; كيف نعيد إعمار السودان؟ | مجلة المجتمع

العنوان كيف نعيد إعمار السودان؟

الكاتب محمد اليقظان

تاريخ النشر الثلاثاء 06-سبتمبر-1988

مشاهدات 89

نشر في العدد 881

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 06-سبتمبر-1988

  • المياه تغمر أحد شوارع العاصمة الرئيسية.
  • تعمير السودان يحتاج إلى علاج مشاكله أولًا.

تمثل الفيضانات التي شملت السودان في الفترة الأخيرة تحولًا قدريًا جاء من السماء، فاقتلع من الجذور الكثير ... فهل نبكي على الأطلال أم نبني ونعمر؟

إنه يتوجب علينا أن نغتنم هذه الفرصة، ونصحو بعد سبات على صوت الرعد وهدير الأمواج لنجعلها ثورة إنتاجية، فنجعل من الشدة رخاء من العسر يسرًا وذلك بعمل الآتي:

1- زراعة الجروف والمساحات التي غمرتها مياه الفيضان على امتداد النيل قمحًا وفولًا وحبوبًا، فإن إنتاج الجروف وفير لا سيما وأن طمي النيل من أخصب الطين في العالم قاطبة.

2- زراعة المساحات الواسعة الشاسعة التي ارتوت بمياه الأمطار والسيول، فالضيق في المعاش ما جاءنا إلا بعد أن أهملنا الزراعة المطرية التقليدية، مع أنها هي التي تؤمن للبلاد قوتها الضروري.

3- بناء صوامع الغلال الكبيرة لحفظ وتخزين الفائض الكبير المتوقع من زراعة الجروف وغيرها، لنستفيد منه في سنوات عجاف قادمة، ولنستفيد من تجربة سيدنا يوسف عليه السلام مع الجفاف والفيضان.

4- الاستفادة من التخصصات المتوفرة في وزارات القطاع الزراعي مثل إدارة المراعي، إكثار البذور، الغابات إلخ؛ لإحياء ما اندثر نتيجة الجفاف من مراعٍ كانت مرتعًا للثروة الحيوانية.

5- الاهتمام بزراعة النخيل بشكل كثيف في الإقليم الشمالي، حيث أهمل الناس هذا الجانب مع أن ثمار النخيل وأشجارها في غاية الأهمية اقتصاديًا واجتماعيًا.

6- تشييد سدود صغيرة وإنشاء حفائر لتخزين مياه الأمطار، وذلك على مجاري السيول والخيران بغية توفير المياه للزراعة والمواشي.

7- لا شك أن كميات الأمطار التي هطلت وارتفاع منسوب النيل والسيول وفرت مخزونًا هائلًا من المياه الجوفية التي كانت قد نضبت، فعلى المسؤولين الاستفادة من المياه الجوفية فائدة قصوى بحفر الآبار الارتوازية، وزراعة المساحات المتاحة، وتعمير الأراضي الخصبة في الصحراء.

إعادة التعمير :

تدفقت المعونات على أهل السودان من الدول الشقيقة، وتداعى الخيرون من أهل الخليج لنجدة المنكوبين هناك، وتركزت المعونات في الخيام والمواد الغذائية التي سينتهي مفعولها حال زوال أسباب الكارثة، وهم مشكورون من الله والناس على جميل صنيعهم هذا، لكن ليتنا جميعًا نعمل بالمثل الصيني الذي يقول «لا تطعمني سمكًا، ولكن علمني كيف اصطاد السمك» فإننا لا نريد شعبًا يعتمد على المعونات، وإنما نريده منتجًا عاملًا لتوفير قوته بنفسه، فأرض السودان أوسع من أن يجوع فيها أحد إن مشى في مناكبها وسعى لرزقه، فالأرض لمن يفلحها.

إن خرابًا ودمارًا شاملًا أصاب مناطق سكنية وأحياء عمرانية في العاصمة المثلثة وفي المدن الأخرى التي تعرضت لأخطار الفيضان، وتعمير ما خرب ودمر هو أول واجب للحكومة والأهالي، ويتم ذلك بالآتي:

1- حصر السكان الذي تضرروا مباشرة، وتصنيفهم ليسهل التعامل مع كل فئة فيهم وهم:

أ- سكان الأحياء الشعبية وذوي الدخل المحدود.

ب- النازحون من مواطنهم الأصلية بعد كارثة الجفاف والتصحر.

ج- اللاجئون من البلاد المجاورة.

د- النازحون من جنوب البلاد بسبب حرب جون قرنق.

2- إعادة تعمير المدن الثلاث وذلك بـ:

أ- تخطيط العاصمة المثلثة «الخرطوم- أم درمان- الخرطوم بحري» تخطيطًا هندسيًا علميًا، وفق علم هندسة تخطيط المدن، وهذا يستدعي عدم السماح مطلقًا بأي نوع من السكن العشوائي لأي اعتبار كان.

ب- بناء المرافق العامة من مدارس ومجاري ومصارف وأبنية الخدمات الصحية والاقتصادية كمحطات الكهرباء والمصانع على أساس علمي لا بطريقة تقليدية بلدية عشوائية كما كان الحال قبل الكارثة.

3- إعادة بناء شبكات المواصلات العامة والخاصة من سكك حديدية ومطارات وجميع سبل النقل البري والبحري والجوي والاتصالات الهاتفية واللاسلكية والسلكية، فإن تدهور حالة المواصلات أدى إلى ازدياد حجم الكارثة وعدم تطويقها واحتوائها.

4- إنشاء نظام خاص للدفاع المدني، كما في الدول الأخرى؛ ليخدم الناس في أيام السلم والحرب والكوارث الطبيعية، فقد اتضح جليًا الحاجة لذلك مما حدا بالحكومة إلى إنزال القوات المسلحة لتوزيع الأغذية والمساعدات؛ مما آثار لغطًا كبيرًا حول هذا الموضوع.

ولولا جهود المنظمات الإسلامية الخيرية كمنظمة الدعوة الإسلامية والوكالة الإسلامية الأفريقية للإغاثة وجمعية الإصلاح والمواساة ولجنة مسلمي أفريقيا وشباب البناء ورائدات النهضة لعانى السكان كثيرًا ولتضاعف حجم الكارثة إلى مدى لا يعلمه إلا الله، وعلى الدولة تشجيع الجمعيات الخيرية الإسلامية بعد أن وضح أنها الوحيدة التي هبت للنجدة لا تريد جزاءً ولا شكورًا.

5- تقوية ضفاف النيل وشواطئه وتعلية الأماكن التي تتسرب منها مياه النهر وتشييد ردميات؛ لوقاية الجزر والقرى والمزارع من خطر الفيضانات مستقبلًا وخاصة أماكن انحناء النيل، ولو أننا استفدنا من درس فيضان عام 1946 لما حدث ما حدث ونحن في غفلة من أمرنا.

هذه هي الأسس التي نراها كفيلة بإصلاح وتعمير السودان، ولا شك أن إمكانات أهل السودان وحدها لا تفي بالحاجة، فيا حبذا لو أن الجزء الأكبر من المعونات والقروض -بدون فوائد ربوية- توجه إلى الإنشاء والتعمير بدل الغذاء، فالمعونات يمكن أن تكون مواد بناء ومعدات وآلات بناء؛ لإنشاء المدن وإصلاح مرافق الخدمات كالمواصلات والاتصالات السلكية واللاسلكية والخدمات البلدية كالمجاري ومصارف المياه إلخ ... وتمويل القطاع الزراعي والحيواني.

إصلاح الاقتصاد:

كان الاقتصاد السوداني قبل مجيء الشيوعيين في مايو مع نميري عام 1969 معافى وسمعته كانت طيبة، ولكن الهوس الاشتراكي الشيوعي دفع صبيان الشيوعية وغلمانها إلى تأميم كل الشركات والمصارف والمؤسسات التجارية، حتى طالت يد التأميم الآثمة المطاعم وبعض المحلات التجارية العادية والباصات والمركبات العامة!!

ومنذ ذلك اليوم والاقتصاد يتخبط على يد القطاع العام، هذا الصنم المعبود عند قبائل اليسار الوثنية، ويتدهور الانتاج إلى أن وصل بنا الأمر اليوم إلى درجة الصفر المطلق!!

وحاول النظام بعد فكاكه من فك الوحش الشيوعي أن يعالج الأمر، فعالجه بالتي كانت هي الداء، بالربا وإيجاد طبقة الطفيليين المستغلين الذين يأكلون أموال الناس بالباطل.

إن الجزء الأكبر والمؤثر من القطاع السوداني اليوم في يد القطاع العام -الكهرباء والمياه، السكك الحديدية- الخطوط الجوية- الخدمات العامة- معظم المصارف التجارية، النقل الخاص كالمواصلات البرية والشعبية وشركات الاستيراد والصناعات السلعية الخفيفة.

إن الإصلاح الاقتصادي يجب أن يتم وفق المنهج الرباني للاقتصاد، والمفصل في كتاب المسلمين الأكبر القرآن الكريم وذلك وفق الآتي:

1- إلغاء أي نوع من الربا أو الفائض التعويضي كما سمي مؤخرًا للخداع ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ (البقرة: 276).

2- اعتماد السياسة الاقتصادية الموجهة التي توازن بين القطاع العام والقطاع الخاص على أساس ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: 279).

إن اقتصادنا أصابه الدمار من جراء احتكار الدولة لانتاج وبيع وإدارة السلع والخدمات، والواجب يقتضي أن تتخلى الدولة ولو جزئيًا عن هيمنتها على هذه الخدمات المتصلة اتصالًا مباشرًا بحياة الناس اليومية، وتفسح المجال للقطاع الخاص لكي ينافسها تمامًا، كما هو الحاصل بين المستشفيات والعيادات الخاصة مثلًا.

3- تشجيع رؤوس الأموال الأجنبية ولا سيما الإسلامية بوضع قوانين ونظم تجذب هذه الأموال المكدسة عند إخواننا المسلمين وإزالة العوائق التي تحول دون استثمار أموالهم في بلادنا، كما أن جانبًا كبيرًا من أصحاب الأموال السودانيين يتوجسون خيفة من الاستثمار لتجاربهم السابقة مع الأنظمة.

وفي رأيي أن رؤوس الأموال لن تتشجع للدخول في بلد فيه حزب شيوعي صريح وأحزاب أخرى اشتراكية ثورية، فهم يعلمون أن فرص هذه الأحزاب لحكم البلاد عن طريق الديمقراطية صفر مطلق، ولكنهم أيضًا يعلمون أن الأحزاب الشيوعية تعمل لقلب أنظمة الحكم، فيخشون بأسهم وهو شديد عليهم. فهل تعمل الحكومة على وضع حد فاصل لهذه الأحزاب الطفيلية؟ فالسودان فيه اليوم الحزب الشيوعي والحزب الناصري واللجان الثورية وأحزاب البعث بأجنحتها المختلفة والحزب التقدمي وحزب البهجة، وكلها أحزاب ورقية وفروع لأحزاب في بلاد أخرى؛ مما يجعل البلاد عرضة للفوضى الاقتصادية المدمرة.

4- على الحكومة أن تشجع المصارف الإسلامية والمؤسسات والشركات القائمة على أساس المنهج الإسلامي، وعليها أن تبارك قيام شركات توظيف الأموال على المنهج الإسلامي المنضبط سواء كانت هذه الشركات محلية أو إسلامية وافدة.

كما عليها أن تطلق يد الشركات هذه لاستصلاح الأراضي وتعميرها، فإن التأميم الذي طال المشاريع الزراعية الخصوصية كان شرًا محضًا في بلد فيه مائتا مليون فدان صالحة للزراعة المستثمر، منها فقط 17 مليون على أكثر تقدير.

5- إنشاء وتشجيع التعاونيات الشعبية لتوفير السلع الضرورية بأسعار معقولة، وكذلك تشجيع التعاونيات الزراعية للإنتاج الزراعي والحيواني.

ومن العجب أن يكون في السودان جيش جرار من خريجي الزراعة بلا عمل.

تلك هي بعض المقترحات، ولنعلم أن أي نشاط اقتصادي لا يؤسس على منهج فكري واضح وبرنامج علمي متكامل يستند إلى تعاليم ومبادئ دين هذا الشعب، ويتحرك وفق أخلاقيات وقيم الأمة لن يؤتي ثماره وأكله ولو بعد حين.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 4

170

الثلاثاء 07-أبريل-1970

أحداث السودان

نشر في العدد 8

145

الثلاثاء 05-مايو-1970

صحافة - العدد 8