العنوان كيف نعيش بدون عرفات؟
الكاتب محمود الخطيب
تاريخ النشر الثلاثاء 21-نوفمبر-2000
مشاهدات 80
نشر في العدد 1427
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 21-نوفمبر-2000
أكدت الانتفاضة الفلسطينية المستمرة لقرابة شهرين على جملة حقائق لم يعد بالإمكان تجاهلها من جانب من يحاول صياغة واقع جديد في المنطقة، وأولى هذه الحقائق استحالة التعايش بين سلطة احتلالية قائمة على الآلة العسكرية وبين شعب صودرت أرضه، فما يجري اليوم حرب إبادة بطيئة ضحيتها الفلسطينيون بمختلف طبقاتهم وانتماءاتهم. فجيش الاحتلال يتغذى على القتل والدماء، وهو بذلك يريد إيصال رسالة إلى العالم كله بأن أمن الكيان اليهودي يتجاوز كل اتفاق مع الفلسطينيين حتى ذلك الذي لم يجف حبره بعد هذه الرسالة كانت واضحة في الهدنات التي توصل إليها مسؤولو السلطة مع الصهاينة في واشنطن وشرم الشيخ الأخيرة وفي اجتماع رئيس السلطة الفلسطينية الأخير مع الإرهابي شيمون بيريز.
الحقيقة الثانية هي الطبيعة الدينية للحرب التي تدور في فلسطين المحتلة، فالانتفاضة تحمل اسم الأقصى رغم أنوف الذين حاولوا تجريدها من هذه الصفة عندما سموها انتفاضة الاستقلال وبدون انتقاص جهود الآخرين، إلا أن ما يجب تسجيله أن الذين أشعلوها وما زالوا خرجوا من المساجد وحملوا الرايات الإسلامية الخضراء بينما رفع الآخرون راياتهم البيضاء هذه الحقيقة ينبغي التوقف عندها قليلًا لأن ما يدور اليوم في المناطق الفلسطينية المحتلة يدور في فلك هذه الحقيقة، الشوارع الفلسطينية كانت تتزين بالأعلام الخضراء ورايات الإسلاميين الذين أثبتوا أنهم الأقدر على تنظيم الفاعليات والمواجهات وعلى قيادة الشارع وتنزيل عشرات الآلاف إلى الشوارع، في الوقت الذي فشل فيه الآخرون حتى في إخراج بضع مئات من طلاب المدارس ومعلميهم لتحية رئيس السلطة هذه الحقيقة يجري لفلفتها الآن وتغطيتها من خلال تركيز القصف الصهيوني على مناطق «بيت جالا» و«بيت ساحور» و«البيرة» وهي مناطق يتركز فيها المسيحيون في الضفة الغربية، فالمطلوب هو تجريد هذه الانتفاضة من رمزيتها ومسماها الحقيقي ويدعي الصهاينة أنهم يقصفون هذه المناطق رداً على إطلاق نار «تقوم بها عناصر من السلطة الفلسطينية وحركة فتح» من داخل مبان سكنية في بيت جالا على مستعمرة جيلو اليهودية القريبة.
وإذا كانت الانتفاضة تحمل اسم الأقصى والقدس فإن موقف اليهود يكاد يكون موحداً من موضوع المدينة المقدسة المحتلة، فحتى الحمائم ينطلقون من موقف ديني أيديولوجي في هذا الأمر ولعل ما قالته ليا رابين أرملة رئيس الوزراء الأسبق إسحاق رابين «قبرت الأسبوع الماضي» يعبر أصدق تعبير عن موقف الشارع اليهودي بمختلف توجهاته ففي معرض تعليقها على ما سمعته عن نية إيهود باراك «التخلي» للفلسطينيين عن مناطق في القدس الشرقية خلال قمة كامب ديفيد الفاشلة، في يوليو الماضي، قالت إن زوجها سيتقلب في قبره لو علم أن باراك ينوي إعطاء الفلسطينيين أجزاء من القدس في كامب ديفيد الرئيس عرفات كان يسمي إسحاق رابين «الصديق» و«شريك السلام». وقد نقلت التلفزيونات في العام الماضي صوره وهو ينحني أمام صورته ويقبل يد الأرملة الحاقدة.
من الواضح أن المسؤولين والمحللين الصهاينة ابعد نظراً من مسؤولي السلطة وأجهزتها الإعلامية التي تصر على تسمية انتفاضة الأقصى بانتفاضة الاستقلال ويعترف كثير منهم أمثال داني روبنشتاین (ها ارتز ۱۳ نوفمبر) بأن ما يجري ليس انتفاضة كما يسميها الفلسطينيون والعالم بل هي حرب. كما يعترف ببعد نظر الذين أسموها انتفاضة الأقصى. فهم لم يسموها بهذا الاسم لأنها فقط انطلقت من المسجد الأقصى بل لأن هذا الاسم يحشد وراء هذه الانتفاضة مئات ملايين المسلمين من إندونيسيا شرقاً حتى المغرب غربًا،ولذلك فإن تجريدها من هذا الاسم إنما هو انتحار سياسي تمارسه السلطة بحق نفسها قبل شعبها، فكيف إذا كانت السلطة تريد تفريغها من العنصر الإسلاميالذي يشعلها ويقودها فعليًا؟
الحقيقة الثالثة التي أبرزتها المواجهات بين المدنيين الفلسطينيين وجنود الاحتلال الصهيونيهي أن من يملك القوة يفسر الاتفاقات كما يريد وفق مصالحه فما تم فعليًا منذ توقيع أوسلو لم يكن انسحابًا يهوديًا حقيقيًا من بعض المناطق الفلسطينية بل كما أثبته الصهاينة في الاتفاق المشؤوم إعادة انتشار Redeployment والساذج في السياسة يعلم أن ثمة فرقًا كبيرًا بينالمصطلحين، فالكيان لا يعترف بأنه يحتل أرضًا فلسطينية حتى ينسحب منها، لكنه يعيد نشر قواته خارج المناطق المأهولة في الضفة والقطاع لمقتضياته الأمنية، وإذا ما دعت حاجته العودة إلى تلك المناطق يعود دون أن تترتب عليه مسؤولية دولية أو حتى قانونية، وهو ما فعلته خلال الانتفاضة الحالية عندما عاد لاحتلال بعض من تلك المناطق.
ما حدث من إعادة انتشار أو انسحاب كما تدعيه السلطة الغرض منه إقناع الفلسطينيين بأن المساعي التي قامت بها السلطة حققت جدوى وحررت المناطق المحتلة وما يحدث حاليًا من تصعيد العدوان على الفلسطينيين القصد منه دفعهم إلى الاستسلام واليأس، وعند هذه المرحلة يتم حملهم على الرضا بشروط الصهاينة التي يزعم الإعلام أن مفاوضي السلطة رفضوها حتى هذا الوقت، لكن المعلومات التي تسربت من هنا وهناك تشير إلى رضا السلطة وموافقتها على مقترح الحكومة المصرية وهو إشراف الفلسطينيين على الحرم القدسي الشريف وإعطاؤهم حرية الوصول إليه عبر ممر خاص مع بقاء القدس العربية المحتلة تحت السيادة اليهودية الكاملة (!).
خلال الانتفاضة الحالية المستمرة شهدنا ثلاثة اجتماعات قمم: شرم الشيخ المصغرة، والقمة العربية، والقمة الإسلامية، وبين يدي كل واحدة منها وأثناءها يتم التصعيد في المواجهات الميدانية والسياسية سواء من جانب السلطة أو من جانب قوات الاحتلال، فتلميع صورة السلطة الباهتة في أنظار العرب والمسلمين وإظهارها بأنها تقاتل دفاعاً عن الفلسطينيين والقدس ومن أجل الاستقلال مطلوب حتى تتنازل السلطة عن حقوق شعبها من منطلق القوة، و«التأييد الشعبي الفلسطيني» و«الدعم العربي والإسلامي الرسمي».
هذا السيناريو قد يمر وتكون الكارثة إلا إذا أحبط الشارع الفلسطيني وقواه المخلصة مؤامرة تجيير الانتفاضة المصالح تتناقض مع حقوق الشعب الفلسطيني، وما لم يوقف هذا الشارع محاولة تجرید انتفاضة الأقصى من اسمها ومحتواها.
وحقيقة رابعة برزت خلال الانتفاضة، وهي سخافة الساعين إلى إقامة دولة ضمن المعطيات الحالية وضمن الواقع المأساوي. فالكانتونات الفلسطينية مقطعة الأوصال تعزلها الدبابات الصهيونية عن بعضها البعض بحيث لا تستطيع سيارة إسعاف فلسطينية أن تنتقل من كانتون لآخر وبحيث يتلاعب الصهاينة بمطار غزة «الدولي» فتحًا وإغلاقًا كما يحلو لهم، لقد أثبت الحصار المفروض على المناطق الفلسطينية المحررة منذ بداية الانتفاضة أن عرفات هو الفلسطيني الوحيد غير المحاصر والذي يتمتع بامتيازات الإقلاع والهبوط من مطار غزة وقتما يشاء أي دولة هذه التي يريدون إقامتها؟ هي دولة كما قال بعضهم يحدها من الشمال عرفات ومن الجنوب عرفات ومن الغرب عرفات ومن الشرق عرفات فيا الله كيف سنعيش من دون عرفات؟!