; كُتّابنا والهياكل المقدسة | مجلة المجتمع

العنوان كُتّابنا والهياكل المقدسة

الكاتب ا. د. عماد الدين خليل

تاريخ النشر السبت 05-فبراير-2011

مشاهدات 66

نشر في العدد 1938

نشر في الصفحة 66

السبت 05-فبراير-2011

كثيرون من علمائنا وأدبائنا وكُتّابنا وأساتذتنا الجامعيين العبرية المتحضرة.. كان «سارتر» - نعم سارتر نفسه - يقود كثيرون من علمائنا وأدبائنا وكتابنا وأساتذتنا الجامعيين مصابون بنوع من عقدة «أو مركب» النقص إزاء فلاسفة الغرب «وكبار مفكريه!».. الأمر الذي يدفعهم إلى الإعجاب الذي يبلغ حد التقديس لكتاباتهم وفلسفاتهم.. يقفون عندها كما يقف العباد والمتنسكون في الهياكل، ينصتون بكل جوارحهم للتراتيل المقدسة، معتقدين حتى آخر خلية في عقولهم أن هؤلاء مخلوقون من طينة أخرى غير طينة البشر العاديين وأن ما يقولونه ويكتبونه هو الحق المطلق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه!

إنها صنمية جديدة لا تقل هيمنة واستعبادًا للعقل البشري عن الصنميات العتيقة البائدة، بل إنها تفوقها في القدرة على الاستلاب.

وما زلت أذكر عددًا من الأساتذة الجامعيين الذي حصلوا على شهاداتهم من لندن أو واشنطون أو باريس.. إلخ.. وعادوا لكي يتسنموا مهامهم التدريسية، كيف أنهم كلما وردت على ألسنتهم أسماء من مثل ماركس وأنجلز وهيجل وكومت وسارتر.. إلى آخره؛ وقفوا بخشوع وإجلال يصل حد التقديس، وكيف أنهم - بهذا - كانوا يستلبون - بدورهم - عقول تلامذتهم، ويرغمونهم على دخول المعبد المقدس، والسجود للآلهة والأرباب، بينما كانوا عندما يرد على ألسنتهم اسم «محمد» صلى الله عليه وسلم لا يكلفون أنفسهم عناء الصلاة عليه، وكأنه - وحاشاه - رجل اعتيادي من عامة الناس.

وما زلت أذكر - كذلك - الزيارة التي قام بها لمصر، قبيل واقعة الخامس من يونيو ١٩٦٧م الفيلسوف الوجودي الفرنسي «الكبير!» «جان بول سارتر»، وكيف كلف بمرافقته والسهر على مطالبه أديب ومفكر مشهور هو توفيق الحكيم»، الذي لم يأل جهدًا في الطواف به على آثار مصر ومتاحفها ومواقعها المهمة، وفي تعريفه بأدباء مصر ومفكريها، وكيف شهدت الصحف المصرية ضجة كبيرة من التقييم والترحاب تليق بالضيف الكبير..

 ثم لما رجع إلى فرنسا، ووقعت واقعة يونيو الأسود، بعد أيام قلائل، وانطلقت التظاهرات في باريس تؤيد «إسرائيل» وحقها في الوجود، وتدين البدو العرب الذين يسعون لاغتيال الدولة العبرية المتحضرة.. كان «سارتر» - نعم سارتر نفسه - يقود إحدى هذه التظاهرات!!

ليس هذا هو المهم.. إنما موقف العديد من المثقفين العرب الذي يبالغون في تقديس الرموز الغربية، ربما بسبب هوان أنفسهم عليهم..

وعلى أي حال، فإن «سارتر» قبل أسبوعين من وفاته، أجرى لقاء صحفيًا مع عشيقته سيمون دو بوفوار، اعترف فيه بخطأ رؤيته الفكرية الإلحادية للعالم والوجود، وأعلن تبرؤه من إنجيل الوجودية المعروف باسم «الوجود والعدم»، وأقر بأنه لا ينكر وجود الله سبحانه..

وإنه - والحق يقال - موقف يحمد لـ «سارتر»؛ لأنه ينطوي على أخلاقية صادقة وجرأة قل نظيرها لدى الكتاب والفلاسفة والمفكرين العرب.

 فماذا سيكون موقف الأتباع» و«المعجبين تلامذة المدرسة الوجودية في ديارنا العربية، بعد أن رأوا شيخهم الكبير يتخلى عن فلسفته؟ وهل سيتعلمون من هذه الواقعة فيكفون عن اللهاث وراء رموز الغرب، ويحتفظون باستقلاليتهم ورؤيتهم الموضوعية المتوازنة، وأصالتهم، ويثوبون إلى رشدهم؟

 لا أعتقد ذلك.. فها هم «الحداثيون» العرب يركضون وراء التقليعات الحداثية الغربية التي تسقط إحداها الأخرى في مسلسل لا يكاد ينتهي: البنيوية، ما بعد البنيوية، السيميائية التفكيكية.. إلخ، يأخذونها على عواهنها، ويدخلون هياكلها بإجلال وخشوع، كأنهم ينصتون إلى أصوات الآلهة المنبعثة في التراجيديات.. اليونانية.. ثم لا تكون الخاتمة سوى أن الغربيين أنفسهم ينهالون عليها بفؤوسهم لكي يحلوا محلها معبودًا جديدًا.

ولا يكاد يخفى على مطلع أن أحد كبار الرموز التي يقدسها الحداثيون، هو الأديب والفيلسوف الألماني «نيتشه» الذي يبنون الكثير من معمارهم على كفره وضلاله.. بل على جنونه الذي انتهى به إلى إحدى المصحات.

ألا يتحتم أن نكون أكثر أصالة مع أنفسنا، وعقيدتنا، وفكرنا، وتراثنا، لكي نكسب احترام الآخرين.. فالذي لا يحترم نفسه لا يحترمه الآخرون. 

الرابط المختصر :