العنوان كيف يكون التمسك بالدين سببًا للعقوبة؟!
الكاتب محمد المرشد
تاريخ النشر الثلاثاء 04-مايو-1982
مشاهدات 83
نشر في العدد 569
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 04-مايو-1982
الأخ رئيس مجلس الأمة أن موضوع الشكوى رقم ٧ أمر غريب وفي نفس الوقت محزن؛ إذ كيف يكون التمسك بالدين سببًا للعقوبة، وملخص الشكوى أن الجيش الكويتي طرد أحد أفراده لإصراره على التمسك بالسنة النبوية من خلال إعفاء لحيته، وحسب علمنا أن هذا الإجراء لم يقتصر على مقدم الشكوى وحده، بل شمل أفرادًا آخرين لنفس السبب. وإن المرء ليتساءل هل الجيش الكويتي في بلد إسلامي، وهل المسؤولون في الجيش مسلمون، وهل يدرك المسؤولون أنهم محكومون بدستور ينص في مادته الثانية على أن دين الدولة الإسلام وينص في مادته الخامسة والثلاثين على أن حرية الاعتقاد مطلقة، وتحمي الدولة حرية القيام بشعائر الأديان؟ إن المرء ليحار في الإجابة عن هذه التساؤلات، أمام ما حدث ويحدث من المسؤولين في الجيش من طرد نخبة من الشباب رغبوا طائعين مختارين في الانخراط في سلك العسكرية دفاعًا عن وطنهم وذودًا عن كرامة أبنائه.
ثم إنه من الغريب أن يدعو قسم التوجيه المعنوي في الجيش جميع أفراده من خلال برامجه المتنوعة إلى التمسك بالدين والمحافظة على شعائره، ثم يقوم بمعاقبتهم على الاستجابة إلى ما دعاهم إليه، فلا ندري هل الجيش غير صادق في توجيهه أم أنه يريد دينًا كيفيًّا؟ أن إعفاء اللحية بالنسبة لجميع المسلمين أقل ما يقال فيه: إنه سنة ثابتة من سنن الرسول صلى الله عليه وسلم، فلماذا يطالب الشباب بحلقها، إن المطالبة بحلق اللحية محاربة للسنة وازدراء بمشرعها، وهذا مؤذن بنزول العقوبة من الله قال تعالى: ﴿فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور: 63).
الأخ الرئيس:
إن القرار الذي اتخذ ضد مقدم الشكوى وغيره من زملائه قرار تعسفي، ولا يستند إلى سند قانوني، وإن التهمة التي وجهت إليهم تهمة باطلة، فلدى الرجوع إلى حيثيات حكم المجلس العسكري، لا نجد تهمة موجهة إليهم سوى رفض الأوامر بحلق اللحية، وهل مجرد رفض الأوامر تهمة؛ حتى ولو كانت الأوامر بمعصية، ولنفرض أن رئيسًا في الجيش أمر مرؤوسه بترك الصلاة هل يطيعه، وإلا يصبح رافضًا للأوامر؟! كلا ثم كلا! لقد وجهنا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أنه: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»، وإن الإصرار على إعفاء اللحية طاعة للرسول، وطاعة الرسول من طاعة الله، قال تعالى: ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ﴾ (آل عمران: 31).
وإذا سلمنا بأن إعفاء اللحية تهمة، وأن المصرين عليها يستحقون المحاكمة، وقد شكلت قيادة الجيش مجلسًا عسكريًا لمحاكمتهم، وقام هذا المجلس بواجبه وأصدر حكمه في حقهم، فلماذا لم ترض القيادة بهذا الحكم؛ بل ضربت بهذا الحكم عرض الحائط، ولجأت إلى اتخاذ قرار بطردهم من الجيش، واستخدمت كلمة «طرد» إمعانًا في إذلالهم، كأنهم بغاة أو زناة أو جناة.
وإنني في هذه المناسبة التي أتوجه فيها باللوم للمسؤول الذي أقدم على طرد أفراد من خيرة عناصر الجيش، معلنًا استنكاري لهذا القرار، ومطالبًا زملائي أعضاء مجلس الأمة بشجبه، لأتقدم بخالص التحية وصادق التقدير لرئيس وأعضاء المجلس العسكري المشكل بالأمر رقم 259/82 الذين أصدروا حكمهم ببراءة المتهمين بمخالفة الأوامر بحلق اللحى، مؤسسين حكمهم على أن إطلاق اللحية ليس جريمة يعاقب عليها القانون، كما أزجي لهم الشكر على الوسام الذي قلدوه لهؤلاء الشباب المتمسكين بأهداب الدين؛ حيث قالوا في حكمهم: «إن هذه العناصر حسبما يبين في سجلات الخدمة الخاصة بهم عناصر منتجة، أثبت الواقع تفوقهم في الدورات العسكرية، وإخلاصهم في عملهم وتفانيهم في سبيله، وإنها عناصر مؤمنة على جانب كبير من الخلق والاستقامة».
الأخ الرئيس:
إن ما يحدث في الجيش من مضايقات للشباب الوطني المخلص المتمثلة في الصورة التي أمامنا وفي صور أخرى، سأتحدث عنها في مناسبة أخرى، الأمر يدعو إلى القلق، وإن أشد ما نخشاه أن تكون تلك الإجراءات حلقات من برنامج معد بشكل خفي، لتنفير الشباب من الجيش؛ ليخلو الجو من وضع هذا المخطط، وهنا تحل الطامة، وأنه من المناسب أن أورد حادثة سجلها التاريخ لا نزال نذكرها بالألم والمرارة، تلك هي قصة نصر بن سيار عامل الأمويين في خراسان في أواخر أيامهم، عندما رأى الأيدي تعبث بمراكز الدولة ومناصب الجيش، فأخذ يحذر الخليفة الأموي في مغبة تلك الأمور، ولكن الخليفة لا يحرك ساكنًا، فلما عيل صبره، ونفدت حيلته بعث إلى الخليفة بالأبيات التالية:
أرى تحت الرماد وميض نار
ويوشك أن يكون له إضرام
فإن النار بالعودين تذكي
وإن الحرب أولها كلام
فإن لم يطنها عقلاء قوم
يكون وقودها جثث وهام
أقول من التعجب ليت شعري
أأيقاظ أمية أم نيام
فإن كانوا لحينهم نيامًا
فقل قوموا فقد حان القيام
الأخ الرئيس:
قد يقول قائل: إن محاولتي ربط واقع القصة بواقعنا قياس مع الفارق، ولكني أرد قائلًا: إن ما حدث في أيامنا المعاصرة في بلد عربي شقيق؛ ليؤكد ما ذهبت إليه، ويدعو إلى الحذر مما حذرت منه. واسمح لي يا حضرة الرئيس أن أهمس في أذن الأخ وزير الدفاع، بل في آذان جميع إخوانه قائلًا: «العاقل من اتعظ بغيره».
الأخ الرئيس:
لا يسعني في نهاية كلمتي إلا أن أعرب عن كبير أملي بالأخ وزير الدفاع في أن يتدخل لمعالجة ما نحن بصدده، ويدعو المسؤولين في الجيش إلى إعادة النظر في قراراتهم، بفصل شبابنا من الجيش وحرمانهم من شرف الخدمة فيه، وعدم التعرض لمن يحرص على التمسك بالدين وشعائره، فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل