العنوان كيف وصلت القاهرة إلى: الاعتراف بإسرائيل..!؟ للإجابة جذور تاريخية قديمة
الكاتب أحمد الفوزي
تاريخ النشر الثلاثاء 10-أكتوبر-1978
مشاهدات 57
نشر في العدد 415
نشر في الصفحة 27
الثلاثاء 10-أكتوبر-1978
كيف وصل بعض المسلمين، أو من يدعون أنهم مسلمون إلى الاعتراف "بإسرائيل"، والقبول بها جارة وصديقة؟ إنه سؤال محير وصعب.. ولكن لا بد من الإجابة عليه، حتى نستطيع أن ندرك الواقع الذي انحدرنا إليه بعد تخطيط استعماري مدروس مركز لغزو عقل المسلمين وقلوبهم ثم سلوكهم.
بدء المأساة
وللإجابة عن هذا السؤال لا بد من العودة إلى الماضي القريب إلى عام 1948 عام اغتصاب الجزء الأول من فلسطين. فلقد اهتزت له أرجاء العالم الإسلامي كله وامتلأت قلوبهم إيمانًا وحمية، وساروا عزلًا أو شبه عزل من السلاح، يريدون أن يحرروا أرض الإسراء والمعراج من الصهيونية أو أن يستشهدوا على ربى فلسطين، ولم يزل أهل غزة والعريش وغيرهما يذكرون جهاد الإخوان المسلمين لليهود الذي أرقهم وأقض مضاجعهم وألقى الرعب في قلوبهم، فاعتبروا المسلمين هم أعداءهم الأبديين الألداء، ودونوا هذا في مذاكراتهم وكتبهم.
اللاجئون
لم يكن يظن اللاجئون الفلسطينيون أن هجرتهم عن فلسطين سوف تطول أو أنها ستكون أبدية، بل كانوا وجميع المسلمين يتوقعون أن عودتهم وشيكة الوقوع لن تطول سوى أيام قليلة، ونمى هذا الشعور وسائل الإعلام العربية تنمية عظيمة.
ومضت الشهور والسنون، لقي فيها هؤلاء المهاجرون في خيامهم البالية تحت لهيب الصيف وبرد الشتاء كل عنت ومشقة وذل وهوان وهم يسمعون في كل يوم وعدًا جديدًا يداعب طيوف العودة في قلوبهم وخيالهم، ولم يعلموا أنهم قد أصبحوا- من حيث لم يشعروا- سلعة رائجة وورقة رابحة لم يتورع أحد من التلاعب فيها حتى ينزع غيره من عنفوان السلطة ثم ليتمكن هو نفسه في كرسي الحكم.
ثورة 23 يوليو
وصحا الناس في 23- يوليو- 1952 على ثورة الضباط الأحرار في مصر واستبشروا خيرًا، إذ هاجمت الملكية الفاروقية وألغتها وكشفت سوءها وخيانتها وعمالتها، فباركوها وأيدوها وظنوا أنها المنقذ والملاذ، ولكنها ما إن تمكنت واستقرت وقويت حتى كشرت عن أنيابها وكشفت القناع وذبحت الصفوة المختارة من المجاهدين المسلمين الذين أبلوا في حرب فلسطين عام 1948 خير البلاء، الأمر الذي أدى إلى ضعف هذه الأمة من جميع النواحي، فبدلًا من أن يركز الناس قوتهم وبأسهم نحو اليهود والجهاد ضاع هذا البأس بينهم هدرًا.
العدوان الثلاثي
وتقع معركة 1956 أو العدوان الثلاثي على مصر، وإذا برجال الأمس الذين مارسوا كل أنواع الإرهاب والعنف ضد المسلمين، وإذا بهم يسلمون سيناء كلها للعدو لقمة سائغة، الأمر الذي نتج عنه أرض محتلة جديدة ولاجئون جدد ومخيمات جديدة وخسائر روحية ونفسية كبيرة، وليتنا اعترفنا بخسارتنا وبأخطائنا، وسلكنا الطريق الصحيح طريق الجهاد وتعاونا مع هذه الفئة الإسلامية المخلصة، إننا لم نقبل هذا كله بل لبسنا ثياب الكذب والخداع، وقلبنا الخسارة إلى انتصار وصار المهزومون أبطالًا ذوي تماثيل وصور وخطب يفصلهم عن اليهود البوليس الدولي. هذا وبالإضافة إلى ذلك فإن حماسة الناس لاسترجاع فلسطين فترت والإصرار على تحريرها والعودة إليها ضعف في القلوب وإن لم يضعف على اللسان.
الشعور القومي بديل عن الشعور الديني
استمرت المزاودات الكلامية والخطب الرنانة الأمر الذي جعل الشعور القومي ينمو نموًا سريعًا، وذلك لأنهم كانوا يريدون بديلًا عن الشعور الديني الذي يخيف الأعداء، وهكذا انتقلت مشكلة فلسطين من إطارها الإسلامي الحقيقي القومي إلى إطار عربي أضعف من الأول لأنه يعني إبعاد 700 مليون مسلم من غير العرب عن ميدان المعركة، وهل بعد هذه الخسارة خسارة؟!..
الجمهورية العربية المتحدة والتحرير
ولكن الشعور القومي أيضًا لم يكن سوى بديل مؤقت وذلك لأنه يحمل في طياته خطرًا على "إسرائيل".
فما العمل؟ لقد جسدوه في الوحدة المصرية السورية عام 1958 التي استبشر العرب فيها كل الخير، ونسوا جراحات الماضي وجرائم صانعيها ودماء الشهداء. وعادت أحلام العودة إلى فلسطين وتحريرها تداعب الناس من جديد، فالإقليم المصري من الجنوب والإقليم السوري من الشمال فكَّان لكماشة عربية قوية، يطبقان على إسرائيل ساعة يشاء العرب وليست هذه الساعة ببعيدة.
الانفصال
لم يطل هذا الاستبشار بهذه الوحدة، لأنهم جعلوها تحمل من الأخطاء والعيوب والمشكلات الشيء الكثير، حتى كفر كثير من الناس بها أو ضعف حماسهم لها، الأمر الذي جعلهم يتقبلون الانفصال عام 1961 بشكل أو بآخر، أو على الأقل لم يقاوموه مقاومة تقضي عليه وتقف أمامه.
لم يجد العرب في الانفصال واقعًا أفضل مما كان عليه الأمر في زمن الوحدة؛ فبكوها بعدما نسوا أخطاءها وعادوا يرون فيها بصيصًا من أمل يمكنهم من التحرير والعودة، الأمر الذي أعاد الحماس القومي إلى قوته وشدته.
ثورة آذار
وينتهي الانفصال عام 1963 وكبّر الناس وهللو،ا وعادت الشعارات من جديد بصوت مجلجل مدوٍّ، وعلت الأصوات الداعية إلى الوحدة، فسار المسئولون نحوها إعلاميًّا وشكليًّا إرضاء لهذه الجماهير وخوفًا من قوتها، فانتعشت آمال العودة والتحرير من جديد، ولكن هذه الخطوات جمدت وألغيت وبُدّلت، بعدما تمكن هؤلاء المسئولون من الحكم والسلطة، وكان نصيب دعاتها القتل والسجن والتشريد والتسريح. إلا أن الشعارات الوحدوية وصيحات التحرير وأصوات النضال لم تكفّ عن صياحها.
ليست هناك خطة لتحرير فلسطين
فوجئ الناس عندما أعلن المشير عبد الحكيم عامر أن مصر وغيرها لا تملك خطة لتحرير فلسطين واستنكروا ذلك، وكيف لا تكون هناك خطة وفلسطين نسمعها في كل خطبة ونراها في كل صحيفة ومصر هي أم العروبة ومنبع التحرير؟ هل كل هذا مزايدات دعائية فقط؟! أو.. أو.. وأدرك عبد الناصر في حينها هذا الخطأ فأراد أن يتلافاه وإلا خسر شعبيته؛ فأعلن أن فلسطين قضية العرب الأولى، وعدم وجود خطة لتحريرها لا يعني عدم تحريرها، ولا بد من رمي اليهود في البحر ولتشرب أمريكا ماء البحر.. و...
صدى هذه الشعارات في الداخل والخارج
إن هذه الشعارات الجوفاء وهذه التصريحات الخرقاء لم تكن تستند على أسس واقعية أبدًا، ولم تكن تعني ما تدل عليه، الأمر الذي جعلها شديدة الخطورة على الأمة جدًّا على المستوى الداخلي وعلى المستوى الخارجي:
ففي الداخل ملأت الناس غرورًا وتشنجًا وحطمت فيه روح العمل الجاد، بل ولماذا العمل؟ فإننا أقوياء نستطيع أن نقضي على إسرائيل ومن هم وراء إسرائيل بأربع وعشرين ساعة. نعم، ولماذا لا نطمئن؟! فإن أسطولنا الجوي يستطيع أن يدمر "إسرائيل" بساعات قليلة.. ولكن هذه التصريحات بعد عام 1967 كان لها دور آخر فقد حطمت النفوس تحطيمًا رهيبًا، وبخاصة عندما علم الناس حقيقتها الجوفاء، وأنها وأصحابها سراب كاذب، وانقسم الناس إلى قسمين: إلى فئة قليلة ظلت متصلبة على الحق لم تكفر بحق المسلمين في فلسطين الإسلامية، وإلى فئة كثيرة كفرت بكل قيمة عربية وتخلت عن فلسطين وغيرها، وسارت في طريق الشرق وفي طريق الغرب وفي طريق اللا انتماء.
وأما صدى هذه الشعارات على المستوى الدولي فقد استقطبت عطف العالم كله على اليهود المظلومين، المهددين من جميع جوانبهم بدول عربية قوية متوحشة تريد أن ترميهم في البحر، فانهالت عليهم المساعدات من كل مكان ومن كل نوع ونالوا التأييد كله في المحافل الدولية.
حرب 1967 النقطة التي طفح بها الإناء
ويرتفع المد الإعلامي من جديد ويعلو حتى يبلغ رقمًا قياسيًّا عندما طلب عبد الناصر سحب القوات الدولية من سيناء، وبدا أمام العرب والعالم وكأنه مستعد للحرب استعدادًا تامًّا كاملًا، وأتت قوات رمزية من كثير من الدول العربية إلى مصر علانية وعرف العالم بما فيه إسرائيل ذلك، بل وكان المذياع المصري يعلن عن مواقعها في بورسعيد والإسماعيلية وبور فؤاد وغير ذلك، وكأننا في استعراض عسكري أو في مسرحية لمخرج فاشل.
وفي السادس من حزيران والناس متوقعون النصر ومتأكدون منه كل التأكد وقعت الهزيمة وذهل الناس. الجيش المصري يتراجع بغير نظام عن سيناء كلها ليقف وراء قناة السويس، دون أن يستخدم سلاحه كما يجب، ودون أن يرى فوقه طائرة عربية واحدة تحميه من الطيران الإسرائيلي، فضاعت قواته بين شهيد وجريح وأسير. ولم يكن حال الجيش السوري والأردني بأفضل من هذا، إذ تركوا وراءهم الجولان والضفة الغربية كلها.
ويصحو الناس وإذا "إسرائيل" قد احتلت فلسطين كلها وزادت عليها الجولان وسيناء. وتصم آذان الناس تلك القصص التي حملها إليهم الجنود المهزومون والنازحون عن السلاح اليهودي واستعداده و...
الضياع:
لقد ضاع الناس فعلًا بما تحمله هذه الكلمة، أو أريد لهم أن يضيعوا، وزادتهم الأوضاع الداخلية السيئة من اقتصادية ومعاشية وديمقراطية وغير ذلك يأسًا وقنوطًا، فما عادوا يجرؤون على مجرد التفكير باسترجاع الأرض المحتلة فضلًا عن الجهر بهذا، كان هذا حال الجميع إلا فئة قليلة مؤمنة بنصر الله وبحقها في فلسطين وفي كل شبر من أرض المسلمين.
التفريق بين الأرض المحتلة قبل 1967 وبعدها
لقد نسي الجميع إلا من رحم ربك أو تناسوا الأرض المحتلة قبل 1967 أمام زلزال الأيام الستة. وبدأت أجهزة الإعلام تطالب بالأرض المحتلة بعد هذا التاريخ، ولا شك في أن هذا إقرار لحق اليهود فيها، وبدأنا نسمع بتعابير جديدة مثل السلام القائم على العدل وغيره، وأي عدل يقوم على احتلال أرض وتشريد شعب ولم يعترض الناس بعامتهم على ذلك؟ فكان ذلك خطوة نحو الوراء أو تراجعًا شعبيًّا عن الحق على الصعيد العقائدي والفكري والواقعي.
حرب 1973
وتتوالى الأحداث ويقترب العرب من بعضهم قليلًا وتكون حرب 1973 التي خسرت فيها إسرائيل الكثير من معنوياتها وإن لم تخسر الكثير من الأرض. لقد استطاع العرب الصمود وقاتل الجندي العربي وتراجع اليهود وانهزموا وقتل منهم من قتل وصدموا صدمة كبرى.
ولقد كان من المفروض أن يستغل العرب هذه الحرب أجود استغلال وأن يفيدوا منها خير فائدة، إلا أنهم لم يفعلوا ذلك بل عادوا إلى الفرقة والشحناء من جديد ومن ثم عادوا إلى الضعف والهوان.
الانهزامية:
لقد أثر هذا كله على الشعوب تأثيرًا سيئًا؛ الأمر الذي أدى بهذه الشعوب إلى قبول الانهزام، وقبول التفريط بفلسطين والحقوق العربية، والضعف في الشعور، والتبلد في الإحساس، والضيق في الفكر بحيث ما عادوا ينظرون إلى هذه الدنيا إلا بمنظار المتعة والترف والمعطيات المادية، فغدت التضحية تهورًا وجنونًا والثبات على المبدأ تصلبًا وجمودًا وهكذا، بينما كانوا قبل ذلك يثورون لأقل من ذلك بكثير، فما الذي حدث بهم؟
ما خطوات هذا الاعتراف
- الخطوة الأولى تعريب المشكلة الفلسطينية بينما هي إسلامية.
- حرب ١٩٦٧ النقطة التي طفح بها الإناء.
- لم يحسن العرب الاستفادة من حرب ۱۹۷۳.
- الاعتراف نتيجة خطة استعمارية سيكلوجية علمية ذات خطوات:
- القضاء على الإسلام.
- نشر الفساد والمبادئ الهدامة.
- سوء أحوال الأمة.
- المسلمون ثابتون على مواقعهم المبدئية من فلسطين.
- القضاء على الإسلام والإسلاميين:
لقد حارب المسئولون الإسلام بمحاربة حَمَلته والدعاة إليه، فشردوا الإسلاميين في مشارق الأرض ومغاربها، وقتلوهم وسجنوهم وحاكموهم وجعلوهم خونة مأجورين والله يعلم براءتهم والناس أجمعون.
- نشر المبادئ الهدامة والفساد:
وإلى جانب هذه الحرب الشعواء ضد الإسلام نجد مساعدة ونشرًا للفساد والمبادئ الهدامة الأدبية والفكرية، تارة باسم الفن، وتارة باسم الحرية الأدبية، وبأسماء أخرى تارة أخرى، وهذا كله ساعد في تغيير المفاهيم عندهم؛ فالرذيلة صارت فنًّا وصار أصحابها فنانين، والحرام صار حلالًا وغير ذلك كثير.
- سوء الأحوال الاقتصادية:
هذا كله إلى جانب سوء الأحوال الاقتصادية التي أدت إلى ضعف الدخل الفردي، إلى جانب التركيز على المعطيات المادية ووسائل الرفاهية، وصيرورة كثير من الكماليات أساسيات لا غنى للإنسان عنها؛ الأمر الذي ساعد على الرشوة وفساد الدوائر والحياة والأفراد.
- السادات في القدس وكامب ديفيد
هذا كله جعل الناس- أو بعضهم- يتقبلون بشكل من الأشكال ذهاب السادات إلى القدس ثم توالت لقاءات مع الإسرائيليين، ولكن هذه التنازلات كلها لم تلن التعنت الإسرائيلي، بينما أسالت اللين المصري الذي ما زال يتنازل ويتنازل حتى وصل إلى كامب ديفيد مذمومًا مدحورًا، وأخرج مصر من معركة المصير العربية.
- الإجابة
ولعلنا نستطيع الآن أن نجيب عن سؤالنا الأول المحير الصعب: كيف وصل بعض المسلمين أو من يدعون أنهم مسلمون إلى الاعتراف "بإسرائيل"؟ وأن نعلم أن هذه النتيجة المؤلمة لم تكن مفاجأة، إنما هي قائمة على دراسة علمية سيكولوجية عميقة دقيقة، تدرجت ببعض المسلمين قلبًا وعقلًا وسلوكًا شيئًا فشيئًا، حتى أوصلتهم إلى القبول والاعتراف بإسرائيل، واستخدم أعداء هذه الأمة للوصول إلى هذه النتيجة كل أنواع الأسلحة المادية والفكرية، وشتتوها بين شتى المبادئ الاشتراكية والرسمالية حتى أوصلوها إلى هذا الاعتراف.. إلى أجلها المحتوم.
ومن البديهي ليس هذا نهاية الطريق وإنما هذا خطوة جريئة ستوصل إلى مرحلة أخرى هي أدهى وأمرّ.. إنها مكتوبة على جدار الكنيست "الإسرائيلي"، ولا بد أن السادات قد رآها في أثناء خطابه فيه: حدودكِ يا "إسرائيل" من الفرات إلى النيل.
ومع هذا كله فإن المسلمين الواعين لم يهبطوا إلى هذا الدرك السافل، بل عصمهم إيمانهم عن ذلك وبقيت الحقائق عندهم على حقيقتها، وظلت الرؤية واضحة قويمة لأنها تنظر بعين الإيمان، ولم يزدهم هذا الواقع السيئ إلا ثباتًا وتصميمًا وإيمانًا.