; كيف نتحاور مع أولادنا؟ | مجلة المجتمع

العنوان كيف نتحاور مع أولادنا؟

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 30-أكتوبر-2010

مشاهدات 56

نشر في العدد 1925

نشر في الصفحة 48

السبت 30-أكتوبر-2010

روي أن رجلاً مسلمًا - في عصر أبي حنيفة – كانت عنده شبهة على سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، حيث كان يتهمه بأنه يهودي فحاول المسلمون أن يقنعوا هذا الرجل بأن عثمان مسلم، ولكنهم لم يستطيعوا إزالة هذه الشبهة، فأراد الإمام أبو حنيفة أن يزيل تلك الشبهة من عند الرجل، فجاء إليه أبو حنيفة وقال: جئتك خاطبًا، فقال: مَن؟ قال: ابنتك. قال: لمَن؟ قال: لرجل شريف، عفيف، صالح منفق، كريم، صوام بالنهار، قوام بالليل، فقال الرجل: فيما دون ذلك مقنع. فقال أبو حنيفة ولكن فيه عيبا واحدا. فقال الرجل: وما هو ؟ قال أبو حنيفة: إنه يهودي. فقال الرجل يغفر الله لك يا أبا حنيفة، أتريد أن أزوج ابنتي من يهودي؟ قال أبو حنيفة نعم لقد زوج النبي ابنتيه ﷺ من يهودي هو عثمان بن عفان، فانتبه الرجل واقتنع، وقال: أشهد الله أن عثمان مسلم وليس يهوديًّا!!

إن هذا الموقف لأبي حنيفة رضي الله عنه يعلمنا كيف نستخدم الحوار العقلي المقنع في تغيير الآراء السلبية والانحرافات، فماذا نرى اليوم؟

كثير من الآباء يضيق بالحوار مع الأبناء وينزعج من جدلهم، ويصير الأمر ثقيلا على نفسه، وبعضهم يفشل، ويعلن عن إفلاسه عندما لا يجيد الحوار، أو عندما لا يجد إجابة عن أسئلة ابنه، فيلجأ كثير منهم إلى إغلاق الحوار، أو إلى الهروب منه، أو إلى استخدام العنف المتمثل في تغليظ القول أو التوبيخ أو التهديد والترهيب، أو الضرب في بعض الأحيان.

إن كثيرًا منا - نحن الآباء - قد ينجح في الاستثمار لأولاده، فيوفر لهم حياة ناعمة تفيض رفاهية ورغدًا، ولكنهم يفشلون فشلا ذريعًا عندما يتحاورون مع أولادهم، فمن الآباء من لا يدري ماذا يقول، ولا يعرف عن أي شيء يتحدث، ولا كيف يبدأ، ولا كيف ينتهي، فتسمع في حوار الأب لابنه: «نفذ ولا تسأل، اسمع ونفذ ولا تناقش ليس من حقك أن تسأل أنت لا تعرف مثلي، رأيك ضعيف وخبراتك قليلة، كم مرة تعصبت لرأيك ونفذت ما تقتنع به وفشلت...» إلخ.

إن الله عز وجل يعلمنا في كتابه الكريم كيف نستخدم الحوار القائم على الإقناع في التربية، نجد ذلك في مجال التربية الإيمانية والعقدية؛ لإقناع خلقه بوجوده سبحانه وإعادة البعث.. ويتجلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَهُوَ أَهۡوَنُ عَلَيۡهِۚ وَلَهُ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ (الروم: 27).

كما علمنا رسولنا الكريم ﷺ فن الحوار المقنع المثمر، فعن أبي أمامة رضي الله عنه، أن فتى من قريش أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ائذن لي في الزنا، فأقبل القوم عليه وزجروه وقالوا: مه مه، فقال رسول الله ﷺ: «ادنه» فدنا منه قريبا، وجعل النبي ﷺ يحاوره ويقول له: «أتحبه لأمك؟» قال الفتى: لا والله، جعلني الله فداك. قال: «ولا الناس يحبونه لأمهاتهم». قال: «أفتحبه لابنتك؟». قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداك. قال: «ولا الناس يحبونه لبناتهم». قال: «أفتحبه لأختك»؟ قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداك. قال: «ولا الناس يحبونه لأخواتهم». قال: «أتحبه لعمتك؟».. قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداك. قال: «ولا الناس يحبونه لعماتهم». قال: «أتحبه لخالتك؟» قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداك. قال: «ولا الناس يحبونه لخالاتهم». قال: فوضع يده عليه وقال: «اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه.. قال: فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء» (رواه أحمد والطبراني وصححه الألباني).

إني أخال هذا الفتى وقد جاء إلى مرب في عصرنا هذا أو إلى شيخ يستفتيه، أو إلى أب يصارحه بما ينوي تنفيذه من معصية فكيف يكون رد الفعل؟ لا شك أن أكثر هؤلاء سيعنفه ويزجره، ويقطع حواره معه، أو يسفهه، وهذا كله مخالف لمنهج النبوة في التربية.

ولقد سار الصحابة بعد ذلك على منهاج النبوة، فهذا عمر بن الخطاب - أمير المؤمنين - يأتيه رجل، فيشكو إليه عقوق ولده، فما كان من عمر إلا أن استدعى الابن ليفهم الحقيقة، فقال عمر للابن ما حملك على عقوق أبيك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، ما حق الولد على أبيه قال: أن يحسن اسمه، وأن يحسن اختيار أمه، وأن يعلمه الكتاب، فقال: يا أمير المؤمنين: إن أبي لم يفعل شيئًا من ذلك، فالتفت عمر للأب وقال له: لقد عققت ولدك قبل أن يعقك.

وكان عمر رضي الله عنه يحاور الصبيان ويستشيرهم، حيث كان يفعل ذلك مع ابن عباس رضي الله عنهما.

هكذا نجد حبيبنا وأصحابه الذين رباهم رضي الله عنهم أجمعين يستخدم التربية الحوارية المقنعة؛ لأنها تقوم على أساس عقلي، ومن ثم وجب على المربين - آباء ومعلمين ومصلحين ودعاة - أن يهتموا بالحوار في تربية الأولاد؛ لأنه أسلوب ينمي عقول أولادنا، ويوسع مداركهم، ويزيد من أنشطتهم وقدراتهم في الكشف عن حقائق الأمور وتقوية العقيدة والإيمان، ويعمق في نفوسهم الدروس من العظات والعبر من مجريات الحوادث والأيام.

كما أن تدريب الأولاد على المناقشة والحوار يمكن الأولاد من التعبير عن آرائهم وإثبات حقوقهم، وإتقان التفاوض مع غيرهم كما أنه يثري أسئلتهم وينميها، ومن ثم تحدث لهم انطلاقة فكرية مستنيرة يستطيعون بها أن يردوا مجالس العلم والفكر، ويضيفوا إليها من إبداعاتهم، بالإضافة إلى ما يضفيه أسلوب الحوار على المناخ التربوي من حيوية وإيجابية لدى الأولاد.

وثمة عدة أسئلة ترتبط بنجاح حوارنا مع أولادنا، ومن أهمها: ما عناصر الاتصال الحواري؟ وكيف نجعلها مؤثرة وفعالة؟ وكيف نبدأ الحوار؟ وكيف نختار وقت الحوار ومكانه؟ وما أفضل أسلوب للتحاور مع أولادنا ومتى نتكلم؟ ومتى نصمت؟ وما أفضل طريقة لكسب ثقة أولادنا عندما نحاورهم؟ وكيف ننهي حوارنا مع أولادنا؟

عناصر الاتصال الحواري

للاتصال الحواري أربعة عناصر هي:

1- المرسل:

وهو مصدر الرسالة والمربي ويجب أن يكون مؤثرًا، ودقيقًا في نقل الرسالة، كما ينبغي أن يتحلى بالصبر والحكمة، وأن تكون لديه خبرات كافية في الحياة، ومتمكنًا من مهارات الحوار، وأن يكون محبًّا لمن يحاوره يجيد الوصول إلى عقله من خلال الإقناع وإلى قلبه من خلال الوجدان، كما يجب على المرسل الإعداد الجيد للرسالة، ومعرفة خصائص من يحاوره وميوله.

2- المستقبل:

وهو الشخص الذي توجه إليه الرسالة ويجب أن تكون لديه القدرة على فك رموز الرسالة؛ فهمها، واستيعابها، وهذا يستلزم أن يكون بينه وبين من يحاوره اتصال وجداني وتقبل نفسي وعاطفي، كما يجب على المستقبل أن يكون منتبهًا ومطمئنًا للمرسل لا يخافه.

3- الرسالة:

ولها عدة صور، فقد تكون شفهية، وقد تكون مكتوبة، وقد تكون مرسومة في شكل صورة أو رسوم.

4- قناة الاتصال (الوسيلة):

وهي قوة فاعلة في إيصال الرسالة، وقد يكون المربي هو حامل الرسالة ومبلغها، وقد يختار وسيلة أو قناة أخرى لذلك، أو يعدها ويقدمها لأولاده؛ كي يتفاعلوا معها بأنفسهم مباشرة.

صفات ضرورية للأب المحاور

 يشكو كثير من الآباء سوء إنصات أولادهم إليهم عند الحوار، كما يتضجرون من تدني المردود التربوي لحوارهم مع أولادهم بل يشكو كثير منهم نفور أبنائهم من التحاور معهم، في حين يسمع الأولاد لأصدقائهم ولكثير ممن يحتكون بهم ولا يسمعون لوالديهم.

ومن أهم الصفات التي تجعل الأب محاورًا مؤثرًا في أولاده دماثة الخلق والعدل، والاستقامة، وضبط النفس، والصبر والأمانة والصدق، والذكاء، وحضور البديهة واللباقة.

محاذير الحوار مع الأبناء

ثمة معوقات تضعف تأثير حوار الأب مع ابنه، فليحذر الآباء عند تحاورهم مع الأبناء ما يلي:

- ضعف الاستعداد النفسي.

- الإسراف في اللوم وتوبيخ الأولاد.

- تجريح الأبناء وإهانتهم.

- التلعثم والاضطراب عند الحوار.

- ضعف الأب في الاستشهاد والإقناع.

- عدم إتاحة الفرصة للابن كي يدافع عن وجهة نظره.

عشرون قاعدة ذهبية في التربية الحوارية

1 - أخلص النية لله وحده في حوارك مع ولدك.

2- أكثر من الدعاء بتوفيق الله لك قبل أن تحاور ولدك.

3- لا تنفذ حوارك مع ابنك إلا بعد الاستعداد اللازم.

4- أجد اختيار الوقت المناسب للتحاور مع ولدك، فتجنب أوقات إرهاقه ونومه أو فترة اختباراته أو قلقه أو إن كان حزينًا.

5- أجد اختيار المكان المناسب للحوار مع ولدك، فليكن ذلك بعيدًا عن الناس، وحبذا لو كانت حديقة أو سرتما معا على شاطئ جميل في جو جميل في الهواء الطلق.

6- كن رحيما لينًا في حوارك رقيق القلب حتى تجذب أولادك حولك، قال تعالى في وصف نبيهﷺ: ﴿فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ﴾ (آل عمران: 159).

7- كن أكثر جاذبية وأقوى إيجابية.

8- لا تتحدث بصوت على وتيرة واحدة ولكن نوع في نبرات صوتك ونغماته حسب المعنى.

9- التواصل مع الولد ومصاحبته والاندماج معه، وتشجيعه على إبداء رأيه.

10- مشاركته اهتماماته وميوله وألعابه؛ لأن ذلك يقربه من الأب، ومن ثم يكون أدعى للاستماع له، والتأثر بتوجيهاته وتنفيذها ومن شواهد ذلك قوله ﷺ: «ما فعل النغير يا أبا عمير»، والخطاب هنا للطفل وفق اهتماماته وميوله.

11- ابدأ حوارك بتهيئة تعلن فيها حبك لمن تحاوره، أو تثني عليه باعتدال؛ فذلك يجعله أكثر قبولا للنصيحة، وأدعى أن يعمل بها. فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ أخذ بيده، وقال: «يا معاذ، والله إني لأحبك، والله إني لأحبك»، فقال: «أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» (رواه أبو داود وصححه الألباني). وقوله لعمر بن الخطاب: «يا عمر، إنك رجل قوي، فلا تزاحم الناس» (رواه أحمد). 

12- رصد نقاط الاتفاق وجوانب الاختلاف بين الأب وابنه، لدراستها ودعم الاتفاق وعلاج الاختلاف.

13- تقبل ابنك بعيوبه - كما تقبل النبي ذلك الفتى الذي جاء يستأذنه في الزنا - وافصل في تعاملك مع ابنك وحوارك معه بين شخصه والسلوك السلبي الذي يقترفه. 

14- استخدم لغة الأرقام والإقناع والدليل والبرهان إن كان الأمر عقليًّا.

15- استخدم المدخل العاطفي إن كانت المسألة تتعلق بمشاعر أو توجيه أو ترغيب أو ترهيب.

16- مساعدة المتعلم وترك اتخاذ القرار له حتى يتحمس لتنفيذه، أما إذا أجبر عليه فسرعان ما ينقلب مستمسكًا برأيه هو. 

17- ختم الحوار بتفاعل عاطفي، يكون آخر ما يعلق بذهن الولد. 

18- الإكثار من الدعاء للابن؛ فلسهام الليل تأثيرها الذي يفوق حدود إدراك العقل.

19- استخدام أساليب حوارية تتناسب مع مستوى الابن وظروفه؛ فالعقول تتفاوت ويجب مراعاة الأب لعقل ابنه وهو يحاوره وهذا من هدي رسولنا الكريم ﷺ؛ حيث يقول: «لا تحدثوا أمتي من أحاديثي إلا ما تحمله عقولهم فيكون فتنة عليهم»... 

20- بين الحين والآخر يجب أن تنادي ابنك بأحب الأسماء إليه وأنت تحاوره، فقد خاطب الرسول هرقل بـ «عظيم الروم» وهذا إبراهيم عليه السلام ينادي أباه بقوله: يا أبت... ولقمان الحكيم نادى ابنه بقوله: «يا بني»، وهو نداء يفيد اللين والرحمة، وهذا يوسف عليه السلام يخاطب زميليه في السجن ليؤلفهم ويجذبهم إلى الإيمان بقوله: «يا صاحبي السجن».

(*) أستاذ المناهج وأساليب التربية الإسلامية المساعد.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 41

124

الثلاثاء 29-ديسمبر-1970

مع القراء (41)

نشر في العدد 96

127

الثلاثاء 18-أبريل-1972

من المسؤول عن هذه الفوضى؟