العنوان كيف يحوز الداعية فقه الدعوة؟
الكاتب محمد أحمد الراشد
تاريخ النشر السبت 05-أغسطس-2006
مشاهدات 74
نشر في العدد 1713
نشر في الصفحة 66
السبت 05-أغسطس-2006
- المعاناة التجريبية
تناولنا في العدد الماضي الوسائل لتكوين الفقيه وبدأنا بالوسيلة الأولى وهي: القابلية الفطرية واليوم نستكملها ونتحدث عن الوسيلة الثانية وهي المعاناة.
إن العمل السياسي مثلًا ليس عملًا سهلًا ينبغي لأي أحد، وقد يأتيك الشخصية الداعية المسلم الجم المناقب، العالي الإيمان، ولكن أن وضعته في السياسة والميدان العام لا يحسن القول، ولا يأتي الكلام على الوجه الذي ينفع في موطنه الذي يراد له؛ وهذا خطأ كبير لأنه إذا كان في وقت احتدام المعركة لتبديل ميزان المعركة، فكذلك الأمر عندنا.
فالفطرة التي نريدها في الداعية يجب أن تكون واضحة، فطرة النباهة السياسية، فطرة التنظيم، كما أننا نتطلبها في الشاعر ونقول لا يكون شاعراً إلا صاحب هذه الموهبة فكذلك لا يكون قياديًا في مجموعتنا إلا صاحب هذه موهبة.
أما كيف تدرك هذه الموهبة؟ فدعوها لأمر من يكتشفها دعها للقادة الذين يقولون: هذا يصلح وهذا لا يصلح فكل الأمور للقادة هم يختارون وينتخبون، والقادة قد يخطئون فهم بشر، وقد تكون تجربتهم أيضًا في دور الاكتمال وليست مكتملة تمامًا، ولكن دعهم لأننا لابد لنا من مرجع في هذه الأمور، وكذلك كل مهمة الجماعة، ومنها هذه المسألة: انتخاب وترشيح من يصلح لهذه المهمة، فلا تبتنس إن حجب منها أحد أيها الإخوة، ولا تبتئس لأن المسألة قد أسندت لغير صاحبها، فإن هذه الأمور هي أمور اجتهادية وهي من فراسة القيادة في أعضائها تنتدب لها من تراه أنه أصلح لتلقي هذه المعاني، فالقابلية الفطرية الأساسية هي شرط من شروط تكوين فقهاء الدعوة.
ثانيًا: المعاناة
وهذا أمر قد ذكرته في كتابي المنطلق (صفحة ٢٤٤) حيث يوجد كلام حول هذا المعنى؛ أن مدة المعاناة واجبة وليس كل من هو صاحب قابلية وموهوب يستطيع أن يقول قوله حول فقه الدعوة، كما ليس من هو بشاعر وعنده الموهبة الشعرية يستطيع أن يجود شعره ربما شعراء الجاهلية كذلك، أما الآن فإن القابلية الشعرية لابد أن تقترن بمقدرة أدبية وبحفظ وعلم بالموازين حتى يستطيع أن يجود قوله للشعر.
فهنا أيضًا المسألة تكون متشابهة فمدة المعاناة - أيها الأخوة - واجبة، ولا أعني بمدة المعاناة أنها زيادة العلم؛ فزيادة العلم المطلوبة التي نريدها هنا هي معنى من المعاني التي يحسها المجرد بأن تفاعله النفسي مع الأحداث ومع تطورها يجعله أكثر استعدادًا لفهم الأمر الذي هو بصدده، فالأخ مثلاً - أي الداعية- المسلم أول ما يبدأ بدراسة الدعوة يكون غافلًا عن هذه المعاناة فيكون لاهيا كمن يلعب من الشباب ويلهو مع اللاهين، ولكنه حين بلغ بأمر الدعوة ونجح المبلغ في أن يحوز اهتمامه فتراه يفكر في أمر المسلمين ذلك التفكير الجدي بعد أن طلق اللهو.
فكلما فكر جاهدًا في أمور المسلمين وما صاروا إليه بادرة السؤال: لم صاروا هكذا؟ لم تفرق المسلمون؟ ويظل يسأل نفسه عشرات الأسئلة من هذا النمط، وعلى أي طريق يختار؟ فتختلج خلجات نفسه في نفسه، العديد من المعاني التي تكون هي العامل الذي يستعد به للقبول وتلقي أي جواب يكون من المقابل.
كذلك المعاناة التجريبية للمسألة: فتجارب الفشل والنجاح مع من حصل بهم التماس كلها تعتبر معاناة للأخ الداعية، وهذا الذي نقصده بالمعاناة.
ونخرج من هذا بنتيجة مهمة؛ حيث إنك لن تستطيع اختصار الطريق اختصارًا كبيرًامع هؤلاء الشباب الدعاة، وتقول: عندما يأتيني الداعية أكثف له الكلام في فقه الدعوة، فبدل أن يحوز فقه الدعوة في أربع سنوات أو خمس أعطيه إياه في خمسة أشهر أو أقل من خلال دروس مكثفة لن تستطيع ذلك - أيها الأخ - مهما تمنيت؛ لأن المسألة سوف تصطدم بعقبة رئيسة وهي افتقاد المعاناة في صدر من تكلمه أو تحدثه، حتى يحس إحساسك ويدرك الكلام على الوجه الذي أردته أنت وليس على الوجه الذي يستطيع أن ينحرف به التفسير إلى وجه آخر.
فمن هنا كانت مدة المعاناة واجبة وهذا يعني التدرج في صياغة المعادن القيادية، وليست هي مسألة الطفرات، وليست هي مسألة تكثيف القول لمجرد القول أن تصاغ هذه المعادن و إلا فما أسهل أن آتيكم بعشرات من إخواني يتكلمون في دروس مختلفة، ونهديكم مكتبة كاملة في ذلك، وتعتكفون من خلال شهرين وتكون الجماعة غنية بمعادن الرجال والقادة والفقهاء ولكن المسألة أكبر من ذلك بكثير، فلابد من المعاناة يومًا بعد يوم.