجمة أيضًا، فضلًا عن تلك الحفاوة التي كان يلقاها كتاب هذا الأدب الفرنسي في الجزائر في الوطن العربي تبعًا للاهتمام الفرنسي به خدمة للثقافة الفرنسية.

ربما كان الأمر طبيعيًا، ومنطقيًا بحكم المرحلة التاريخية وواقعها النضالي، لكن من غير المنطقي أن يستحوذ كتاب الفرنسية على الاهتمام العربي أولًا، وأن يطرد ذلك حتى بعد عملية الفرز الفكري، في مرحلة الجهاد الأكبر بعد الاستقلال ثانيًا: بينما يلقى كتاب العربية، في الجزائر علنًا في الوصول إلى القارئ العربي خارج «المغرب الإسلامي العربي»، ويطرد بعض هذا العنت بعد الاستقلال مقارنة بين وزن أولئلك وهؤلاء فكريًا وعدديًا، فإن وصل «محمد ديب» و «كاتب ياسين»، على بساط من حرير رغم لغتهما الفرنسية وفكرهما الفرنسي وأدبهما الفرنسي ومواقفهما غير العربية، فقد أدمت الحجارة والأشواك كتاب العربية في وصولهم إلى فضائهم الفكري والروحي، بلغتهم العربية وفكرهم العربي ومواقفهم العربية، وشمل هذا في نهاية «المطاف»، بعد «التحرير»، من أضرب عن الكتابة بالفرنسية من كتابها الذي رأى فيها منفى له ينأی به عن وجدان أمته الصغرى «الجزائر» والكبرى العربية، وهي حال «مالك حداد»، رحمه الله التي يقاسمه فيها جزئيًا ومرحليًا المفكر الإسلامي ، «مالك بن نبي» رحمه الله.

وصل كتاب «الفرنسية» إلى «القارئ العربي»، يحفهم طبل ومزمار، ولاقي الأمرين كتاب «العربية»، فأمير شعراء «الجزائر» الشيخ «محمد العيد آل خليفة» رحمه الله بقي نكرة في معظم أقطار الوطن العربي أو كلها، ولم يقتحم الشاعر «مفدي زكريا»، رحمه الله المتاريس، والأبواب الموصدة إلا عنادًا، وجد سنده القوي في رجال ذوي مواقف بمن فيهم الإعلاميون الجادون التابهون في صحف ومجلات وإذاعات غربية، فذاع صيته بفضل الله ثم جهده ومؤازرة المخلصين من إعلاميين وغيرهم خصوصًا بعدما صارت قصيدته «قسمًا» نشيدًا وطنيًا رسميًا للثورة الجزائرية ولا تزال حتى اليوم النشيد الوطني.

الولع بالأجنبي الغالب كثيرًا ما تساءلت أمام ولع الإعلاميين والكتاب والمفكرين العرب بالأدب الفرنسي في «الجزائر»، من دون الأدب العربي فيها . الذي يمثل حجمًا ومواقف واكتنازًا خلال قرن كامل ٩٠٪ من المادة الأدبية كمًا وكيفًا، وفي كل مرة كنت أتلقى من داخلي مزيدًا من الإجابات، لم تستبعد واحدة من هذه الإجابات نقطة جوهرية: «الولع بالأجنبي» بالآخر، بالغالب بالقوي، بلغته مثل بضاعته... وأشيائه الأخرى تثمينًا لنظرية، «ابن خلدون»، الخالدة «المغلوب مولع بالغالب»، هذ الولع هو السياط التي تجلدنا من الداخل وتهزنا، بل تمسحنا. فيصير كل ما هو أجنبي أصلًا أو جزءًا من الأصل مرغوبًا فيه، وكل ما هو مني مرغوب عنه بصرف النظر عن قيمتهما معًا غير الولع بالأشياء الغربية التي لا تعني «دهشة» تجميل جديد غريب مفيد، بل انسلاخًا، في موقفي من إنتاج أمتي، والهوان الحق بنفسي فتصدع وجداني، فتكسرت مراياي الداخلية، في أعماقي.

المقالة البسيطة، مثل ذلك الأسف المشار إليه في مطلع هذه الكلمة تكتب عن منديل لزوج، «محمد ديب» الفرنسية بدورها : يفسح لها، مثل غيرها، مكان الصدارة وربما لو سولت لو «سولت» لك نفسك إرسال مقالة عن كاتب عربي لم يحظ بإشهار غير «محمد ديب» لكان مآلها في سلة من سلال «المهملات» التي تمثلن بها مكاتب «التحرير».

لا ألوم صحيفة ولا فضاء نفسيًا يهيمن في وقت ما على أذهان محررين وكتاب مختلفين، بقدر ما أضيق بهذا الولع الأعمى لا بما كتب بغير لغتنا: تلميعًا وإشهارًا وانبهارًا مبالغًا فيه فحسب، بل بالجهل المطبق من عرب بحقائق الأشياء وخلفيات المواقف وأبعاد الرؤى الفكرية والفنية لدى كتاب الفرنسية في الجزائر.

وظيفة وليست أداة

اللغة في الأدب ليست وظيفية، ليست أداة تبليغ بريئة كحالها في مدرجات الجامعات خصوصًا على ألسنة من تشبعوا بلغتهم. فتكونت لديهم مناعة هي في الأدب غير ذلك هي في الأدب روح الأمة الناطق بها الوجدان الحضاري للمبدع هي نتاج ذلك الفضاء الروحي مهما اختلفت الألوان وتعددت الأشكال ،الأدب ابن لغته روح الأمة الناطقة بهذه اللغة قيمًا، وعادات وتقاليد وأحلامًا، هي التي تقترح علينا أثاث البيت ورفيق الحياة، وطريقة أكل، وأسلوب فرح أو التعبير عن حزن.

أبواق استعمارية، أقول هذا ردًا جزئيًا كمقدمة الموضوع مؤجل حتى يشاء الله، عن أولئك الذين يقولون: إن «الأدب الفرنسي» بأقلام «جزائرية» عالج قضايا الأمة، فرواية البيت الكبيرة لمحمد ديب عالجت موضوع البؤس تحت الاحتلال الفرنسي مثلها مثل «الحريق» للمؤلف نفسه أو لغيره مثل رواية كاتب ياسين: «نجمة» الذي ختم «جهوده الجبارة»، بمسرحيته الهزيلة المتهافتة: لغة وأداء ورواية(«محمد.. خذ حقيبتك» التي كانت دعوة وقحة لاجتثاث الوجود العربي الإسلامي في الجزائر: لغة وعادات ودينًا وتقاليد وقيمًا، هذا الكاتب الفرنسي واحد من وجوه المسخ والتشويه في الجزائر الذي حظي بكتابات «إشهارية» عربية وهو يطعن كل عربي وكل مسلم في وجدانه. 

«كاتب ياسين» أحد الكتاب الفرنسيين في الجزائر، وهو بوق استعماري حظي بإشهار في الإعلام العربي، رغم حقده العازم على كل ما هو عربي وإسلامي أليس هو القائل: «أما آن لهذه المآذن أن تطير»؟ واصفًا المؤذنين لصلاة الفجر بكلاب «الدوار»، في سخرية قبيحة استفزازية من مآذن المساجد بنيت ليذكر فيها اسم الله، بينما يفضل الرجل صواريخ ومدافع مادية ذات شأن، وهو لا يؤمن طبعًا بالمدافع الربانية في أمة قوية بإيمانها غير المدخول، وقد كان عليها أن تتخلص من عدو الداخل الحاقد البغيض قبل العدو الخارجي.

لا أسف إذن يا كاتبنا العربي المحترم من أرض «الكنانة» على صاحبي «البيت الكبير» و«محمد... خذ حقيبتك»، فلم يقدم الرجلان شيئًا يخدم أمتهما، وإن أضافا شيئًا للأدب الفرنسي والرؤية الفرنسية بكل أبعادها. وابتعد هنا عامدًا عن خنادق تدق فيها أعناق البسطاء مثلي الذين لا حامي لهم إلا الله، فليس هنا مكانها ولا أوانها.

أما عن القضايا العامة في الأمة وأجوائها الاجتماعية والسياسية ونحوها فهي دون الرحم الذي تراه في روايات كتاب فرنسيين آخرين خالصين فرنسيين: لغة وجنسية تامة ومولدًا جدًا وأبًا وجنسية «رسمية»، في كل المراحل، لعل أهم من يمثلهم الفرنسي الحاصل على جائزة نوبل للآداب «ألبير كامي»، صاحب الكتب العديدة المستمدة من الحياة الجزائرية من العمق حيث عاش الرجل، وفي مقدمتها روايتا «الغريب» Letranger و «الطاعون» La peste وقد صور الرجل في معظم أعماله جوانب من الحياة الجزائرية من المستويات العليا حتى المستويات الدنيا ذات الطابع البوهيمي نفسه إبان الاحتلال الفرنسي، وهو هنا متقدم جدًا عن «ديب»، و«ياسين»، في تصوير الحياة الجزائرية حيث ولد وعاش إبان الاحتلال الفرنسي في الجزائر، فهو جزائري المولد مثل معظم الكتاب الفرنسيين في الجزائر.

آخرون أقلعوا عن الكتابة بالفرنسية

هذه واحدة من كثير أضيف إليه تساؤلاً آخر ما سر «الاهتمام» بأمثال «ديب» و «ياسين»، دون سواهما من جزائريين كتبوا بالفرنسية، ثم أقلعوا عن ذلك؟ تعبير «أقلعوا» وراء وصفي لهم بالجزائريين الذين كتبوا بالفرنسية، وفي مقدمتهم «مالك حداد»، الذي رأي أنه من العار أن يواصل الكتابة بعد الاستقلال بغير لغة أمته «العربية»، فكان مآله التهميش حتى مات في صمت، لأن الإعلام الفرنسي في «باريس»، و«الجزائر»، وغيرهما أراد ذلك، بينما يمضي هذا الإعلام في تلميع «المرتدين» الذين يخدمون لغة الاستعمار وأيديولوجيته.

وبما أن الكتابة بالفرنسية باتت طريقًا إلى التلميع الاصطناعي لا اللمعان الذاتي. فقد ارتد أيضًا انتهازيون آخرون عن الكتابة بالعربية إلى الفرنسية حين اكتشفوا اللعبة الرخيصة، لكنهم سرعان ما أدركوا أن تصنيفهم غير القابل للنقض قد تم مسبقًا عندما عانقوا الحرف العربي إبداعًا، فعادوا إلى مواقعهم خائبين مذمومين مدحورين.

نتاج سلبي.. وآخر إيجابي

لقد وصف الناقد الفرنسي «جان ديجوه» lean Dejus أدب هؤلاء الكتاب الفرنسيين وعلى رأسهم «ديب» «بالجزائريين ذوي التعبير الفرنسي»، فحاول بذلك، ربما، أن يقف موقف الوسط وهو يرى هؤلاء من دون هوية حضارية أصيلة تمكن لهم في وجدان أمة حملوا «جنسيتها» الورقية دون هويتها. و«ديجو» ربما أول من يعلم أن من الإنصاف أن نصف «ألبير كامي» بالكاتب «الجزائري»، ما دمنا قد «تبرعنا» بالوصف ذائه على أمثال «محمد ديب»، و«كاتب ياسين» و «مولود معمري»، وغيرهم من النتاج السلبي – لا الإيجابي – للثقافة الفرنسية، ولا أقول اللغة الفرنسية. 

هم النتاج السلبي للثقافة الفرنسية، بينما كان أمثال «مالك حداد»، و«مالك بن نبي» رحمهما الله النتاج الإيجابي، فاختارا موقعهما وموقفهما، فكان جزاؤهما في نهاية حياتهما: التعليم والتهميش، بل القدح والتعريض، فلقيًا ربهما في صمت وتجاهل، بفعل الإعلام الفرنسي، ورجال فرنسا المبثوثين في كل المواقع السياسية والإعلامية ونحوها، ومهما يكن من شيء فإن تعبير الكتاب الفرنسيين في الجزائر لا يختلف لغة ورؤية وأسلوبًا عن تعبير الكتاب الفرنسيين في فرنسا وخارجها ومن هذا الخارج (الجزائر) التي قد يرتقي وصف الحياة لدى «كامي»، عن «ديب»، وكلاهما يصف هؤلاء «الأهالي»، بلغة غير لغتهم، وإن اعتبر «كاتب ياسين»، هؤلاء الأهالي عربًا. غزاة، فقد اعتبرهم «كامي»، أبناء وطنهم الجزائر، كما عبر عن ذلك في قصصه و رواياته، ومن أهمها «الغريب» التي يصف فيها العرب، وهو يعيش بينهم: «كانت العربة مليئة بعرب يتظاهرون بالنوم، وهو غارقون في برانسهم، وكان بعضهم قد ردوا أقدامهم على المقاعد، فاهتزوا أكثر من الآخرين تبعًا لحركة العربة، فصار صمتهم وجمودهم ثقيلًا.......»

انعكاس الحياة الجزائرية بمختلف جوانبها في إنتاج أمثال «كامي»، لا يختلف عن انعكاسها في إنتاج أمثال «ديب»، و«ياسين»، و«معمري» مع شيء من حيادية لدى كتاب فرنسيين أصلاء جنسية ولغة وموطنًا، وحقدًا دفينًا على الأمة وفضائها لدى أمثال «كاتب ياسين».

لذا كان موقف «اتحاد الكتاب الجزائريين» منذ سنوات منطقيًا حين رفض أن «يزكي» ترشيح «محمد ديب»، لجائزة «نوبل للآداب» كما أوزعت بذلك أطراف وأوحت أخرى، ليقترح بعض هذا الترشيح الذي قوبل بالرفض لاعتبار أن الإنتاج يمثل الأدب الفرنسي، وإن كتبه جزائري بالمولد عاش في أوروبا، ومات في إحدى ضواحي «باريس».

ومعذرة إن جمع القلم الذي مارست عليه قمعًا استثنائيًا في أكثر من منعرج، تجنبًا لأكثر من أمر لأكثر من سبب رغم حرص رأيته واجبًا أخلاقيًا وفكريًا للإسهام الجزئي المتواضع في تصحيح خطأ ترتكبه في حياتنا الفكرية بل ندمنه، وقد آن الأوان للإقلاع عنه، وهو نداء موجه لكل نقاد الأدب في شرقنا العربي.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1460

71

السبت 21-يوليو-2001

المجتمع الثقافي [العدد 1460]

نشر في العدد 681

111

الثلاثاء 28-أغسطس-1984

جيل العمالقة  والقمم الشوامخ