; كيف نفهم اختلاف الحركات الإسلامية؟ | مجلة المجتمع

العنوان كيف نفهم اختلاف الحركات الإسلامية؟

الكاتب راشد الغنوشي

تاريخ النشر الثلاثاء 05-سبتمبر-2000

مشاهدات 57

نشر في العدد 1416

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 05-سبتمبر-2000

 - قام نظام الوقف بدور رئيس في الحد من تسلط الحكام، وقلل حاجة الأمة إلى خدماتهم الاجتماعية. 

هناك اختلافات هي من طبيعة الفطرة التي فطر الله الناس عليها، قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (هود: ١٨١،١١٩)، وقال أيضا: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ﴾ (المائدة: ٤٨)، فالبشر؛ لأنهم خلقوا أحرارًا فلا محيد عن اختلافهم، ولا أمل في جمعهم في وحدة بسيطة مطلقة؛ إذ الواحد بإطلاق هو الله - تعالى -، أما كل ما عداه فمختلف، وذلك أن صميم الابتلاء والتحدي لا يتمثل في تحقيق الوحدة عبر حذف الاختلاف أصلا، تحقيقا لما دعانا إليه الشرع من عدم التنازع والتفرق، فذلك مطلب مستحيل؛ لأنه مخالف لفطرة مركوز فيها الاختلاف، كما تحاول الدكتاتوريات في كل أشكالها الفكرية والسياسية عبثا أن تفعل.

 وإنما الابتلاء هو الاعتراف بالاختلاف، والنظر إليه لا على أنه في أصله ظاهرة مرضية وشذوذ مطلوب استئصاله، وإنما المطلوب حسن إدارته حتى يكون خلافًا رفيعًا مثريًا للحياة لا مدمرًا لها، ومن خلال الاعتراف بالاختلاف والاتفاق على آليات لحسن إدارته تتحقق الوحدة المطلوبة فتكون وحدة عن طواعية لا قهرية، وحدة تنوع وتكامل واعتراف بخصوصيات الآخر لا نفيها.

 والحقيقة أن أمتنا مقصرة في إدارة الاختلاف وإفراغ المبدأ الإسلامي العظيم «الشورى» من مضامينه منذ ارتفعت المصاحف تمويها وتوظيفًا للدين، وحرف مفهوم القدر في السياق نفسه، وتم تضخيم هاجس الفتنة ليكون قرينًا للاختلاف ومسوغا للاعتراف بشرعية الأمر الواقع، شرعية حكم التغلب، ومقابل ذلك وبنوع من الهروب من الواقع والتداوي بالداء رفع البعض شعار الوصاية على الأمة، وسلبها جملة حقها في الشورى والانتهاء بإحالة أمرها إلى الإمام الغائب، أو إلى من يحكم باسمه زاعمًا لنفسه التمتع؛ بسبب خاص يصله بالغائب، ويستمد منه - لا من الشعب المعصوم بالشريعة والشورى من الخطأ - عصمة أو شبه عصمة ترفعه فوق حكم الشورى، وهو على كل حال لا يبعد في زعمه كثيرًا عن نظيره الذي يزعم لنفسه أنه ملزم بالشورى لا بنتيجتها، واضعًا نفسه في كفة والأمة في كفة أخرى، مرجحًا كفته.

 والحقيقة -كما قلنا- أنه ما قصرت أمتنا في شيء كما قصرت في إدارة الحوار والشورى بينها، وكان ذلك المسؤول الرئيس عن انتهاء الخلافة وسير الأمة من خلال ذلك في طريق إلى سد هذا الباب جملة أو إحاطته بشروط قل توافرها؛ بسبب ما جرته تلك التجارب على الأمة من كوارث دون أن يتحقق المقصود أو حتى بعضه، ذلك ما ساقهم إلى منع الخروج والاعتراف بحكم المتغلب كأمر واقع مقابل التزامه بأحكام الشريعة مع العمل على الحد من العيوب ومحاصرتها من خلال إعمال آلية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإفراغ الجهد في إصلاح الرعية، ودعم مؤسسات العمل الشعبي الطوعي كالمساجد والمدارس وسائر الخدمات الاجتماعية بالاستناد إلى مؤسسة الوقف العتيدة بما حاصر سلطان الحاكم، وقلل من حاجة الناس إليه فأغناهم عنه إلى حد كبير فيما عدا شؤون الدفاع عن الحوزة، وإقامة الحدود.

 أما الجهاد المسلح فقد قصر ضمن هذا النهج الذي ساد لدى جمهور علماء المسلمين على مواجهة العدوان الخارجي على الدين وأهله وأوطانه. 

منهج التغيير الأقل ضررًا:

 والحقيقة أن هذا النهج الذي أفرزته تجربة تاريخية طويلة في التعامل مع الحكام على رغم ما قد عيب ويعاب عليه من سلبية وتجرئة للطغاة على الدعاة، وعلى الحرمات والحقوق والحريات قد شهدت له تجربة التاريخ أنه إن لم يكن هو الأقوم فهو الأقل ضررًا بالأمة من نهج المغامرة، وسل السيوف، واستسهال استباحة الدماء بدعوى محاربة طاغية لا يمكن الوصول إليه غالبا إلا عبر بحر من دماء بريئة تزهق بغير وجه حق، وتدمير مصالح عامة، وفتح ثغرات كبرى لتدخل أعداء الأمة، وإضافة أسباب أخرى إلى وهنها. 

والأدهى من ذلك أنه على جسامة التضحيات توصلا إلى اقتلاع الطاغية، فقد أثبتت التجربة أن المطلب عزيز المنال قل التوصل إليه، وحتى في الحالات القليلة التي تم فيها ذلك، فقد كانت المفاجأة مذهلة؛ إذ حل طاغية محل آخر، وربما أطغى منه، ولكن هذا لا يعني بحال الاستسلام للطغيان، فمقاومته بلا هوادة واجب شرعي مقدس، باعتبار ذلك المقصد الأعظم الذي أرسل به الرسل - عليهم السلام - ألا وهو إرساء العدل في العالم، وإنما المقصود عقلنة هذه الآلية العظيمة التي أناطها الإسلام بكل مسلم بحسب قدرته: فردًا وجماعة، أعني آلية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بما يخرج بهذه الآلية من طور العمل العشوائي الأعشى على نهج الخوارج ومن سار على دربهم على امتداد التاريخ الإسلامي مخضبين حياة المسلمين بدماء وكوارث بلا حد، ولا تزال امتداداتهم موصولة دون أن يتحصل من ذلك شروى نقير من الخير والخلاص من الظلم.

 إن الخروج من طور هذه الثورية الفوضوية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى أمر رشد وتبصر، سوف تتنزل معه أنواع الجهاد في منازلها الطبيعية بحسب القاعدة لكل مقام مقال، وحدثوا الناس بما يفهمون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله، وتلك هي الحكمة وضع الشيء في موضعه.

 إن الخروج من هذه الفوضى ليس له من سبيل غير ضبط وتطوير نظرية في التغيير الإسلامي تحدد منازل واضحة للجهاد الإسلامي بدءا بتطوير إستراتيجية أفضل الجهاد جهاد الكلمة، الجهاد الوحيد المأذون فيه التعامل مع ما ينجم من اختلاف داخل الأمة.

أهمية فقه الدولة وفقه الواقع:

 وإن من أسباب هذا الخلل، بل الضعف الفادح في الفكر السياسي الإسلامي المتعلق بفقه التغيير ضعف الفقه المتعلق بالدولة، وكذا الفقه المتعلق بالواقع، ولربما كان ذلك بأثر التقليد للأسلاف؛ حيث كانت حاجاتهم ومشكلاتهم وسيطة، أو بسبب التأثر بمنطق القياس اليوناني المجرد عن الواقع بما صاغ العقائد الإسلامية صياغة مجردة عن الواقع، وجعل عمل العقل يجري حوارًا بين مقولات نظرية بدل أن يكون حوارًا ثلاثي الأطراف العقل والشريعة والواقع، وقد ترتب على هذا النهج التجريدي أن ساد القياس، فكلما وقعت نازلة جديدة سارع المتناظرون إلى النصوص - كان ذلك في المراحل الأولى - أو سارعوا إلى فتاوى وأقوال الأسلاف يبحثون عن واقعة مشابهة للقياس عليها؛ ولأن النصوص كالوقائع متعددة إلى حد الاختلاف والتناقض الظاهري، فقد اختلف النظار بحسب النص الذي أعمله كل طرف أو الواقعة من تاريخ السلف التي قاس إليها، ففي واقع الحال ترى دعاة الخروج على الحكام الظالمين يعملون آيات القتال في القرآن ويعززون موقفهم بشواهد من أعمال السلف وآراء الفقهاء الأوائل، بما يجعل الجهاد أو الإعداد له على الأقل في حال العجز عنه واجبًا شرعيًّا بالنص في زعمهم، والتخلي عن ذلك في كل الأحوال إثما عظيمًا قد يخرج من الملة، بينما يهملون مقابل ذلك الآيات الموجهة إلى الدعوة بالتي هي أحسن، والتذرع بالصبر والمصابرة منعًا للفتنة والهرج، واصمين الخارجين بالفتانين، غير أن هؤلاء إذا تحقق لهم النجاح - وهو قل إن حدث - استحقوا من طرف العلماء الاعتراف بهم كأمر واقع، وطولبوا فقط بما كان يطالب به حكام الأمس.

 كل هذا يحدث دون إيلاء ما يكفي من الاهتمام بالعنصر الأساسي والحاسم في معادلة التغيير ألا وهو الواقع، فهو وحده الكاشف عن الاستطاعة والإمكان أي حقيقة الظروف الموضوعية ومدى نضجها، وما تتيحه من فرص للتغيير، إنه عنصر الاستطاعة الذي اعتبره الشارع حاسمًا في تعيين نوع وسيلة التغيير المطلوبة شرعًا إزاء منكر محدد في زمن محدد، قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (التغابن: ١٦)، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرة: ٢٨٦)، وقال صاحب الدعوة عليه الصلاة والسلام «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» رواه مسلم. فمن ذا الذي يملك الكشف عن هذا العنصر المحدد لنوعية وسيلة التغيير التي فتح الشارع أمامها خيارات كثيرة؟.

 هنا يأتي دور العلوم المتخصصة في فقه الواقع علوم الاجتماع والاقتصاد والتاريخ والفلسفة والإحصاء والسياسة... إلخ، تلك العلوم التي يمثل تخلفنا الفادح فيها أهم خلل في فكرنا السياسي، وأهم مصدر لتخلفنا وإهدار معظم طاقات أمتنا ونواياها الطيبة وتضحياتها الجسام من أجل تحقيق أهدافها، بما جعل الخلل في تجاربنا التغييرية ليس عائدًا بحال إلى ضعف استعدادات أمتنا في بذل دمائها وأرواحها وأموالها من أجل التغيير، فما عرف التاريخ أمة أكثر سخاء بالروح والدم من أجل عقيدتها من هذه الأمة، وإنما الخلل الأكبر في وظيفة العقل وضعف قدرته على حسن تقدير الأوضاع والتصرف في الموارد البشرية والمادية وتقدير إمكاناتنا إلى إمكانات أعدائنا، كضعف قدرتنا على ترتيب أولوياتنا وتصنيف خصومنا والبحث عن الأصدقاء وتقليل الأعداء والاقتصاد في التضحيات ما أمكن، والتبصر بالعواقب والتجارب، وتوسيع مجال الشورى، وتوظيف أهل الخبرة، واحترام التخصص وتوزيع المهام بحسب ذلك، وإرساء العدل سبيلًا لا بديل عنه لتعبئة طاقات الأمة، والتذرع بالصبر والحيلة وتفويت فرص استدراجنا إلى معارك لا ضرورة لها.

الأمل في التجديد وعدم تكرار أخطاء الماضي: 

وبالنظر لكل ذلك بعين الاعتبار وغيره في الحكم على تجاربنا التغييرية تلقاها لا تختلف كثيرًا عن المعارك التي خاضتها دولنا مع أعدائها المتربصين بها.

 وليس يعزينا أمام ما حصل من كوارث؛ بسبب قلة التبصر بقوانين الواقع - وهي غلابة وما جره ذلك من كوارث - غير حسن المقاصد، ونبل القضايا، وغير الأمل بعد عفو الله في الأجيال الإسلامية الجديدة ألا تقلدنا، ولا من سبقنا، وألا تعتبر أن ما تزدحم به المكتبة الإسلامية مُجد لها كثيرًا في ضبط نهجها في التعامل مع واقع متغير باستمرار. إن طريقهم الوحيد هو التبصر في الواقع المحلي والدولي من أجل الوقوف على قوانينه واستخراج ما يتيحه من إمكانات ووسائل تغييرية بعيدًا عن كل تعجل وانفعال، ألا يكفي ما حصل من كوارث، فإلى الاستجابة إلى ما طولب به صاحب الدعوة أن يفعله وأن يبلغه، ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ ﴾ (يوسف: ۱۰۸)، فسارعوا إلى العلوم الكفيلة بتوفير إمكانات التبصر بقوانين الواقع. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 800

97

الثلاثاء 13-يناير-1987

فقه التمكين