العنوان كيف يحوز الداعية
الكاتب محمد أحمد الراشد
تاريخ النشر السبت 15-يوليو-2006
مشاهدات 4
نشر في العدد 1710
نشر في الصفحة 66
السبت 15-يوليو-2006
فقه الدعوة؟ (1)
الحاجة لفقه الدعوة واضحة في كل مكان، والناظر في تاريخ حركة الدعوة الإسلامية في العصر الحاضر في هذا القرن يجد نقصًا كبيرًا في هذا الباب أدى إلى أن ترتفع أصوات كثيرة من دعاة مجربين تطلب الاستدراك من هذه النقطة.
وكان من مساهماتنا في هذا الباب أن ذكرنا في كتاب «المنطلق» الحاجة إلى هذا الفقه فقه الدعوة الذي قد سميته في هذا الكتاب أنها كالمصنع الثقيل أو الصناعات الثقيلة؛ حيث إن كل بلد ناشئ إذا أراد أن يبني صناعته فيبدأ أولًا بتوفير الصناعات الثقيلة، إذ هي المفتاح الذي يفتحه وتجعله ينطلق على الصناعات الأخرى، وستمكنه من أن يصنع بيديه المصانع الصغيرة، وهذه نظرية في التخطيط الصناعي والتطوير الدولي معروفة عند أهل الاقتصاد، وكذلك أمرنا نحن.
فالصناعة الثقيلة في داخل مجموعة الدعاة هي الأهم وليست الصناعات الخفيفة، وأقصد بالصناعة الخفيفة بث الحماسة وبث العاطفة والفكر السيار اليومي الهامشي.
هذه كلها لا تصنع ولا تؤدي إلى أن تكون الدعوة في موطن المقدمة، فغاية ما هنالك أن توجد لك تيارًا، ربما يكون سريع الزوال إما بمحنة فينفض، وإما بفتنة فينشق، وتكون هناك كلمات من القيل والقال وتصرفهم عن المطلوب، وإما أن يكون هناك تنافس مع الأحزاب المقارنة له فتغلبه الأحزاب بفنها وبتخطيطاتها ويبقى هو حائرًا فاغرًا فاه.. لا يدري ماذا يفعل!
أما المصانع الثقيلة التي عندنا في الدعوة فهي هذه التي تصنع لك الداعية صناعة جديدة، بحيث تعطيه العلم التراثي الأصيل من قرآن وحديث وتفسيرهما، وتعطيه الفكر التربوي على ضوء تجريب الجماعة في الماضي، وهذه الناحية مهمة جدًا، بحيث يستطيع أن يؤثر في الآخرين تربية وليس عاطفة وكذلك تعطيه الفكر التنظيمي بحيث تستطيع أن تجعل الداعية يعمل من عمل مجموعة صغيرة تأثيرًا كبيرًا مضاعفًا.
وكذلك الحذر السياسي أو الحكمة السياسية العامة التي تدل الداعية على مواطن الفرص ليغتنمها، وعلى مواطن الخطر ليتجنبها، هذا مكمل للعلم التنظيمي والتربوي، فإذا أوجدنا الآلة التي تصنع لإخواننا الدعاة هذا الوعي في هذه الجوانب فإننا نكون قد بنينا عناصر ثقيلة، عناصر لا تهتز عند المحن ولا تهتز عند الفتن عناصر لا تبذل طاقاتها في غير موطنها، فهذا هو المصنع الثقيل في الجماعة.
الغاية الأولى.. توحيد الفهم
ومنه تتقارب الاتجاهات في البلد الواحد، وهذه من أهم أمور وحدة العمل وعدم وحدة الجيوب في الجماعة، فوحدة الفهم هي المرتكز الأساسي للوحدة في العمل، وخذوا مثالًا واضحًا بما يجري الآن في مصر: لما غابت الجماعة المجربة عن الساحة ودخلت السجون، وأجبرت أن تبتعد عن جماهير الشباب نشأت تيارات كثيرة في الشباب، فبعضهم يقول بتكفير المجتمع، والبعض ينادي بالإسراع في الجهاد ويسمي نفسه مجموعة الجهاد، حتى ولو لم يستند إلى خلفية تربوية أو يستند إلى مقدمات يوجبها العقل.. كما أن هناك آخرين يأتونك على نمط ما يكون من حزب بتصور أن السياسة هي الباب الذي ندخل منه، وأنه ليس لنا حاجة لشيء آخر من التربية أو الفكر الشرعي غير السياسي، ويأتون باختلافات واجتهادات أخرى.
رأيت كم هم شباب الجامعات وهم كثرة كثيرة في الجيل الحاضر، لكنهم ليسوا بأجمعهم في تيار واحد مسخر لخدمة الدعوة الإسلامية الواحدة، وإنما اختلفت الوحدة التنظيمية وحصلت صعوبات أمام الجيل الذي خرج من السجون من دعاة مصر الأبطال، حيث وجدوا معضلة كبيرة في توحيد هؤلاء في بوتقة واحدة، وما السبب في ذلك إلا اختلاف الفهم.
قائل يقول: ما الضير في ألا نكون بوحدة في العمل؟ ما الضير في ألا نكون في اجتهاد شرعي أو تربوي واحد؟ وكل منا يسلك مسلكه ونأمل أنه بصيحات الحماسة فتتآلف القلوب وتتم هذه الوحدة.
المسألة أبعد من ذلك.. فإن القلوب لا يمكن أن توحدها عواطف وأقوال هامشية
هكذا، بل إن هذه القلوب، وحدتها مرتكزة على الوحدة الفكرية، والوحدة الفكرية هي التي تنتج الوحدة في العمل.
(*) مفكر إسلامي. العراق
يتبع