; كيف يساهم مسلمو الغرب في تخفيف ظاهرة «الإسلاموفوبيا»؟ | مجلة المجتمع

العنوان كيف يساهم مسلمو الغرب في تخفيف ظاهرة «الإسلاموفوبيا»؟

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر الجمعة 01-نوفمبر-2013

مشاهدات 54

نشر في العدد 2065

نشر في الصفحة 26

الجمعة 01-نوفمبر-2013

أوروبا سجلت ارتفاعًا في الجرائم العنصرية على يد عصابات «النازية الجديدة»

الإسلاموفوبيا تبرر كراهيتها للإسلام بأن الحضور الإسلامي يهدد الهوية المسيحية لأوروبا

تعداد المسلمين كان لا يتجاوز سُبع البشر قبل 100 عام أما اليوم فأصبحوا خمس سكان العالم

الظاهرة أخذت أشكالًا مختلفة من الاعتداء اللفظي والجسدي إلى تشويه المساجد

الظاهرة قديمة وعادت بقوة بعدما استقر المسلمون وتحولوا من وافدين إلى مواطنين

بعض الحركات العنصرية أفرزت مجموعات تؤمن باستخدام العنف ضد من تعتبرهم دخلاء

خوف الغرب من الإسلام سببه أن المسلمين يمثلون مشروعًا وتحديًا روحيًا وثقافيًا لا يستسلم

«الإسلاموفوبيا» أو الخوف والتخويف من الإسلام.. هذا المرض القديم الجديد الذي تفشى في ديار الغرب، حيث تزايدت أعداد المسلمين من الوافدين، ومن المعتنقين الجدد، وتزايدت معها مظاهر التدين، مثل: ارتداء الحجاب، وانتشار المساجد، ومحلات بيع الحلال، والمعارض والمؤتمرات الإسلامية التي تضم الآلاف من المسلمين، في الوقت الذي يبقى فيه التدين لدى المسيحيين «الأغلبية في الغرب» ضعيفًا بالرغم من كل محاولات الكنيسة وإغراءاتها وجهودها لكسب اهتمام المزيد من المسيحيين.

وقد أخذت هذه الظاهرة أشكالًا مختلفة من الاعتداء اللفظي والجسدي إلى تشويه المساجد ومقابر المسلمين إلى أصناف من التهميش والإقصاء في العمل والسكن وفي مجالات الحياة العامة.

وأمام تصاعد هذه الظاهرة، سعى مسلمو الغرب إلى التصدي أو على الأقل إلى محاولة التخفيف من حدتها، من خلال مدخلين أساسيين: أولًا: بمحاولة فهم هذه الظاهرة وأسبابها ومسبباتها، وثانيًا: بمحاولة معالجتها في دائرتين متوازيتين وهما: دائرة المسلمين، ودائرة غير المسلمين، التي تنقسم بدورها إلى مستويات مختلفة من المجتمع السياسي إلى المدني بما فيه من نخبة ومؤسسات، إلى المستوى الإعلامي.

فهم الأسباب والمسببات

وقد عكف المسلمون على تفكيك ظاهرة الإسلاموفوبيا من خلال دراسات وبحوث ودراسات قام بها مختصون وباحثون ودعاة، وأول ما يجلب الانتباه هو أن هذه الظاهرة قديمة، واليوم وبعد أن استقر المسلمون وتحولوا من وافدين ومهاجرين إلى مواطنين عادت هذه الظاهرة بقوة، بمثابة رد فعل على هذا التحول في الوجود الإسلامي، من كيان محسوب على أنه أجنبي ومؤقت، إلى كيان له قوة ديمجرافية ويحمل في طياته قوة ثقافية وحضارية، تجعله مؤهلًا في المستقبل للفعل والتأثير.

وتبين أن مسؤولية الإسلاموفوبيا اليوم مشتركة، منها ما يعود إلى أسباب ذاتية لواقع المسلمين، يتعلق برواسب الانحطاط والتخلف ومنها ما يعود إلى أسباب خارجة عن الدائرة الإسلامية، وتتعلق بتركيبة المجتمعات الغربية وخلفياتها الثقافية ومسارها التاريخي وواقعها الحاضر.

انحرافات فكرية وسلوكية

وترتبط الأسباب الذاتية بالانحرافات السلوكية لدى شريحة من مسلمي الغرب انطلاقًا من توجهين متناقضين هما: توجه يميل إلى التسيب الأخلاقي والديني والتقليد الأعمى لسلبيات الغرب، وآخر فيه ميل إلى الشطط والغلو في الدين، وما ينجر عنه من سلوكيات منفرة من الدين الإسلامي.

وقد تصل الانحرافات السلوكية إلى درجة أخطر، تتجاوز منطقة الرفض الفكري والسلوكي، والدفاع عن خيرية الإسلام، إلى منطقة العمل العنيف.

وتبين من خلال التجارب الواقعية أن نهج الرفض والتشدد قاد بعض الشباب المسلم في الغرب إلى الغلو والتطرف في المواقف، إلى حد القطيعة التامة مع المجتمعات الغربية، والانجرار إلى أخطار استباحة الأموال والدماء والإجرام، عن طريق استخدام العنف، بل إلى ما يسمى اليوم بالإرهاب.

ويتسم هذا الموقف لدى بعض المسلمين بالشد إلى الوراء، وإلى تاريخ الصدام بين العالم الإسلامي والعالم الغربي، وإلى الصليبية والاستعمار، وإلى الفكر التآمري الذي يرجع كل مآسي العالم الإسلامي إلى الغرب، الذي يبقى يمثل الآخر المعادي في نظر هؤلاء المسلمين.

أما العوامل الخارجية لتنامي ظاهرة الإسلاموفوبيا، فهي تعود أساسًا إلى وجود جهات غربية توظف مثل هذا الخطاب ومثل هذه السلوكيات المنحرفة المتسيبة أو المتشددة للتأكيد على عدم قابلية المسلمين للذوبان في المجتمعات الغربية.

النزعة العنصرية الشوفينية

يبرز التوجه المعادي للحضور الإسلامي من خلال تصريحات ومواقف بعض الأحزاب الأوروبية ذات التوجه العنصري أو الشوفيني، والتي تمكن بعضها من الوصول إلى السلطة والمشاركة في حكومات ائتلافية، أما الأحزاب التي بقيت في المعارضة، فإنها تقوم من موقعها بدور الضغط على الحكومات وعلى الرأي العام لاتخاذ إجراءات صارمة ضد ما يسمونه بالغزو الأجنبي لبلدانهم.

حجة هؤلاء أن الحضور الإسلامي يهدد الهوية المسيحية لأوروبا، ويؤكدون في هذا الصدد على العامل السكاني «الديمجرافي» الذي يرجح الكفة -برؤية استشرافية للمستقبل البعيد- لتحول الأقليات المسلمة إلى أكثرية بالنظر إلى نسبة الإنجاب لدى المسلمين، المرتفعة مقارنة بنسبتها لدى الأوروبيين الأصليين، كما يحذرون من ظاهرة المسلمين الجدد من أصول أوروبية.

وتلتقي الأحزاب العنصرية والشوفينية حول التعبير عن مواقفها المعادية للحضور الإسلامي بأساليب استفزازية، واعتماد خطاب تبسيطي شعبوي بهدف إيصال الرسالة بسرعة إلى أوسع نطاق لشرائح واسعة من الرأي العام، على المستويين المحلي والإقليمي.

ولئن كان بعض هذه الأحزاب لا يتجرأ على مهاجمة الإسلام والمسلمين، فإن الخطاب يغلف باستهداف المهاجرين أو الأجانب، وقد استخدمت ورقة المهاجرين للابتزاز السياسي وتحقيق مكاسب انتخابية.

النزعة الانكماشية

لقد أفرز الخوف من المستقبل نظرة للآخر لدى شريحة من الرأي العام الأوروبي، تقوم على نزعة انكماشية تتفاوت في مستوياتها، وتتنوع في مظاهرها، ولا يقتصر الخوف من الآخر على من هو خارج الفضاء الأوروبي، وإنما يتعداه إلى من يقيم ويعيش داخل هذا الفضاء بل هو جزء من منظومته.

وترجع أسباب هذه النزعة إلى تفاعل عوامل متعددة منها ما يتعلق بخصائص وطبيعة المجتمعات الغربية، التي تطغى عليها العقلية الذاتية والفردية، والتأثر بالنزعة الاستعلائية وأحيانًا الشوفينية، نتيجة رواسب استعمارية وأيديولوجية تقوم على أساس الاعتقاد بتفوق العنصر الأبيض وسيطرته على بقية شعوب العالم، وتستشهد بالتفوق المادي والتكنولوجي.

وتتجلى مظاهرها في صعوبة قبول الآخر خاصة إذا كان يختلف حضاريًا، والميل إلى إقصائه وتهميشه، وتتراوح مستوياتها من الجهات الرسمية إلى الرأي العام الشعبي، ومن مجرد الكراهية إلى العداء والعنصرية ومن النزعة القطرية إلى النزعة الإقليمية.

ومن أسباب النزعة الانكماشية: البعد الاقتصادي -الاجتماعي، والحرص على الاستئثار بالمردود المادي للتفوق التكنولوجي وحياة الرفاه، ومعلوم أن الهوة بين ما يسمى بالشمال والجنوب ما انفكت تتسع بسبب التفاوت في الإمكانات المادية وفي ظروف العيش، الأمر الذي فسر تزايد موجات الهجرة القانونية وغير القانونية من الجنوب نحو الشمال، الذي رد الفعل بالانكماش على نفسه.

وقد استغل التيار العنصري النظام الديمقراطي في البلاد الغربية ليتشكل في أحزاب سياسية، استطاع بعضها أن يقرع باب السلطة، كما حصل في النمسا وهولندا وفرنسا.. الإشكال في هذا الصدد هو أن التيار العنصري الذي يعرف بأقصى اليمين تمكن بخطابه التبسيطي السطحي أن يستقطب شريحة من الرأي العام، وإقناعها بطرحه الذي يمكن اختزاله في اعتبار هوية المجتمعات الغربية مهددة، ويقصد بذلك هويتها المسيحية.

ومن أوجه التهديد المذكورة: الأزمة الأخلاقية والدينية وانتشار الجريمة والعنف والمخدرات، لكن الوجه السلبي والخطير في أطروحات هذا التيار هو التعميم في إلقاء مسؤولية الأزمات على الآخر، وكأن الأوروبيين براء من الانحراف العقائدي والتربوي والسلوكي، بل الذهاب أكثر من ذلك إلى المطالبة بتضييق الخناق على ما يسمونهم بالأجانب، والمقصود بهم أساسًا المقيمون في البلاد الأوروبية من أصول عربية وإسلامية، والإشارة ضمنًا وتصريحًا إلى عدم قابلية هؤلاء للاندماج «بمعنى الذوبان» في المجتمعات الغربية، بعلة الاختلاف الثقافي والحضاري!

الإشكال الثاني، هو أن بعض الحركات العنصرية أفرزت نتيجة خطابها الاستفزازي مجموعات حاقدة، تؤمن بشرعية استخدام العنف ضد من تعتبرهم دخلاء وأجانب على ثقافات وديانات المجتمعات الغربية، في هذا السياق، تقع اعتداءات مكشوفة ضد أفراد ومؤسسات بحجة عدم الانتماء لأصول أوروبية.

وقد سجل ارتفاع في هذه الجرائم العنصرية تقوم بها عصابات يطلق عليها غالبًا النازية الجديدة، مثل محاولة حرق المساجد أو الكتابة على جدرانها عبارات تنم على حقد وكراهية للإسلام والمسلمين، أو ضرب محجبات في الشارع، ويصل الأمر أحيانًا إلى حد قتل أبرياء لمجرد كونهم من أصول أجنبية!

ولا يمكن نسيان ما حصل في هذا السياق في بداية التسعينيات من مجازر ارتكبتها أحزاب عنصرية صربية ضد مسلمي منطقة البلقان في قلب القارة الأوروبية، فيما يعرف بـ«التطهير العرقي» في البلقان.

التضييق على الصحوة الإسلامية

ولعل أبرز مثال على ذلك تطبيق قانون يمنع ما يسمى بالرموز البارزة في الفضاءات الدراسية العامة بفرنسا، بحجة ضمان العلمانية، وتبين الأمر بأن هذا القانون يستهدف أساسًا حجاب الفتاة المسلمة في المدرسة، بعد أن سجل ارتفاع عدد المحجبات المثقفات في مؤسسات تعليمية بما يناقض الصورة التي يراد ترويجها عن المرأة المسلمة بأنها محتقرة وجاهلة.

إلى جانب البعد القانوني، يتم اتخاذ إجراءات وسياسات تصب في التضييق على مظاهر الصحوة الإسلامية، مثلًا عن طريق توظيف موضوع الحريات بخلفية ازدواجية، تشجيع من يتمرد على دينه مقابل التضييق على نشر الفكر الإسلامي الوسطي والمعتدل، وغض النظر أحيانًا عن بعض الجماعات الإسلامية المتشددة والمنحرفة.

وفي هذا السياق، يتم تشجيع صنف من المنتمين انتماء ثقافيًا للإسلام، وحاملين لأفكار مسيئة للإسلام والمسلمين، من نشر هذه الأفكار في وسائل الإعلام، وعبر كتاباتهم تحت مبرر حرية التعبير، بل حماية بعض من يتهجمون على الإسلام وتكريمهم رسميًا، وتبني قضيتهم باسم الحرية مثلما حصل مع تسليمة نسرين، وسلمان رشدي صاحب كتاب «آيات شيطانية»، المسيء للرسول الأكرم وزوجاته أمهات المؤمنين.

ولعل اهتمام الأجهزة الأمنية بظاهرة اعتناق الدين الإسلامي من طرف الأوروبيين -على الرغم من الإسلاموفوبيا المتصاعدة- دليل على تخوف حقيقي من تحوّل الإسلام إلى حل حضاري لمشكلات الغرب ومنه إلى كل البشرية.

في هذا السياق، فإن غضب الغرب وخوفهم من الإسلام -كما يرى المفكر الإسلامي السعودي محمد الأحمري في كتابه «ملامح المستقبل» -ليس بسبب حملات إرهابية فقط، ولا ملكية الثروة، بل لأن المسلمين يمثلون مشروعًا وتحديًا روحيًا وثقافيًا وحضاريًا لا يستسلم ولا يفكر في الاستسلام للحتمية الليبرالية، كما لم يستسلم للجبرية الشيوعية من قبل، وعنده شخصية رافضة للذوبان.

ومن المؤشرات الأولية على الصعود الإسلامي اليوم أنه لا يوجد دولة على هذا الكوكب تخلو من مسلمين نشيطين، فقد كان تعداد المسلمين لا يتجاوز سُبع البشر قبل 100 عام، أما اليوم فأصبحوا خُمس سكان العالم، وهذا التزايد في عدد السكان يصاحبه حركة وحياة غير مسبوقة منذ قرون.

 

وسائل المعالجة

إن محاولة فهم ظاهرة الإسلاموفوبيا وتفكيك رموزها والغوص في تعقيداتها، تيسر عملية البحث عن الحلول ومعالجتها بتدرج، ولكن بحكمة، فهذا الموضوع الدقيق يحتاج إلى معالجة حكيمة، وإلى مراجعات عميقة، بهدف التوصل إلى تقارب بين المسلمين في النظرة للغرب، وتجنب التعميم وإعطاء كل ذي حق حقه خاصة وأن الدين الإسلامي الحنيف يدعو إلى القسط وعدم التعميم في الحكم على الأشياء.

قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المائدة: 8)

كما تتنوع وسائل المعالجة، فمنها ما يتخذ طابعًا حقوقيًا قانونيًا، ومنها ما يتخذ مسارًا قضائيًا، ومنها ما يتخذ طابعًا فكريًا ثقافيًا من حيث تغيير العقليات.

العمل الجمعياتي الحقوقي

أمام تصاعد موجة الأعمال والتصريحات ذات الطابع المعادي للإسلام والمسلمين، اقتنعت كفاءات مسلمة، خاصة من الأجيال الناشئة، بضرورة المبادرة بالتحرك للتصدي لهذه الظاهرة، والدفاع عن حقوق المسلمين، وعدم الرضا بحالة السلبية والانتظارية أو التعويل على أطراف خارجية تقوم بتوظيف مواقفها الحقوقية لتحقيق مصالحها، كما حصلت قناة بأن العمل الفردي لا يؤدي إلى نتائج في المستوى المطلوب.

من هنا كان التوجه إلى العمل المؤسساتي في شكل جمعيات ومنظمات حقوقية تناضل ضد انتهاك حقوق المسلمين، وعلى سبيل المثال لا الحصر، تأسست في فرنسا سنة ٢٠٠٣م جمعية تسمى «التجمع المناهض للإسلاموفوبيا في فرنسا» (CCIF) ، وهي مؤسسة يقوم عليها شباب مسلم تربى في أحضان المدارس الغربية وتشرب قيم الحرية والعدالة، وأراد تحويل ما تعلمه من مبادئ إلى أمر واقع ينطبق على كل المواطنين بدون تمييز قائم على الدين أو اللون أو العرق، من خلال الدفاع عن المسلمين في فرنسا ضد كل أشكال الاعتداء والعنف اللفظي والجسدي وكل مظاهر التهميش والإقصاء.

وحصلت هذه المؤسسة على مصداقية عالمية سنة ۲۰۱١م بتحولها إلى شريك مع منظمة الأمن والتعاون بأوروبا، وعضو مستشار بمنظمة الأمم المتحدة، وتعمل هذه المؤسسة باستقلالية، وتتوزع أنشطتها على أربعة أقسام: المرصد، والتحرك الإعلامي والتحرك القضائي، والسند النفسي «انظر الملحق: قراءة في تقرير هذه المؤسسة».

يتمثل دور مثل هذه المؤسسات في رصد كل ما له علاقة بهذه الظاهرة بدرجة أولى، ثم في نشر هذه المعلومات من أجل تحقيق هدفين هما: فضح الجهات المتورطة أمام الرأي العام من ناحية والضغط على السلطات للتحرك في اتجاه إعادة الحقوق لأصحابها وملاحقة المتورطين من ناحية أخرى.

ومن مهامها الدفاع عن القضايا الإسلامية العادلة، وعن حقوق المواطنين المسلمين ومساعدة هؤلاء في تجاوز معوقات سياسة التهميش والإقصاء، عبر ترشيدهم إلى الإجراءات القانونية والعملية لأخذ حقوقهم في العمل والسكن والدراسة، والتقدير والاحترام كبقية المواطنين، بالتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني -جمعيات ومنظمات حقوقية ونقابات وغيرها- المناضلة ضد أطروحات التيارات العنصرية التي تبحث عن كبش محرقة لإلقاء مسؤولية أزمات المجتمع على «الأجانب».

بالإضافة إلى تذكير هذه التيارات بما تنكرت له من العطاء الثقافي الحضاري التاريخي للإسلام في الغرب، وعطاء المهاجرين الذين بُني التقدم العمراني على كاهلهم، ومساهمة المسلمين الدائمة في النهوض بالمجتمعات الأوروبية في مختلف المجالات، ومنها المجال الاقتصادي عبر دفع الضرائب كبقية المواطنين والانخراط في الدورة الاقتصادية بيعًا وشراء واستثمارًا.

ومن مهامها أيضًا التنبيه إلى خطورة التيارات العنصرية، واعتبار تناميها ناتجًا عن التردد في قبول الطرف العربي -الإسلامي داخل النسيج الاجتماعي، وعدم التعامل معه على أساس العدل وتساوي الفرص في التعليم والعمل والانخراط في الحياة السياسية، وإبرازه عادة في صورة سلبية.

البعد القضائي

بالرغم من أهمية البعد الحقوقي، فإن التجاوزات ذات الطابع الاستفزازي تحتاج في أغلب الحالات اللجوء إلى القضاء طلبًا للإنصاف.. في هذا السياق، نذكر قيام اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا برفع دعوى قضائية ضد صحيفة «شارلي ها بدو» Charlie Hebdo بعد نشرها لرسوم كاريكاتيرية فيها استهزاء واضح بالرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام.

وهناك توجه بارز لدى مسلمي الغرب في غالبيتهم، متمثلًا في اللجوء إلى القضاء، انطلاقًا من كون دول الغرب تؤمن بعلوية القانون، بل إن تطور البناء الأوروبي فتح المجال أمام المواطن -مهما كان- لرفع الدعوى إلى المحكمة الأوروبية، إذا لم ينصفه القضاء في بلده.

البعد الفكري الثقافي

يبقى الجهد الأكبر على المدى المتوسط والمدى البعيد، في العمل على تغيير العقليات، وهذا النوع من العلاج لظاهرة الإسلاموفوبيا يخرج من البعد الآني إلى البعد المستقبلي الإستراتيجي، عن طريق التحرك في دائرتين متوازيتين هما: دائرة المسلمين، ودائرة غير المسلمين.

بالنسبة للدائرة الأولى، فإن الركيزة الأساس في التغيير ترتبط بحسن فهم الإسلام من أجل حسن تطبيقه، مع التذكير بأهمية القدوة من منظور إسلامي، خاصة في بلاد غربية، كل الأنظار فيها موجهة للإسلام وأهله، فالاستقامة السلوكية وحسن التفاعل مع المجتمع مع الاحتفاظ بالهوية والأصالة والتميز بالقيم الإسلامية كلها مداخل لتغيير نظرة الآخرين، وحسن تعاملهم مع الأقليات المسلمة في الغرب، وتخفيف ظاهرة الإسلاموفوفيا.

أما خارج دائرة المسلمين، فإن الجهود لا تقل حجمًا ولا وزنًا من حيث توضيح الصورة الحقيقية للإسلام لدى دوائر صنع القرار، ولدى النخب الفكرية والمجتمع المدني بمكوناته، من جمعيات ومؤسسات، إلى جانب التخطيط الإستراتيجي للتواصل مع وسائل الإعلام، وإعداد البدائل الإعلامية لما لهذا المجال من تأثير مباشر على الرأي العام.

وتحتاج النخبة المسلمة الواعية إلى التعاون مع تيار ناشئ في الغرب، يدعو إلى التعددية الثقافية الحضارية، ولو من باب مسايرة الأمر الواقع، ويعتمد موقف أصحاب هذا الاتجاه أساسًا على العامل السكاني «الديمجرافي» باعتبار أن المجتمعات الأوروبية تسير نحو الشيخوخة، وتحتاج إلى التجديد في تركيبتها السكانية والمهاجرون المستقرون في البلاد الأوروبية هم المؤهلون للقيام بهذا الدور بما يمتلكونه من نسبة إنجاب تفوق النسبة الضعيفة لدى السكان الأصليين في هذه البلاد.

ولم يمنع ذلك من وجود اتجاه يؤمن بالتعددية الثقافية ويتبناها، من باب القناعة المبدئية، وأصحاب هذا التوجه هم بعض الوجوه من النخبة الفكرية والسياسية ومن مناضلي حقوق الإنسان، ومن المثقفين المختلطين بالوافدين والمواكبين للتحولات التي تشهدها المجتمعات الأوروبية -الغربية، والمدركين لسنن التطور البشري التي تقتضي الانفتاح على الآخر وقبوله والتعارف المتبادل بين البشر، وهؤلاء لا يرون مانعًا من إعطاء الفرصة للحضور العربي -الإسلامي لكي يكون طرفًا شريكًا في بناء المجتمعات الأوروبية وتطويرها.

في هذا السياق، فإن جهودًا كبرى تنتظر أصحاب الموقف الرصين والحكيم والمستوعبين لفلسفة الإسلام القائمة على الوسطية والحكمة تقتضي الانفتاح والتعاون مع أصحاب هذا التيار الناشئ للتخفيف من حالة الخوف «فوبيا» المتبادل، وتحقيق التقارب الثقافي والحوار الحضاري بين العالمين الإسلامي والغربي.

قراءة في تقرير مؤسسة «التجمع المناهض للإسلاموفوبيا في فرنسا» CCIF

جاء في تقرير هذه المؤسسة السنوي لعام ۲۰۱۲م، أن الأعمال ذات الطابع العدائي للإسلام والمسلمين تزايدت خلال العام الماضي بشكل مقلق، حيث تم تسجيل ٤٨٩ حالة ضد الأفراد والمؤسسات، مقابل ۲۹۸ حالة في عام ٢٠١١م، و۱۸۸ حالة في عام ٢٠١٠م، أي بارتفاع قدره ٤%، مقارنة بعام ۲۰۱۱م، حيث تم في عام ۲۰۱۲م استهداف ٤٠ مسجدًا، بزيادة ٩٥%، واستهداف ٥١ مؤسسة بزيادة ٤١،٦٦%.

كما جاء في نفس التقرير أن المرأة المسلمة هي العنصر الأكثر استهدافًا، بمعدل ٨٤.٤% من جميع حالات الاعتداء على أفراد ينتمون للديانة المسلمة، ومقارنة بعام ۲۰۰۸م تضاعفت الاعتداءات الجسدية واللفظية ۲۸ مرة أساسًا ضد المحجبات، مع الإشارة إلى ارتفاع العنف المسلح بالتهديد بالقتل، وتسبب أعوان الأمن في ٤٠% من الحالات المسجلة.

وجاء في التقرير أيضًا: «نلاحظ تحولًا في الإسلاموفوبيا، بعد أن كانت في معظمها ولمدة طويلة ناتجة عن المصالح العامة، فهي تترسخ من هنا فصاعدًا في القطاع الخاص على مستوى ميدان العمل في شكل الاعتداءات على الأفراد».

وخلص التقرير إلى النتيجة التالية: «لقد تحولت فرنسا من الإسلاموفوبيا السياسية إلى الإسلاموفوبيا الثقافية المدعومة إعلاميًا وسياسيًا».

وقد نشرت هذه المؤسسة على موقعها خارطة للأعمال التي تندرج تحت الإسلاموفوبيا في فرنسا.

الرابط المختصر :