العنوان لابد للفكر الإسلامي أن يعلو
الكاتب عبدالسلام ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 05-يناير-1988
مشاهدات 65
نشر في العدد 850
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 05-يناير-1988
لسنا بحمد الله ممن يخاف عليهم أن ينزلقوا في دروب الألفاظ، فتتوحل في مستنقع
يمتزج فيه كلام الخالق بكلام البشر وتلتزج فيه معرفة الحق بـ«المعرفة الأولية لموضوع
ما». نسأل الله الحفظ، فإنه لا حول ولا قوة إلا به. مستنقع الخلط بين الاشتراكية والعدل،
بين الديمقراطية والشورى، بين الرأسمالية وإباحة التملك في الإسلام. إذا كانت قلوبنا
متعلقة بالله عز وجل ورسوله وكتابه فإن تفتح عقولنا على الواقع إنما هو تفتح ذو مغزى،
ذو دلالة، ذو وجهة، إنه تفتح على آيات الله في الكون، لا نرى العالم حركة سائبة مستقلة،
إنما نراه ونرى أنفسنا في قبضة الله عز وجل، الكون مسخر لنا، ومن هذا المنطلق نكسب
إن شاء الله تعالى وضوح الرؤية وثبات الخطى وسلامة التقدير.
من كان الله ربه رضا، وإلهه طاعة، ومحمد صلى الله عليه وسلم قائده فمن مخيم الجهاد
يحاور وعن الحق يترجم. فإن حاور الناس ببيان القرآن وبرهان العقل فمن موقف الذي معه
ما يعطي، ولن يهدد بيانه وبرهانه السيل الجارف الذي يغرق العالم، سيل الإعلام الملحد
المنصب على الإسماع والإبصار بواسطة الكلمات والمفاهيم والصور المقروءة والمسموعة والمبصرة
تحملها تقنيات الطبع وألوانه وإخراج المخرج، وتمثل الممثل، وفصاحة الإذاعي، وبراعة
الكاتب وقصة الفنان، وموسيقى الإيقاع، ورأسمال تجار الكذب وإستراتيجية أجهزة الحكم.
من وسط هذا الهذيان المحموم لابد للفكر الإسلامي أن يعلو، لابد أن يخترق الطبقات
المتراكمة المتكدسة من فلسفة الإلحاد وزندقة الإباحيين، وعبث العابثين وأيديولوجيات
الثورة القومية الاشتراكية التي تعيب الإسلام وتعاديه أو تتملقه أو تحاول الالتصاق
المنافق به.
اقتحام العقبة:
مازال أئمتنا -رحمهم الله- يصدرون كتبهم بفقرات يوضحون فيها مقاصدهم ومصطلحهم
ليكون القارئ على بينة من المسار المطلوب.. من هؤلاء الأئمة الأستاذ حسن البنا -رحمه
الله- نراه في «رسالة التعاليم» تلك الرسالة التي تشمل على قصرها قواعد العقيدة والتربية
والعمل.. ذكر رحمه الله في أولها ما يريده بكلمة «الفهم»، فرد الأصول العشرين في العقيدة،
ثم قال: «أريد بالإخلاص» كذا وذكر مكان إخلاص الوجهة لله عز وجل في ربط قلب جند الله،
وقال: «أريد بالعمل» كذا إلى آخر ما فصله رضوان الله عليه.
ويرى هذا العاجز أن التفاهم بيني وبين قرائي الأعزاء ازداد عنه عجزًا إن لم أقدم
بين يدي الكتاب المفاهيم الرئيسية التي تشكل الحبل المنهاجي الحامل لمضمون ما أريد
تبليغه بحول الله.
رأس هذه المفاهيم العبارة المقتبسة من سورة البلد «اقتحام العقبة» إلى الله عز
وجل.. هذه العبارة لم آخذها صدفة، إنما توفيق الله عز وجل سبق فإذا بالعبارة حبلى بكثير
من العلم.. فعل الاقتحام سبق ذكر العقبة.. يعني هذا كثيرًا لعقول تربت على التفكير
الجدلي المتحرك.. ما كان همي الأول أن أرضى الجدلية وهي وهم تافه من أوهام الفلاسفة
مثاليين منهم وماديين، لكن جاء التأمل الثاني فإذا بالعبارة ترفع تلك الحركة الجدلية
التافهة من حيث كانت متناقضات الطبيعة يحتك بعضها ببعض، ويصطدم بعضها ببعض ويسابق بعضها
بعضا إلى حيث تكون الطبيعة الكونية والطبيعة الإنسانية، عقبة يجب على الإنسان أن يقتحمها
ليعرف مولاه وخالقه، وليرضى عنه.
جدلية الطبقات الاجتماعية هل يمكن الروغان عنها؟ «اقتحام العقبة» إلى الله عز
وجل ينقلنا من آفاق الثورة الطبقية والاستبداد الطبقي إلى إمكانية الأخوة الإنسانية.
اقتحام العقبة إذن تحرك إرادي تتعرض له العقبة فتمانعه ويغالبها حتى يتم الاقتحام
حركة الفرد المؤمن في سلوكه إلى الله عز وجل وحركة الجماعة المجاهدة في حركتها التغييرية،
وحركة الأمة في مسيرتها التاريخية.
الرحمة والحكمة
بعد العبارة المفتاح «اقتحام العقبة».. بعد عنصر الحركة والمغالبة الإرادية للواقع،
لفظتان قرآنيتان تحمل كل منهما في أحشائهما العوالم الذاتية في الإنسان.
وأستعمل الكلمتين استعمالًا خاصًّا محدودًا. فأقصد بالرحمة العلاقة القلبية للعبد
بربه، وأقصد بالحكمة تصرف العقل، عقل المؤمن المرحوم أثناء فهمه لشريعة الله عز وجل،
وأثناء صياغتها صياغة قابلة للتطبيق، وأثناء السهر على تنفيذ أوامرها والإقناع والزجر
عن نواهيها.
الرحمة ما جاء من الله تعالى للعبد هداية كبعث الرسل إليه، والرحمة تعلق قلب
العبد بتلك الهداية والاستمساك بعروتها حتى تنور كيانه ويتمكن في محبة الله عز وجل،
تلك المحبة التي تؤدي للعمل والجهاد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ
مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍۚ﴾ (المائدة:٥٤).
أقصد بالحكمة «معرفة الدين والعمل به» كما فسر الكلمة الإمام مالك رحمه الله.
قال ابن قتيبة: «الحكمة عند العرب العلم والعمل». والعلم والعمل آلتهما العقل، فإما
عقل مصدر معرفته التجربة البشرية والتخمين الفلسفي وذلك عقل مشترك بين البشر، وإما
عقل يتلقى عن القلب رحمة الإيمان وهداية الوحي ثم يتصرف إلى تنفيذ أمر الله سبحانه
في الكون لا غناء له عن التجربة والفحص، فذاك عقل الحكمة: الرحمة قلبية، والحكمة عقلية
راجعة في معرفة الأهداف والغاية إلى الوحي، آخذة بالتجربة التي تمكن الإنسان من ضبط
حركة الكون والسيطرة على تفاعلاته ليتسنى له تطبيق الشرع.
النداء والاستجابة
«اقتحام العقبة» صيغة النداء الذي وجهه الله تعالى للإنسان يهيب به أن يتحرك ويغلب
العوارض ليعرف ربه ويطيعه وينال رضاه في الآخرة. يستجيب المؤمن لنداء ربه قلبًا وقالبًا،
رحمة وحكمة، علمًا وعملًا فيتحرك للتنفيذ على وعي تام بمصدر النداء وطبيعة العقبة،
فينتقل من إسلام إلى إيمان إلى إحسان الذي هو تحسين مستمر متصاعد للعمل الصالح في حركة
الانبعاث والحياة.
المنهاج
نستعمل الكلمة القرآنية منهاج حيث يستعمل غيرنا لفظة «منهج» أو «منهجية» لننظر
أولًا ماذا يعنون بلفظتهم المترجمة.
المنهج «METHODE» هو الكيفية التي بها نقول شيئًا أو نعلمه
أو نفعله طبقًا لمبادئ معينة وحسب ترتيب معين.
«المنهج الفلسفي هو مجموعة قوانين وقواعد تمكن الفيلسوف من معرفة الحق».
المنهج العلمي التجريبي «طريقة تتلخص في ملاحظة الظواهر واتخاذ افتراضات من تلك
الملاحظة، ثم التحقق من نتائج هذه الافتراضات من تجارب علمية».
حاجة العقل المعاصر إلى وضوح مبادئ العمل وإلى ترتيب، وإلى معرفة «منهجية» وإلى
تجربة علمية وإلى التأكد العلمي من صحة المقترحات وصلاحية نتائجها خصلة إيجابية تهيئ
المحل للحوار الناقد النزيه الحريص فقط على معرفة الحق.. والإسلام تلك بغيته أن يتفتح
عقل المخاطب لاستيعاب ما عندك وعرضه على محك التجربة لا يكابر في الحق.
الأيديولوجيات فلسفات، أي تخمينات بشرية لا تعترف بغير ذاتها مصدرًا لأي معرفة؛
فالحق عندها ما تتضمنه مفاهيمها وقوانينها لا غير. فإذا بها أنظمة مغلقة على ذاتها،
والحوار مع المؤمنين بها إنما هو في أحسن الحالات مجاملة من «آداب» المثقفين أو ضرورة
تكتيكية من ضرورات السياسيين.
نحن -الإسلاميين- نريد أن نقنع بما معنا من المعرفة، بما معنا من الحق، فنمد
الجسور ما أمكننا.. لكن لا تبلغ بنا المجاملة أن نفتح ذريعة منها ينفلت منا الإخلاص
لله عز وجل وحده لا شريك له، والحكمة السواء التي تدعو إليها لا يمكن أن تكون كلمة
الفلسفة إنما هي كلمة العلم علم الحق الذي يطلب التجربة، ويطلب اليقظة، ويطلب التأكد
من النتائج.
لفظة منهاج القرآنية وردت في قوله عز وجل: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً
وَمِنْهَاجًا﴾ (المائدة:48) قال حبر الأمة عبدالله بن عباس رضي الله عنهما:
«الشرعة القرآن والمنهاج السنة» فالمنهاج إذن تطبيق للقرآن وتجسيد في حياة الفرد وتاريخ
البشر لتعاليمه.. المنهاج عبارة عن السنة، والسنة عمل تابع لعلم عمل تاريخي مرتب في
الزمان.
فلا تعارض إذن بين التعريف العام للفظة «منهج» وبين تعريف المنهاج إذا ميزنا
أن المنهج كيفية بشرية للقول والتعليم والفعل، بشرية محضة.. بينما المنهاج قول وتعليم
وفعل بشري.. نعم، لكنه كيفية جاء بها الوحي وقاد مراحلها رسول من عند الله عز وجل.
ويتنافى المنهاج مع العلمية المنهجية من كون المنهجية العلمية موضوعها الكون
ونتائج ملاحظتها وتجربتها وافتراضاتها قوانين تحكم الكون وحركته بينما المنهاج موضوعه
الإنسان ومصيره في الدنيا والآخرة، والكون وأسراره ونواميسه تابع للإنسان، لا يستغني
الإنسان عنه لأنه مجاله الحيوي ومصدر معاشه وعماد بقائه وقوته، ويجتمع المنهج العلمي
والمنهاج النبوي في أن علمية ذاك تعطي نتائج كونية وهذا يعطي نتائج إنسانية.
ولما يسمى في عصرنا بـ«العلوم الإنسانية» مناهج كثيرة متكاثرة من وضعية إلى بنيوية
مرورًا بطيف من الألوان الفلسفية تعطي لملاحظة الأثنولوجيين والأنثروبولوجيين والمؤرخين
واللسانيين إلى ما هنالك قواعد نظرية يحاولون على أساسها معرفة تاريخ الإنسان وتاريخ
المجتمعات، وبناء المجتمعات، وعلاقات البشر فيما بينهم، والعادات والخصائص، والصفات
المشتركة. هذه «العلوم» تملأ عندهم فراغًا تركه الدين لما فصلوه عن حياتهم.
لكن أيا من تلك «العلوم» لا يبحث عن معنى وجود الإنسان ولا عن معنى زائد عن جسمانيته
ونفسانيته الشهوانية التي تنشد اللذائذ، والغضبية التي تنشأ عنها المنافسات والحروب،
والنباتية التي تتوقف على ضروريات المعاش، والاجتماعية التي يحكمها تكوين الأسرة وتضامن
القبيلة.