; كيف يحطم المسلمون قيد التبعية والحصار؟ | مجلة المجتمع

العنوان كيف يحطم المسلمون قيد التبعية والحصار؟

الكاتب الأستاذ أنور الجندي

تاريخ النشر الثلاثاء 02-أكتوبر-1984

مشاهدات 85

نشر في العدد 685

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 02-أكتوبر-1984

إن أخطر ما نخشاه على أمة -لها ميراث مجيد ورسالة خالدة كالأمة الإسلامية عجزت الأيام والقوى والمحاولة والمؤامرات عن القضاء عليها- هو استسلامها أمام المحاولات المتجددة والمستمرة وإذابتها واحتوائها والسيطرة عليها وإخضاعها لتقبل أسلوب العيش الغربي عن طريق اليأس ونفاد الصبر والعجز عن مواصلة المقاومة والتراخي إزاء مغريات النفوس الضعيفة إزاء الشهوات والمطامع والأهواء وما يقدم لها من مظاهر الترف والتحلل والفساد الذي تعجز أمامه النفس البشرية عن استمرار المقاومة والوقوف في وجه الخطر، وهذا هو «الأمر» الذي يراود قوى التغريب والغزو الثقافي بالأمل، في الوصول اليوم إلى ما عجزوا عنه منذ بدأت هذه الحملات على فكر الأمة الإسلامية وقيمها ومفاهيمها.

إن القبول بالواقع والرضا به هو أخطر ما نخشاه الآن على هذه الأجيال الهشة التي نشأت في مهاد الترف الكاذب والتي عجزت وعجز أهلها عن بنائها على الخشونة والصمود والمقاومة، والتي لم تعرف أبعاد الأخطار المحدقة بالأمة الإسلامية. والتي حاول الخصوم إشعارها بالأمن حتى تخضع وتستسلم وتصادق أعداءها وتقبل فكرهم، وترضى بالانصهار فيهم والذوبان في مفاهيمهم غير مقدرين مدى الخطر الماحق الذي يتهدد هذه الأمة جيلًا بعد جيل إذا لم تكن قادرة على حماية حصونها من الغزو، وأخطر حصونها من هذه المعركة اليوم هي عقولها وقلوبها التي فرغها التعليم الوافد والثقافة المختلطة والصحافة والمسرح والمسلسلات والأغاني، ووسائل الإضحاك من كل قيمة حقيقية، والذي تقبل كل ما تصدفه من وجهات نظر وافدة، ومن خلال معطيات وجودية أو رأسمالية أو اشتراكية ماركسية وليس فيها حالة واحدة تقدم وجهة النظر الإسلامية، هذه الأصيلة صاحبة الحق الأول والمبعدة عن مكانها الحق، إننا نسمع في جميع القضايا المطروحة والمشكلات المثارة مختلف وجهات نظر الأمم جميعًا والأيدولوجيات جميعًا ما عدا وجهة النظر الإسلامية، صاحبة الحق الأول في البيان، وذات المنهج الرباني الأصيل، والسابقة لكل هذه المناهج الوضعية، والباقية بعد تفسخ هذه المناهج وعجزها واضطرابها، والتي هي الأمل الأول والأكبر الآن في مختلف بيئات الثقافات في تقديم الحلول الحقيقة للمجتمعات الإنسانية التي تفسخت واضطربت وأصبحت عاجزة عن حل مشاكلها والتي وصلت بشهادة مفكريها وقادتها إلى الطريق المسدود.

        وهذا ما يتحدث عنه علماء الغرب اليوم حين يعلنون فساد المنهجين الرأسمالي والاشتراكي وحاجة الإنسانية إلى منهج اجتماعي واقتصادي جديد، وحين يتكشف عجز الحضارة عن العطاء الحق لأشواق النفسي الإنسانية بعد أن استقلت النزعة والفلسفة الماديتان وكيف اختفى البعد الإلهي عن الحضارة القائمة والمجتمع الإنساني وفي الوقت الذي ينسحب فيه علماء الغرب عن الحضارة الهاوية المنهارة نجد تلك القوى المحاصرة للمجتمع الإسلامي والراغبة في احتوائه، تعمل على فرض الفلسفات المنهارة عليه وحجب أضواء الحقيقة عنه، والمقاومة الدائمة لكل وجهة صحيحة، ومهاجمة كل صيحة حق أو كوة نور، إن هناك تلك الحملات المسعورة التي تهاجم اللغة العربية وتحول بينها وبين أن تكون لغة العلوم والطب، وتلك التي تهاجم تطبيق الشريعة وتصر على القانون الوضعي وتلك التي تهاجم عودة المرأة إلى الله والحجاب والبيت، وتلك التي تهاجم الأصالة وحماية الذاتية الإسلامية، وتلك التي تهاجم خصائص الإسلام في المبلس والحياة وأسلوب العيش وتلك التي تهاجم الإيمان واليقين تحت اسم التسامح والاستنارة والتي تصف الدعاة إلى الله بالتزمت والجمود والتعصب.

إن أخشى ما نخشاه هو الاستسلام أمام هذا المخطط الذي يستهدف اليوم إذابة الشخصية الإٍسلامية واحتواءها والقضاء على ذاتيتها ذات الطابع المتميز الخالص الذي صنعه الإسلام منذ أربعة عشر قرنًا، وحمل دعوتها إلى أن تحفظ كيانها الخاص ووجودها الخالص من أن ينصهر أو يحتوى في إطار أي حضارة أو فكر تحت أي اسم خادع أو دعوة براقة، وإذا كان المسلمون قد قاوموا في الماضي إزاء زحف الفلسفات الوثنية الإغريقية والرومانية والفارسية والهندوسية والمجوسية حتى أمكن احتوائها، فإنهم قادرون اليوم على مواجهة الفلسفات الغربية ليبرالية وماركسية واشتراكية والتغلب عليها واستعلاء على كل محاولاتها في السيطرة والاحتواء ونحن في طريق المقاومة فلنذكر هذه الصيحات التي لم تذهب أدراج الرياح.

إن شر ما يوصف به المسلمون أن الأحداث تلهيهم عن تدبر النظر في المخطط الذي يحاول الغرب أن يضعهم في داخله، لاحتوائهم وإدامة السيطرة عليهم وأنهم يهتمون بالأحداث الواقعة المتتالية، وينشغلون بإيقاعها عن النظرة الكلية الجامعة لمخطط مستمر متصل يهدف إلى عدم امتلاك المسلمين إرادتهم حتى يبقوا دائمًا في دائرة شبه مغلقة لا تمكنهم من أن يعلوا راية الدعوة إلى الإسلام، أو إذاعته في العالمين، أو اتخاذ أسلوبه الرباني منهجًا تطبيقيًا لحياتهم، فهم يغلبون مقاييس الغرب في فهم الأمور على مقاييس الإسلام ويصدرون عن خطط موضوعة دون أن يتمكنوا من كسر قيد التبعية والخضوع لمفاهيم وافدة، وأخطر ذلك كله استسلامهم إزاء الزخرف الغربي الذي تقدمه الحضارة في مجال المتع والشهوات والأهواء على نحو يحطم كيانهم الاجتماعي الفردي من ناحية وكيانهم الاقتصادي العام، فيفقدون قدرتهم على مواجهة الأحداث إبان الخطر من حيث أقعدتهم حياة الترف والرخاوة والأمن الواهم، ومن حيث ضاع هذه الثروات الضخمة في بؤرة المطامع الذاتية، مع أن هذه الثروات هي أداة حفظ الكيان العام وحمايته من أخطار الغزو الخارجي وضرورة بناء الأمة على المقاومة والتحدي دون الاستسلام لاستعادة ما في أيدي الأعداء من ناحية وللوقوف موقف المرابطة الدائمة على ثغور عالم الإسلام دون فتور أو تراخ أو إحساس زائف بالأمن.

ولعلنا حين نذكر هذه الصيحات المتوالية التي مرت في تاريخنا الإسلامي نحس أننا موضوعون في دائرة يراد إغلاقها حتى ندور فيها جيلًا بعد جيل دون أن نجد من أنفسنا القدرة على كسر هذه القيود وتحطيمها وامتلاك إدارتنا في بناء وجودنا الخاص على النحو الذي يتمثل في منهجنا القرآني الإسلامي الرباني، أنه ليبدو لنا الآن أن هذه القوى تحاصرنا حصارًا شديدًا حتى نظل عاجزين عن تحطيم قيد التبعية والحصار.

فلنذكر في هذا المجال صيحة لويس التاسع بعد هزيمته في الحروب الصليبية: لنبدأ حرب الكلمة فهي وحدها القادرة على تمكيننا من هزيمة المسلمين.

لنذكر صيحة غلادستون: أنه لا يمكن السيطرة على المسلمين ما دام هذا الكتاب «القرآن» باقيًا في الأرض.

لنذكر صيحة كرومر: أن الإسلام دين صحراوي وأننا لا أمل لنا إلا في المتفرنجين الذين يكونون بمثابة أيد عربية مع عقول أوروبية.

لنذكر صيحة اللورد اللنبي: اليوم انتهت الحروب الصليبية.

لنذكر صيحة «بترمان» وزير خارجية بريطانيا: لا بد من وضع جسم غريب يفصل هذه الأمة بين شطريها في أآسيا وأفريقيا.

هذه صيحات انطلقت خلال هذه المعركة: معركة القضاء على الذاتية الإسلامية خلال القرون تكشف عن المؤامرة وتشير إلى الهدف الذي تبنته القوى الأجنبية على مدى العصور لاحتواء هذه الأمة وحصارها، والذي وصل إلى غايته بانتزاع القدس من أيدي المسلمين، والذين يحاول العمل للسيطرة على الوجود الإٍسلامي كله عن طريق إدخال العرب والمسلمين في دائرة الإذلال والخضوع والاستسلام بالفرقة وتضارب الوجهة.

إنه لا بد من تبين حقيقة مهمة المسلم في الأرض، أن عبادة الله تبارك وتعالى تعنى أول ما تعنى إقامة مجتمع الله في الأرض وإقامة منهجه في الحياة، وبناء الحضارة الربانية التي تبدأ من الله تبارك وتعالى وتنتهي إليه، وليس الاقتصار على عبادة الله بالصلاة والصوم والزكاة والحج فحسب، أو اعتزال الناس بحجة أن المجتمع قد فسد، إننا مطالبون بأن نقتحم هذا المجتمع بمفاهيم الرحمة والعدل والإحسان والبر، هذه هي نقطة البدء الحقيقية في بناء المجتمع الإسلامي الرباني، علينا أن نكون على وعي كامل بالتحديات التي تواجه الأمة الإسلامية، وألا نقصر نظرتنا عند القومية أو الإقليمية الطبيعية، وعلينا أن نتعرف على مخاطر الحصار الثقافي الخطير الذي يريد أن يجرد المسلم من قدرته العريضة وحيويته الواسعة وحركته الواضحة في مجالات الاقتصاد والاجتماع والسياسة والتربية، ولا بد من تربية روح النضال والمقاومة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإيقاظها في ضمير الأمة حتى تعود إلى الأصالة والمنابع والرشد الفكري وأعراف الإسلام، حتى لا نقبل منهجًا وافدًا من شأنه أن يقضي على كرامتها وعزتها ويجعلها تابعة وذيلًا للأممية العالمية أو الحضارة الغاربة.

الرابط المختصر :