; كيف يتم الترويج لمشروع: قرن أمريكا الجديد؟ | مجلة المجتمع

العنوان كيف يتم الترويج لمشروع: قرن أمريكا الجديد؟

الكاتب محمد السانحي

تاريخ النشر السبت 12-أكتوبر-2002

مشاهدات 58

نشر في العدد 1522

نشر في الصفحة 28

السبت 12-أكتوبر-2002


  • تجمع من الجناح اليميني وضع عام ١٩٩٧ تصوراً متكاملاً للمشروع.. وكتاب ومفكرون قاموا بالترويج على أوسع نطاق

  • سباستيان ماللابي:  إن وقت إمبريالية جديدة قد حان وإن أمريكا أصبحت بحكم قوتها الفعالة ملزمة بلعب دور قيادي فيها

  لم يكن في مقدور أمريكا قبل تفجيرات ۱۱ من سبتمبر القيام بحرب عالمية تكتسب الكثير من التأييد العالمي، مما جعلها تتوسع سريعًا وتنتشر قواعدها العسكرية لتصل إلى الجمهوريات الإسلامية حتى بلغ الوجود الأمريكي مشارف روسيا شمالًا، وقد كان الوصول إلى تلك الأراضي حلمًا بالنسبة للإدارات الأمريكية المتعاقبة، وبالرغم من هذه القفزة الكبرى للسياسة الأمريكية الخارجية التي استطاع صناعها إخراج واشنطن من أزمة اقتصادية كانت تؤدي بها إلى حافة الانهيار الاقتصادي، ومكنتها من تجاوز انتقادات عالمية حول سياستها فيما يخص الكثير من المعاهدات الدولية المتعلقة بالبيئة والتمييز العنصري وسباق التسلح، فإن سياسة تحويل الفشل الداخلي والأزمات المحلية إلى حروب خارجية وحملات دولية لمكافحة عدو الديمقراطية والحرية والحضارة -كما يسميه المتحمسون لتلك الحروب- شيء ليس بجديد، لكن الجديد هذه المرة طموح أمريكي أكبر يتلخص في تحويل القرن الحالي إلى قرن الإمبراطورية الأمريكية لسد الفراغ الذي تركته الإمبراطوريات الأوروبية، وأحدث فوضى في العالم، كما يقول منظروها.

  من ريجان إلى بوش الابن وحروب الإرهاب التي لا تنتهي: لم يكن عنوان سياسة أمريكا الخارجية الرامية إلى تحقيق أهداف سياسية في عهد رونالد ريجان يختلف عن شعار مكافحة الإرهاب الذي رفعته إدارة بوش الحالية، بل كانت تحمل نفس الشعار، وتتبع نفس الأساليب والتكتيك، لقد حملت إدارة ريجان المنتمية لنفس الحزب الحاكم اليوم في الثمانينيات شعار السوط الشرير للإرهاب، كمشروع أساسي لسياسته الخارجية، وهو مشروع حرب وإرهاب وتغيير للأنظمة بالقوة، وكان الشرق الأوسط وأمريكا الوسطى مسرحًا له، ومن العجيب أن يكون دونالد رامسفيلد أهم وجوه تلك الحملة؛ حيث شغل آنذاك ممثل الرئيس ريجان في الشرق الأوسط، فخاضت أمريكا حربها عسكريًا وإعلاميًا على ما تسميه الإرهاب ضد حكومة نيكاراجوا التي اعتبرها ريجان سنة (٨٦) تهديدًا للأمن الوطني ولسياسة الولايات المتحدة في الخارج، وأعلن حالة الطوارئ، وفي نفس الوقت هدد وزير خارجيته جورج شولتز في أحد خطاباته للكونجرس بحرب عالمية لا حدود لها، داعيًا إلى وجوب اجتثاث لسرطان النيكاراجوي بكل الوسائل، ثم امتدت حرب ريجان على الإرهاب إلى إيران التي خاضتها عبر العراق، ثم استدراجها للاتحاد السوفييتي في مقتلة بأفغانستان وضرباتها لليبيا، ثم توجهت تلك الحروب في عهد خليفته بوش الأب بحرب الخليج الثانية وانهيار الاتحاد السوفييتي والتبشير بالنظام العالمي الجديد.

  لقد انتهت تلك المرحلة التي خاضت فيها الإدارات الأمريكية المتعاقبة حروبها ضد ما تسميه الإرهاب والتهديد للديمقراطية والحرية، ومررت عبرها سياستها، وحققت بعض أهدافها، لكن مع بداية القرن الحالي ومع عودة الجمهوريين إلى الحكم في الولايات المتحدة تم تطوير حروبهم ضد ما يسمى بالإرهاب، بعد أن نظروا إليها ووضعوا استراتيجياتها الجديدة، لتصبح إرهابًا دوليًا شاملًا لتنظيم شؤون العالم التي وصفوا دوله بالفاشلة، وتهيئتها لترقى إلى مستوى ثقافة وأيديولوجية المنظرين لإمبراطورية القرن الحادي والعشرين، ولم تكن أحداث 11 سبتمبر -كما قلنا- بداية هذا الطرح الاستعماري العولمي الجديد، إنما كانت شرارة انطلاقه، وبدء تنفيذه، والزج في سبيله بكل القدرات والطاقات، وتوظيف كل الإمكانات لتحقيق أكبر قدر من الاستراتيجية البعيدة المدى للدور الأمريكي في القرن الحالي في بسط النفوذ، والسيطرة الكاملة على مقدرات العالم، ليتحول باقي شعوبه إلى خدم للرجل الأبيض، ومستهلكة لنتاجه الاقتصادي والثقافي، هذا هو التصور الذي وضعه تجمع من الجناح اليميني في الولايات المتحدة عام ۱۹۹۷ قبل وصوله إلى السلطة، لإقامة ما يسمى بمشروع قرن أمريكا الجديد، وكان من بين هؤلاء المنظرين ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي ووزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد وحاكم ولاية فلوريدا، وشقيق الرئيس الحالي ونائب وزير الدفاع، وقد أعلن هذا التجمع أن الديمقراطيين -في عهد إدارة الرئيس كلينتون- قد فشلوا في إعطاء استراتيجية للدور الأمريكي في العالم.

  ثم استمر التنظير لهذا المشروع الأمريكي عبر الكتاب والمفكرين، وكان آخرهم صاحب العمود بالواشنطن بوست سباستيان ماللابي في مجلة Foreign Affairs في عددها لشهر أبريل الماضي تحت عنوان: «الإمبريالي المقاوم الدولة الفاشلة وقضية الإمبراطورية الأمريكية، في هذا الموضوع المثير للجدل يعرف ماللابي الخطر العظيم المحدق بأمريكا، ويحدد مصدره القادم من الدول الفاشلة، التي تشكل حسب رأيه مصدرًا لـ «الإرهاب وتجارة المخدرات».

  ويقول الكاتب: يجب على السياسية الأمريكية الخارجية الاستجابة للتطورات المتغيرة، إن الإمبريالية الحديثة تجبر إدارة بوش على المقاومة وبشدة، إن الفوضى في العالم تشكل تهديدًا لا يمكن تجاهله، وقد جربت الوسائل الحالية في التعامل مع هذه الفوضى ووجدت غير كفؤة في التعامل معها. إن وقت إمبريالية جديدة قد حان وقد أصبحت أمريكا ملزمة -بحكم قوتها الفعالة- بلعب دور قيادي فيها، ثم يعطي الأمر وكأنه أضحى واقعًا بقوله: والسؤال ليس هل ستقوم أمريكا بسد الثغرة التي تركتها الإمبراطوريات الأوروبية، لكن هل ستدرك أمريكا أن هذا ما سيتم فعله وعند إدراك هذه المهمة فقط ستكون الاستجابة فعالة؟ ثم يشدد على ضرورة إضفاء الشرعية الدولية على ذلك المشروع حتى يكون مقبولًا محليًا وخارجيًا، فيقول: إن دعاة الأحادية يجب أن يعرفوا أن الدول الفوضوية ميالة أكثر بقبول البناة متعددي الجنسيات الذين يتمتعون بالشرعية الدولية.

  ويضيف تأكيدًا على ضرورة الغطاء الدولي «كما أن استطلاعات الرأي الأمريكية أظهرت أن مسألة الشرعية الدولية مسألة مطلوبة داخليًا في أمريكا كذلك، إن أحسن أمل لمصارعة الدول الضعيفة يكمن في تنظيم هذا الخليط من القيادة الأمريكية والشرعية الدولية».

  ثم ضرب مثلًا لهذا التجانس بالبنك الدولي ومنظمة النقد الدولية، وهما كما قال تعكسان التفكير الأمريكي، ثم دعا إلى ضرورة بناء جهاز آخر بديل عن الأمم المتحدة التي وصفها ب«الأسيرة للفيتو التثبيطي لدول مثل روسيا والصين» غير بعيد عن هذا التنظير الذي تنبعث منه رائحة الاستعلاء للرجل الغربي الأبيض الذي غمرته نشوة الانتصار أو انهيار أيديولوجية المعسكر الشرقي، فراح يستهتر بقيم وشعوب العالم، وتصور أنها تعيش في فوضى واختلال وظلام، تفتقر إليه مرة أخرى ليقوم بحملات تحضير وتنظيم وتثقيف تلك الشعوب، وإنقاذها مما تعانيه من تنامي الإرهاب والجريمة المنظمة وتجارة المخدرات.

  غير بعيد عن منظري الولايات المتحدة للسياسة الأمريكية خاصة والغربية عامة، ارتفعت أصوات منظرين آخرين لهذا المشروع في القطب الآخر للكرة الأرضية وكانوا أكثر حماسًا، ولم تختلف طروحاتهم واستراتيجياتهم عن قرنائهم الأمريكان فتحت عنوان: «إعادة تنظيم العالم» كتب روبرت كوبر مستشار رئيس الوزراء توني بلير للشؤون الخارجية: إن مرحلة ما بعد العالم المتقدم سوف تكون فيها تلك الدول خاضعة لقيادات متعددة الجنسيات؛ أي عولمية، ويضرب مثلًا بأوروبا «في هذا الحالة لا تقوم هذه الدول بغزو بعضها البعض؛ لأن الأمن يكون سائدًا شفافيًا وسائدًا».

  ثم يبرر كوبر لإرهاب تلك الدول التي يسميها فوق المتحضرة، بقوله إن التحديات التي تواجه الدول ما بعد المتقدمة تجعلها تستعمل فكرة ازدواجية المعايير، وتتعامل فيهما بينها وفق نظم القوانين الأمنية، لكن عندما يتم التعامل مع أكثر الدول تأخرًا خارج دائرة الدول فوق المتقدمة تكون الحاجة إلى التحول إلى الوسائل القاسية للعصور الأولى عبر القوة والهجوم المباغت والخداع، وبكل ما هو ضروري للتعامل مع أولئك الذين لا يزالون يعيشون في عالم القرن التاسع عشر، وقال مؤكدًا تلك الازدواجية: «إننا فيما بيننا نتمسك بالقانون لكن عندما نعمل في غابة. يجب علينا استعمال قوانين الغاب».

  إنه منطق الاستعمار ذاته الذي حملته البعثات الاستعمارية تحت شعار «مهمة التحضير» في القرن الماضي، ويذهب كوبر إلى أبعد من كلامه الأول ليصل إلى تفسير المهمة القديمة الجديدة للرجل الأبيض فيقول: «إن السبيل المنطقي للتعامل مع الوضعية الحالية هي الاستعمار، لكن وبما أن ذلك أصبح غير ممكن اليوم، فإن البديل هو نوع جديد من الإمبريالية تكون مقبولة القيم الإنسانية والعالمية، إنها إمبريالية مثل جميع الإمبرياليات تهدف إلى إعادة القانون والنظام».

  ويبين كوبر ضروب هذه الإمبريالية الجديدة فيقول: «هناك نوعان لإمبريالية الدولة ما بعد المتحضرة، أولًا إمبريالية الاقتصاد والمال الذي يعمل عبر مؤسسات دولية، مثل: البنك الدولي، ومنظمة النقد الدولية، وهناك نوع آخر، وضرب له مثالًا بالبوسنة أي المحميات الدولية.

  لقد شرح لنا بعض هؤلاء المنظرين أهداف وخطة الحرب التي تتزعمها أمريكا، والتي أطلقت عليها اسم الحرب على الإرهاب، وهي الحرب التي تحولت من دفاع مشروع عن النفس إلى إرهاب دولي تمارسه أعظم دولة في العالم لتحقيق مآرب سياسية، وسيطرة دولية، وبث الرعب والفوضى في العالم، وعندما نصف ما تقوم به الولايات المتحدة اليوم بالإرهاب فإنني لا أقول ذلك جزافًا، إنما نستند على التعريف الأمريكي للإرهاب في دليل الجيش الأمريكي لسنة ٨٤ الذي عرفه بـ«الاستعمال المحسوب للعنف أو التهديد بالعنف للوصول إلى أهداف ذات طابع سياسي أو ديني أو أيديولوجي». فعبر مسار الإرهاب الذي تورطت فيه إدارة بوش ورطت العالم معها في مآسٍ دولية وإقليمية، وتصفيات حسابات، واعتداءات، وتجاوزات صارخة في حقوق الإنسان والحريات المختلفة، كل ذلك تحت شعار مكافحة الإرهاب الذي فتحت أمريكا الباب له واسعًا، وتعمدت تركه مبهمًا، إن اتساع دائرة الحملات الأمريكية وطنطنتها على دول العالم بقضية الإرهاب، واختزال كل القضايا والأزمات الأخرى فيها، سينقلب سلبًا على مجتمعات العالم بما فيه أمريكا التي بدأت تشعر بالعيش في قرية واحدة، يسودها التعاون والتفاهم المبني على الاحترام لخصوصيات تلك الشعوب وثقافاتها وقيمها.

  إن إدخال أمريكا العالم في متاهات ما يسمى بحرب الإرهاب المبهمة قد جرت العالم اليوم إلى تحديات كبرى، وحروب وأزمات لا يمكن التنبؤ بها، وأدت إلى بروز الكثير من الملفات العالقة والقضايا الساخنة والخلافات المستعصية ليتم حسمها حسمًا أحادي الجانب في ظل الحرب على الإرهاب، كما أججت الحملة الأمريكية الإعلامية والعسكرية العداء بين الشعوب والدول وبين الأقليات والقوميات في تلك الدول، وأوجدت مناخًا مناسبًا لنمو الأجنحة القومية المتطرفة، وزحفها السريع نحو الحكم، إن إيجاد أجواء حروب وظلم ملؤها الخوف والترقب وفقدان الثقة وكثرة التحذير من الإرهاب المزعوم، والزج به من قبل أمريكا في أجندة المحافل الدولية الاقتصادية والسياسية والثقافية والرياضية- سينقلب سلبًا على صاحبه، كما ينقلب السحر على الساحر، وأبرز تلك السلبيات التي حصدها الأمريكان هي كره شعوب العالم لهم، وافتضاح دعايتهم حول الإرهاب التي تحطمت على أنقاض قرى فلسطين، عندما توج قائد الحرب على الإرهاب شخصيًا شارون بوصفه رجل سلام أثناء اجتياحه الضفة الغربية وارتكابه مجزرة جنين.

  لقد فوتت الإدارة الأمريكية الفرصة على نفسها عندما كانت تحظى بتعاطف العالم برمته في مصابها، حيث كان من الأجدر أخلاقيًا وإنسانيًا التصدي لما حصل عبر البحث عن جذور تلك الأعمال، ومعالجة أسبابها السياسية والاقتصادية بتعاون تام مع المؤسسات الدولية، وهنا فقط كانت الولايات المتحدة تكسب احترام العالم، لكن الشعب الأمريكي راح ضحية الإرهاب، والإرهاب المضاد الذي يمارسه باسمه جناح داس على كل الأخلاق والقيم الإنسانية وحرية الشعوب، مستعملًا المعايير المزدوجة، وتوسعت شهيته لتتجاوز ما يدعو إليه، وتتحول تدريجيًا إلى استعمار من نوع جديد لإمبراطورية القرن.

الرابط المختصر :