; لانثى وشباك الحب الكاذب | مجلة المجتمع

العنوان لانثى وشباك الحب الكاذب

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 08-نوفمبر-2008

مشاهدات 1

نشر في العدد 1826

نشر في الصفحة 58

السبت 08-نوفمبر-2008



الأنثى مخلوق عاطفي، فالحب عندها يختلف في نوعه ودرجته عن الحب عند الرجل، هناك إناث إذا أحبت فإنها تنام وتصبح على هذا الحب، وكأن هذا الحب هو غذاؤها وشرابها وشهيقها ونبضها الذي يجعلها تعيش وتحيا في سعادة وطمأنينة واستقرار.

وعاطفة المرأة ليست عيباً في ذلك المخلوق الرقيق اللطيف الشفاف، بل إنها سمة ميزها الخالق سبحانه بها، كي تتكامل مع سمات الرجل، فتسير الحياة سعيدة هنيئة عندما يتم الزواج بينهما، وتتحقق السكينة والطمأنينة والمودة ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الروم: ٢١).

وإنما العيب - ليس في العاطفة فحسب بل في الأمور كلها - المبالغة في هذه العواطف، فالاعتدال هو المعيار المثالي في مثل هذه الأمور، والمرأة المسلمة تعلم جيداً أن حبها لزوجها قربه إلى الله تعالى، لكن هذا الحب له ضوابط، من أهمها الاعتدال، وألا تقدم زوجها ولا أي شخص آخر، بل ولا أي أمر آخر، على حبها لله، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾ (البقرة: ١٦٥).

وفي هذا السياق يقول رسولنا الحبيب ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما».

خطورة فورة العاطفة

عندما تفور عاطفة الأنثى وتزداد، فإنها هناك تسمع بقلبها وتغلق عقلها، فتغدو مخلوقاً ينظر فلا يرى الأمور على حقيقتها، ويسمع فلا يفرق بين الصدق والكذب،


وينخدع بالكلام المعسول وخاصة إذا نطق به صياد محترف، يجيد رمي شباكه، ويتقن الصيد، ذلك الصياد الذي يتقن تجهيز أدوات صيده، فيحفظ كلمات الحب من أشعار وتصوير وتعبير وخيالات وأحلام، فتتميل المسكينة إلى تصديق هذا الذئب الكذاب، لأنه أمطرها بوابل من حروف العشق المزيف، فتتأميل إلى تصديق النسم المعسول، وخاصة إذا كانت تتطلع إلى حياة عاطفية تعوض حرمانها، أو إذا كانت تعيش فراغاً عاطفياً.

إن بعض الإناث بسبب طغيان عواطفهن وضعف إيمانهن، يصبحن غير قادرات على التمييز بين الصدق والكذب، بل قد تكتشف الكذب في بعض المواقف، ومع ذلك تغض الطرف عنه، لرغبتها في تجربة عاطفية تنقلها من واقعها المعيش الذي تعاني فيه فراغاً عاطفياً، راغبة في أن تعيش واقعاً آخر أو حتى خيالاً تشعر فيه أنها أنثى مرغوب فيها، وأن رجلاً ما عسى أن يحبها!!

رمانة ميزان الحب

لا يعني ذلك أن نساءنا وبناتنا جميعهن هكذا، ولا يعني أن أكثرهن مصابات بهذا الداء، بل إني بدأت الفقرة الأولى من مقالي بقولي: «هناك إناث...»، فمن فضل الله علينا ومنته سبحانه أن أكثر نسائنا وبناتنا بخير والحمد لله، معتدلات في عواطفهن، وإن زادت عواطفهن فإنهن يصرفنها في مصارفها الشرعية للزوج، وهو نمط عاطفي مهم يحتاج إليه كل مسلم عفيف، كما تصرفه الأنثى لأولادها، وهو نمط ثان من الحب، يختلف عن حب الزوج، ومطلوب أيضاً كي يستقيم أولادنا على جادة الطريق وينشؤوا نشأة سوية، وثم نوع ثالث من الحب هو حب المرء لأخيه، وهو مشروط بشروطه، وأهمها أن يكون حباً لله وفي الله، وقد جعل رسولنا...

الكريم هذه الأنماط الثلاثة من الحب في قوله ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين». وهذا الحديث وغيره من النصوص الشرعية الواردة آنفاً في هذا المقال تؤكد نمطاً آخر مختلفاً ينبغي أن يقدم على هذه الأنواع الثلاثة، وهو حب الله تعالى وحب رسوله ﷺ.

عندما تختل رمانة الميزان

حين يتلاعب الشاب الكذوب بعواطف الفتاة، ويمارس الرجل الكذاب هوايته في صيد الإناث، وذوات الهوى، أو تلك التي طغت لديها العواطف، وضعف دينها وصبرها... هناك تقع كلمات الحب الكاذب في قلب تلك الأنثى، فتنتشي بهذه الكلمات، ويدق قلبها الضعيف، فيكون لهذه الكلمات مفعول المخدرات، فتختل رمانة الميزان، إذ تغيب الأنثى عن وعيها، وتنسى أهلها وزوجها وأولادها، وعفتها، وشرفها، فتخسر الدنيا والآخرة، على يد بائع الحب المغشوش، الذي استغل هشاشتها، وتلاعب بمشاعرها، فهل ذلك عليه اختراق كيانها، واغتيال سمعتها وكرامتها وشرفها، فعاشت في غيبوبة لا ترى ولا تسمع ولا تحس، ولم تفق إلا بعد أن خسرت أغلى ما تملكه الأنثى على يد كذاب مستهتر، خاوٍ من الشهامة والرجولة، يتعامل مع بنات الخلق كما لو كان يتعامل مع دمية يمارس معها لعبة الحب، فإذا ما قضى منها وطره، رماها وقد استحالت بقايا امرأة؟!!

لقد دفعتُ دفعاً إلى أن أتناول هذا الموضوع في هذا المقال، وخاصة بعد أن وردت إليّ صرخات بعض الفتيات والنساء، تعرض كل منهن مشكلة حقيقية حدثت لها أو لصديقتها أو إحدى قريباتها، ويستصمنني: ماذا يفعلن؟ هل تتزوج بذلك الشاب أو ذلك الرجل؟ أم أنه مخادع؟

العمود الأول من اليمين

وقد أصابتني الحيرة.. وتسألت: هل من المفيد أن أعرض هنا لبعض هذه الوقائع – تعريضاً – دون أن أذكر أسماء؟ أم أكف تماماً عن العرض، وخاصة أنني لا أحب أن أروي مثل هذه الأحداث كتابة، ولا شفاهاً؟ بيد أنني بعد تفكير قلت في نفسي: قصة يوسف مع امرأة العزيز وردت في القرآن الكريم، عرضها رب العزة في إيجاز وسرعة دون إسهاب وتفصيل، ودون تزيين وإغراء، على عكس ما نرى لدى القصاصين سُقاة السموم في كثير من القصص المقروءة أو المسلسلات المعروضة تحت ذريعة الإبداع والأدب!!

إذن بعد لأي وتفكير قررت أن أسجل بعض هذه الوقائع والأحداث التي في الحياة مطبقاً الغرض من المنهج القصصي الإسلامي، قاصداً بها تنبيه فتياتنا ونسائنا وجميع العفيفات الفاضلات، حتى لا يقعن ضحية لشباك الحب الكاذب، عملاً بقول الله عز وجل في الآية الأخيرة من سورة يوسف:

﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (يوسف: ١١١).

الدراسة المغرية

تلك قصة حقيقية، حدثت لإحدى النساء، بُعثت من دولة عربية إلى دولة عربية أخرى، واصطحبت معها طفليها، وكانا بالمرحلة الابتدائية. كانت قد طلقت من زوجها قبل سنوات، وكانت لها جارة مواطنة مطلقة أيضاً من مدمنات الإنترنت، وعن طريق أحد مواقع الإنترنت المعنية بالزواج، تعرفت صديقتها المواطنة على رجل ادعى أنه عالم شرعي ومن الدعاة والمثقفين، كما زعم أنه ملتزم وعلى خلق ومن عائلة ملتزمة.

كان هذا الرجل يعمل خارج بلده في إحدى دول الخليج، وخدعها بقوله إنه تزوج مرة واحدة وطلق زوجته، وأنه الآن يعيش بمفرده... رأت المرأة المواطنة المطلقة أنه عريس مناسب لجارتها الوافدة وصديقتها، فعرضت عليها الأمر، ووافقت المسكينة ابتغاء العفاف، وخاصة أنها كانت جميلة، وكانت تتعرض لمضايقات ومعاكسات برغم حجابها وحرصها على ألا تخرج بمفردها.. وحدث اللقاء واتفقا، وأغراها بالمال، فوضع في حسابها مبلغاً كبيراً، واشترى لها سيارة هدية، ووعدها بالسكن الذي تحلم به!!

العمود الثاني

ومنذ أول تعارف كانت هذه السيدة الفاضلة صادقة معه في كل كلمة، وعرفته على نفسها بكل أمانة... بيد أنها فوجئت بأنه ظلمها وكذب عليها في أمور أساسية بالنسبة لها ولمن في موقفها!! لقد فوجئت أنه يدعي التدين وأنه ليس من الدعاة.. والأدهى أنها فوجئت ذات ليلة بزوجة من زوجاته تحادثها في الهاتف، فأمطرتها بسيل من الشتائم التي يعف اللسان عن ذكرها، كما توعدتها وهددتها بتدمير مستقبلها العلمي، بل وخطف ولديها، وتحويل بقية حياتها إلى جحيم مستعر!!

وفي الليلة التالية، كان الخبر قد انتشر انتشار الهشيم، فوصل إلى زوجتيه الثانية والثالثة، كما وصل إلى مطلقتيه الأولى والثانية، وإذا بهذه المسكينة قد حوصرت بوابل من المشكلات التي شكلت خطورة على حياتها في كل مجالاتها المختلفة.

أشهد أنني لمست من رسالة هذه السيدة الفاضلة الالتزام وحسن الخلق، وصلاح المنبت والبيئة، بل ورجاحة العقل.. فتعجبت، وعندما سألتها: كيف منحك الله عز وجل هذه السمات الطيبة وتتسرعين في اتخاذ ذلك القرار المصيري الخطير؟

كيف توافقين على الزواج من شخص دون أن تتحري السؤال عنه؟ فذكرت لي أسباباً كثيرة، لكنها أكدت أن السبب الأساس أنها سمعت منه كلاماً معسولاً عن حق المرأة على زوجها في الإسلام، وعن واجبات المسلم نحو زوجته، وكيف يحبها؟ وكيف يسعدها؟

فانبهرَت بكلامه المعسول، وعاشت في خيال تتمنى ذلك مستقبلاً عندما يعقد عليها ويبني بها، وتكون زوجة له... وقد جعلها ذلك تتنازل عن أمور كثيرة، وتغض الطرف عن عيوب بدت لها، لأنها عاشت مع زوجها الأول محرومة العواطف، حتى أنها لم تسمع منه كل حب قط!!

والثانية، وإذا بهذه المسكينة قد حوصرت بوابل من المشكلات التي شكلت خطورة على حياتها في كل مجالاتها المختلفة.

أشهد أنني لمست من رسالة هذه السيدة الفاضلة الالتزام وحسن الخلق، وصلاح المنبت والبيئة، بل ورجاحة العقل.. فتعجبت، وعندما سألتها: كيف منحك الله عز وجل هذه السمات الطيبة وتتسرعين في اتخاذ ذلك القرار المصيري الخطير؟

كيف توافقين على الزواج من شخص دون أن تتحري السؤال عنه؟ فذكرت لي أسباباً كثيرة، لكنها أكدت أن السبب الأساس أنها سمعت منه كلاماً معسولاً عن حق المرأة على زوجها في الإسلام، وعن واجبات المسلم نحو زوجته، وكيف يحبها؟ وكيف يسعدها؟

فانبهرَت بكلامه المعسول، وعاشت في خيال تتمنى ذلك مستقبلاً عندما يعقد عليها ويبني بها، وتكون زوجة له... وقد جعلها ذلك تتنازل عن أمور كثيرة، وتغض الطرف عن عيوب بدت لها، لأنها عاشت مع زوجها الأول محرومة العواطف، حتى أنها لم تسمع منه كل حب قط!!

العمود الثالث من اليسار

المأساة الحقيقية

تقول هذه السيدة: كل ما مرّ هان على النفس، أما المأساة الحقيقية فهي كيفية تخلصي منه، لقد أرسلت إليه لأتنازل له في المرور عن سيارته ويأخذ شبكته وكل ما قدمه لي في حضور أهل الخير والشهود، فلم يوافق، وظل يرسل لي وسطاء، والأعجب أن من بين هؤلاء الوسطاء نساء لا هن من محارمه، ولا من قريباته، وبهِن من الصفات المنفرة ما لا يتحمله بشر.

ولما لم تفلح هذه الوساطات استمر في الاتصال بي، حتى اضطُررت إلى تغيير أرقام هاتفي، ومع ذلك كان يعرف أرقامي كلما غيرتها، وكنت أغلق في وجهه الهاتف دون جدوى، حتى أنني فوجئت ذات ليلة بأنه يصطحب جيراني للوساطة، فنظرت من خلف باب بيتي فشاهدته يبكي كالأطفال، ولما ألح الجيران عليّ أن أفتح أو أرد، رددت قائلة له: ألست رجلاً؟! وهل تقبل امرأة عاقلة أن تتزوج بشخص يبكي كالمرأة أو كالطفل؟!

لقد حاولت هذه السيدة بطرق شتى التخلص من هذه الورطة، وقصتها أكبر من أن توضع في كتاب!! لقد لجأت لأقسام الشرطة لتحمي نفسها من مضايقاته وتعرضه لها ومكالماته ورسائله وإزعاجاته!!

نهاية المأساة

أتدرون، إخواني وأخواتي القراء، كيف تخلصت هذه السيدة من هذا الكذاب؟ إنه لم يهدأ يوماً وكأن سعاراً قد أصابه، حتى أنه أرسل إليها رسالة على بريدها الإلكتروني تظهره على حقيقته، فيها من الغزل الجارح ما فيها، فطبعت الرسالة وأرفقتها بشكوى تطلب الحماية منه، وذهبت إلى سفارة بلدها، تخاطب سفارة بلده، وبمساعدة أهل الخير من القضاة ورجال الشرطة والدبلوماسيين والمصلحين وفقها ربها للخلاص من هذه الورطة، والخروج من هذا المستنقع!!

هذه هي الواقعة الأولى التي حكتها صاحبتها وبطلة القصة، أوردتها هنا عسى أن تستفيد بناتنا وتتعلم نساؤنا، بل نتعلم جميعاً ألا نجري وراء السراب، ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 4

165

الثلاثاء 07-أبريل-1970

بريد الأسرة 4

نشر في العدد 8

518

الثلاثاء 05-مايو-1970

الاحتشام سر الجمال