العنوان كيف نستقبل شهر رمضان؟
الكاتب عصمت عمر
تاريخ النشر السبت 07-أغسطس-2010
مشاهدات 83
نشر في العدد 1914
نشر في الصفحة 48
السبت 07-أغسطس-2010
- التوبة ومصالحة المتخاصمين ورد المظالم.. من أولويات المسلم لاستقبال الشهر الكريم
- تعودنا الاستعداد لرمضان بالموائد المليئة بأصناف الطعام والشراب ونتناسى الإعداد الروحي والتهيئة النفسية والعقلية
- ضرورة استقبال الشهر الفضيل بالبهجة والسرور كما نستقبل الغائب العزيز
لقد من الله عز وجل على هذه الأمة بمنن عظيمة ونعم كبيرة ومواسم خير كريمة لا تكاد تنقطع، فما يكاد المسلم يخرج من موسم إلا وينتظره آخر، وما ينتهي من وظيفة إلا وتستقبله وظيفة.
ومن أجل تلك المواسم، وأعظم تلك الوظائف، موسم رمضان، ووظيفة الصيام والقيام فيه.
وقد تعوّد كثير من المسلمين الاستعداد لرمضان بإعداد الموائد المليئة بأصناف الطعام والشراب المتنوعة، والمبالغة في ذلك والتكلف لها، وهي احتياجات جسدية، وربما كان ضررها على المراد من الصيام والقيام أكثر من نفعها، وتفويتها لمقاصد الصيام الحقيقية أرجح، وينسون أو يتناسون الإعداد الروحي والتهيئة النفسية والعقلية لمدارك أسباب الصيام وحكمة القيام.
فكيف يمكن للمسلم أن يتهيأ لهذا الشهر العظيم، وهذا الموسم الكريم، روحيًا، ونفسيًا، وعقليًا؟
وما الضرورات التي ينبغي أن يستقبل بها رمضان ويتهيأ بها للصيام والقيام وتلاوة القرآن، وحفظ الجوارح من الوقوع في الآثام والإحسان إلى الفقراء والمساكين من ذوي القربى وغيرهم من المحتاجين والأرامل والأيتام؟
زاد رمضان المطلوب
أهم ما ينبغي أن يستقبل به المسلم شهر رمضان الكريم، ويعين على الصيام والقيام وما يجنب المبطلات الحقيقية التي تذهب بالأجر والثواب:
أولًا: التوبة من جميع الذنوب والآثام:
فالتوبة هي وظيفة العمر، ومحتاج إليها في كل وقت وحين، وحكمها الوجوب، وينبغي أن يتوب العبد من جميع الذنوب، فإن تاب من بعضها وبقي على البعض الآخر قبلت توبته إذا توافرت شروطها.
وشروط التوبة: الإقلاع في الحال عن الذنب والندم على ما فات والعزم على ألا يعود، ومفارقة قرناء السوء.
وإن كان الذنب من حقوق الآدميين كالسرقة وشهادة الزور والغيبة والنميمة ونحوها، فلابد من رد المظالم إلى أهلها، أو استسماحهم منها، وإن تعذر ذلك فالإكثار من الدعاء والاستغفار لأصحابها.
وعلى الرغم من أن التوبة واجبة في كل وقت وحين فإنه يتحتم وجوبها في الحالات الآتية: عند الكبر ونزول الشيب، وعند المرض وعند الإقدام على موسم من مواسم الخير نحو رمضان والحج، وعند نزول الفتن. والناس في التوبة كما قال الحافظ بن رجب أقسام:
۱- من لا يوفق إلى التوبة، بل ييسر لعمل السيئات من أول عمره حتى الممات، وهذه حالة الأشقياء أعاذنا الله منها.
۲- وأقبح من هذا القسم من ييسر إلى أعمال الخير في أول عمره ثم ينتكس فيختم له بسوء،
كما صح بذلك الخبر: «إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها» «متفق عليه البخاري ٦٥٩٤ ومسلم ٢٦٤٣».
3- وقسم يُفني عمره في الغفلة والبطالة والانغماس في المعاصي، ثم يوفق إلى توبة نصوح، فيموت على عمل صالح، وقد جاء في الأثر: «إذا أراد الله بعبد خير عَسَله»، قالوا: وما عَسَلَه؟ قال: «يوفقه لعمل صالح ثم يقبضه عليه».
ومن هؤلاء من ينتبه قبل موته فيتزود بعمل صالح، ومنهم من يوقظ عند حضور أجله.
٤- القسم الرابع وهو أفضل الجميع، وهو أن يفني عمره في طاعة الله، ثم يزداد يقظة في آخر عمره، فيجد ويجتهد أكثر مما كان عليه من قبل.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: «لما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (النصر:1) نعيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه، فأخذ في أشد ما كان اجتهادًا في أمر الآخرة». وكان من عادته أن يعتكف في كل رمضان عشرًا، ويعرض القرآن على جبريل مرة فاعتكف في العام الذي توفي فيه عشرين يومًا، وعرض القرآن مرتين، وكان يقول: «ما أرى ذلك إلا اقتراب أجلي»، ثم حج حجة الوداع.
وباب التوبة مفتوح ما لم تبلغ الروح الحلقوم وما لم تطلع الشمس من مغربها، ولكن الحذر كل الحذر من التسويف وطول الأمل، واتباع الهوى والاسترسال مع الشهوات.
قال تعالى: ﴿إنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السوء بجهالة ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأَوْلَئِكَ يَقُوبُ اللَّهُ علَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (النساء:17).
فكل من عصى الله فهو جاهل، وكل من تاب قبل الغرغرة وقبل طلوع الشمس من الغرب فقد تاب من قريب والدنيا كلها قريب.
روى الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله عز وجل يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» «الترمذي رقم٣٤٣٧»
وأفضل أوقات التوبة أن يتوب المرء وهو صحيح قبل نزول المرض، وأن يتوب وهو شاب قبل نزول المشيب فالتوبة النصوح - وهي أن يعزم على الا يرجع إلى الذنب حتى يرجع اللين إلى الضرع - أفضل ما يستقبل به رمضان وأن تكون من جميع الذنوب والآثام.
ثانيًا: إخراج الزكاة على من وجبت عليه وحال حوله أو اقترب:
كان السلف الصالح يستحبون أن يخرجوا زكاتهم في رمضان لسببين:
۱- لمضاعفة الأجر والثواب، وذلك لفضل الزمان وهو شهر رمضان.
۲- ليتفرغ الفقراء والمساكين والمحتاجون للصيام والقيام، لأن منهم من لا يتمكن من أداء عمله، خاصة لو كان شاقًا وهو صائم، ففي إخراج الزكاة في رمضان عون له على ذلك.
ولا شك أن لكل مسلم شهر زكاة، ولكن يجوز أن تُقدم الزكاة عن شهرها إذا وجبت، والأفضل ألا يكتفي الموسرون بإخراج الزكاة الواجبة وإنما عليهم أن يزيدوا على ذلك وأن يتفضلوا على عباد الله كما تفضل الله عليهم، فمن لا يرحم لا يرحم وليتذكروا قوله صلى الله عليه وسلم: «ما نقص مال من صدقة»، وفي المال حق سوى الزكاة».
ثالثًا: دراسة ومراجعة الأحكام المتعلقة بالصيام والقيام وصدقة الفطر:
كذلك ينبغي أن ندرس أحكام الصيام والقيام، فما لا يتم الواجب، إلا به فهو واجب، فمن وجب عليه الصيام وجب عليه وجوبًا عينيًا أن يعلم ما لا يصح الصيام إلا به، وأن يعلم مفسدات الصيام وكيفية صلاة القيام وأحكام صدقة الفطر متى تخرج؟ وعمن تخرج؟ ومن أي شيء تخرج؟
رابعًا: رد المظالم إلى أهلها أو استعفاؤهم منها:
فنقوم برد الحقوق إلى أهلها ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا، ومن مات منهم ردت إلى ورثته أو استعفاؤهم عنها، وإن تعذر كل ذلك فالاجتهاد في الدعاء والاستغفار لأصحابها.
واعلم أخي الكريم أن من أخطر الحقوق وأصعبها ردًا الغيبة والنميمة وشهادة الزور ولهذا قال عبد الله بن المبارك: «لو كنتُ مغتاباً أحدًا لاغتبتُ والدي»، لأن القصاص يوم القيامة يكون بالحسنات، فإذا فنيت حسنات العبد أخذ من سيئات مَنْ ظُلِم وحُطَّت على الظالم.
خامسًا: الخروج من الخصومات والمشاحنات:
كذلك من أوجب الواجبات التي يجب علينا التخلص منها قبل حلول شهر الصيام التخلص من الخصومات والمشاحنات والخروج منها، وصلة هؤلاء وطلب العفو والسماح منهم حيث لا يحل لمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام، إلا إن كان صاحب بدعة أو فجور مجاهر بذلك، أما لحظوظ النفس فلا يحل ذلك، والمتخاصمان أكثر من ثلاثة أيام لا يرفع لهما عمل حتى يتصالحا، سيما لو كان المخاصم من ذوي الأرحام والقرابات..
سادسًا: محاولة التفرغ من الأعمال التي يشق معها الصيام، ويصعب معها القيام:
على المسلم أن ينتهي من الأعمال الإضافية غير عمله الأصلي التي تضيع وقته أو يشق معها الصيام، أو يصعب معها القيام، أو تشغله عن الذكر وتلاوة القرآن قبل حلول شهر رمضان، حتى يتفرغ لصيامه وقيامه، سيما لو كان رمضان في الصيف.
سابعًا: تعجيل القضاء والكفارة:
كذلك ينبغي لمن كان عليه قضاء أو كفارة أن يتعجل قضاء ذلك قبل حلول رمضان وإلا يكون آثمًا، إلا إذا كان المانع من ذلك عذرًا شرعيًا، وينبغي لأولياء الأمور والأزواج أن ينبهوا زوجاتهم وبناتهم لذلك، فمن أخر القضاء لغير عذر فعليه القضاء والإطعام عن كل يوم مسكينًا مع الإثم وتكرار الكفارة والكفارة لا تكون إلا إطعامًا، أما نقدًا فلا تصح ولا تجزئ والله أعلم.
ثامنًا: أن يعزم على أن يصوم ويقوم إيمانًا واحتسابًا:
أن يعزم على أن يصوم رمضان إيمانًا واحتسابًا، وعلى أن يقوم لياليه كذلك إيمانا واحتسابا حتى ينال الفضل والثواب الذي وعد به الصادق المصدوق، وهو غفران ما تقدم من الذنوب.
تاسعًا: أن يصوم صيام مودع لرمضان:
كذلك على المرء أن يصلي صلاة مودع، وأن يصوم، ويحج، صوم وحج مودع لعله لا يدرك رمضان القادم، فالعبادة عندما يؤديها العبد بهذه النية وبهذا الخوف يحافظ عليها ويحتاط فيها أكثر، ويخشى من فسادها وضياعها، فالموت آت وكل آت قريب، وهو أقرب إلى أحدنا من شراك نعله، وإذا تمكن هذا الشعور من قلب المؤمن عوفي من الأدواء الخطيرة وهي حب الدنيا، وطول الأمل، وكراهية الموت.
عاشرًا: استقبال رمضان بالبهجة والسرور:
ينبغي للمسلمين أن يستقبلوا رمضان بالبهجة والسرور والفرح والحبور، كما يستقبلون الغائب العزيز، والضيف الكريم، كما كان يفعل سلفهم الصالح، فقد كانوا يستقبلون رمضان ستة أشهر، ويودعونه ستة أشهر كذلك، ولا ينبغي أن ينظروا إليه كضيف ثقيل، وزائر غير مرغوب فيه، وأن يستشعروا عظمته ويستصحبوا فضائله، ويتذكروا جوائزه، فإن ذلك يخفف الصعاب، ويقلل المشاق.
اللهم بلغنا رمضان، وأعنا على الصيام والقيام، واحفظ جميع جوارحنا من الوقوع في الآثام، واجعلنا ممن يصومه ويقيم لياليه إيمانًا واحتسابًا وألا يكون حظنا من الصيام الجوع والعطش، ولا من القيام السهر والتعب وصلى الله وسلم وبارك على خير من صلى وصام، واعتكف، وقام محمد بن عبدالله وصحابته وآله الكرام العظام، وعلى من اتبعهم بإحسان.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل