العنوان كيمياء الشهادة
الكاتب إبراهيم أبو الهيجا
تاريخ النشر السبت 26-مايو-2001
مشاهدات 76
نشر في العدد 1452
نشر في الصفحة 26
السبت 26-مايو-2001
في صور الانتفاضة وأحداثها مشاهد متعددة، ولكن تتصدرها لفظة واحدة «الشهيد»، وإجمالًا؛ فإن معاني «الشهادة» السامية شائعة في التكوين الكلي للمسلم وإذا أردنا أن نختزل عظمة الشهيد أو الاستشهادي فإننا نستطيع القول: إنه ذلك المضحي الذي استشهد بدمه من أجل الدفاع عن وطنه والحب لأرضه والكره لعدو هو انطلاقًا من دينه، وعقيدته.
لا نستطيع القول إجمالًا إن الشهادة هي بذل الكل في سبيل الكل، بل هي بذل كل ما يملك الإنسان من حياة ووجود في سبيل الحق والواجب، لقد حاولت الكثير من الفلسفات استعارة كلمة «الشهيد» لكي تلحقها بأدبياتها أو موتها أو حتى مناضليها، ولكن عمق الشهادة لا يمكن سلخه عن البعد الإسلامي والروح الإسلامية لأنها أصيلة في المكنون الديني لكل مسلم وعندما تختلط هذه الروح الاستشهادية مع أبعاد الصراع مع الاحتلال الصهيوني في أرض مباركة ومقدسة إسلاميًا، فسوف ينتج هذا الخليط الرتيب كيمياء الشهادة الفاعلة، وهو ذاته ما يعزز الدافعية النضالية القوية، وهو ذاته ما يفسر لماذا تميز الشعب الفلسطيني بحجم تضحياته.
هذه الصورة المتفاعلة قد تبدو غريبة للغرب تحديدًا، العاجز عن فهم هذا المزاج العنيد في التضحية أو النضال، ولهذا أصبح المحللون الغربيون والصهاينة يرجعون ما يجري لأسباب غريبة أو غرضية في بعض الأحيان، مثل ربط حالة الشهادة أو النضال بحالة الفقر أو البؤس أو الحرمان التي نحياها.
والأغرب هو تفسيرات علماء الديموجرافيا الذين يقولون إن سبب عدم اكتراث الفلسطينيات بموت أبنائهن هو كثرة الإنجاب والزيادة المطردة في عدد السكان الفلسطينيين! هذا العجز عن فهم الجهاد الفلسطيني أو التشويه لصورته سيبقى الصراع مفتوحًا ومتسارعًا لأن رسالة الشعب الفلسطيني هي ضرورة زوال الاحتلال عن كل أرضه، هذا هو الإدراك المتأصل في عقل كل فلسطيني، قد يتوقف الصراع آنيًا بفعل ضغط القوة أو مهدئات التسوية، ولكن ذلك كله وصفة مرتدة، ولها انعكاسات في تطوير المقاومة، وليس العكس، وهذا ما نشاهده في فصول انتفاضة الأقصى.
صور الشهادة
الشهادة ليست صورة واحدة في انتفاضة الأقصى، فهناك الشهيد «الضحية» بفعل الاحتلال وآليات قمعه، وهناك الشهيد «المقاتل» الذي خرج بما يملك لكي يواجه آلة المحتل وحصاره، وهناك نوع ثالث هو الشهيد الفدائي أو الاستشهادي المصمم على إيقاع الأذى بالمحتل مختارًا هدفه جاعلًا من جسده قنبلة في وجه المحتل، هذه الصورة ذات مدلولات أعمق وأشمل، لكونها تتعلق بعظم التضحية المقدمة، ونوع الرسالة المطلوبة وهي فوق ذلك أرقى درجات القتال بقدرتها الكبيرة على الإيذاء.
هذه الصورة العظيمة لا يمكن التسليم بمحاولات وسائل الإعلام تصويرها كأن الفاعل «انتحاري» لأن هذا التعبير خطير ويدلل على أن القائم بالفعل يائس أو محبط من الحياة فالاستشهادي يحمل مضمونًا قيميًا وهدفًا رساليًا ووطنيًا يرتفع عن كل الغايات الدنيوية أو الشهوانية، وحتى إذا ما قسنا الأمور بالمعايير الصهيونية لصفات الاستشهادي في كونه أعزب أو شابًا أو عاطلًا عن العمل، فكلها معايير ثبت مع تاريخ الصراع عقمها.
ولو كان المجال واسعّا للتفصيل - رقميًا وظرفيًا - لوجدنا مخالفة لافتة لكل الاستنتاجات الصهيونية الرائجة، لا ننكر أن هناك حوافز وعزيمة تجدها لمن هو شاب أو لديه قريب شهيد أو لوضعه الاقتصادي، ولكن هذه البيئة تعكس أمرين متناقضين، فمن لديه قريب شهيد قد «يرتدع»، ومن وضعه الاقتصادي «سيئ» قد «يسرق»، وقس على ذلك، لكن الاستشهادي فوق كل هذه الاعتبارات لأنه في النهاية صاحب رسالة عميقة ومتينة، وبالتالي فأحواله الاقتصادية أو العمرية جوانب ثانوية لا أهمية لها.
دوافع الفداء
يستمد الفداء الفلسطيني دوافعه وحوافزه من التالي:
1- المخزون الإيماني الديني الذي يمجد الشهداء ويحض على الجهاد ويرفع من منزلة العاملين به والقائمين عليه.
2- أصالة الصراع بأبعاده الكلية الحضارية والدينية والتاريخية.
3- شيوع فكر المقاومة، وثبوت أنها الحل لمواجهة الاحتلال القادر على إجباره على التنازل وقد وضعت التجربة اللبنانية الحجة البالغة على ذلك.
4- تعاظم الضغط الصهيوني عسكريًا وسياسيًا مما يرفع بالمقابل دوافع الفداء والنضال، وقد زاد من أهمية التحدي وصول شارون للحكم.
5- تصاعد أولوية الاعتماد على الذات ليكون الرافعة لدور عربي وإسلامي شعبي، بعد تأخر الدور الرسمي، وسفور التحيز الأمريكي، وعجز المواقف الأوروبية أو الروسية والصينية.
مكامن قوة الفداء: ضمن استقراء الحقائق الصراع ومفاعليه نستطيع القول إن قوة الفداء تتمثل بالتالي:
1- يحكم موازين الصراع «معادلة القوة والضعف»، فإذا فعلنا نقطة قوتنا بضرب نقاط ضعفهم نستطيع أن نملك عندها توازن الرعب الذي نريد، فالفدائي الفلسطيني يحرص على الموت بينما الصهيوني ضعيف بانتمائه حريص على حياته، هذه المعادلة من المهم استحضارها على الدوام.
2- لا تستطيع القوة الصهيونية -مهما برعت- أن تملك آلية لوقف الفدائي الذي يريد أن يموت والأهم أنه يريد إيقاع أكبر خسارة للأمن الفردي للعدو، فالصواريخ العابرة قد تمنع تهديدًا إقليميًا، ولكن كيف من الممكن أن تمنع فدائيًا من الموت؟ هذه مهمة صعبة، لهذا يرى قادة أمن الصهاينة أن العمليات الفدائية تمثل تهديدًا استراتيجيًا في ضوء صعوبة ردعها، ونظرًا لحجم تأثيرها الميداني الخطير.
3- تزداد قوة الفداء الفلسطيني أهمية في الميزان العسكري إذا ما درسنا الطبيعة الديموجرافية الصهيونية المتركزة في بؤرة محددة وعلى المستوى الديموجرافي ثمة تداخل وتشابك يستحيل فصله أو ضمان عدم تداخله، وحتى الحدود المصطنعة بيننا وبينهم التي تزيد على ٢٠٠ كم٢ لا يستطيع الكيان الصهيوني بجيشه الصغير السيطرة عليها، إذن فهذا الكيان أمام معضلة عويصة تجعل ميزة سلاح الفداء متضاعفة.
4- في ضوء الحقائق العسكرية الماثلة رقميًا، نستطيع القول إن صيغة الحرب الشاملة لن يتورط فيها الكيان الصهيوني ولن تقبل به أمريكا، وعليه فالنصر على الكيان الصهيوني أو إجباره على التراجع لن يكون مجديًا إلا عبر الاستنزاف المستمر له على طريقة الحرب اللا نظامية، ويستطيع النموذج الفلسطيني أن يتميز عن النموذج اللبناني بما يملك من سلاح الفدائيين القادر على إسقاط الأمن من الداخل وليس فقط من الخارج كما هو حال صاروخ الكاتيوشا.
السجال طويل
لا ينبغي توهم القدرة على سحق الاحتلال بين ليلة وضحاها، فالسجال طويل، ولكنا قادرون بتراكم النقاط وامتلاك الخطة، والصبر أن ننتصر إن شاء الله، وبحسب تاريخ الصراع الطويل، فإن سلاح المسلمين الأمضى هو الروحية الفدائية بما تملك من مزايا وتحقق من نتائج في ضوء حقائق الصراع وموازين الديموجرافيا وتشابك الجغرافيا والأهم كيمياء الشهادة.
عمق الشهادة لا يمكن سلخه عن الروح الإسلامية لأنها أصيلة في المكنون الديني لكل مسلم
توازن الرعب: الفدائي الفلسطيني يحرص على الموت بينما الصهيوني ضعيف بانتمائه، حريص على حياته
لا تستطيع القوة الصهيونية أن تملك آلية لوقف
الاستشهادي الذي يريد أن يموت ويوقع أكبر خسارة بالعدو
الاستشهادي يحمل مضمونًا قيميًا وهدفًا رساليا وطنيا يرتفع فوق الغايات الدنيوية أو الشهوانية
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل