; كيف ضاعت الأندلس؟ | مجلة المجتمع

العنوان كيف ضاعت الأندلس؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 20-يوليو-1976

مشاهدات 80

نشر في العدد 309

نشر في الصفحة 23

الثلاثاء 20-يوليو-1976

كيف ضاعت الأندلس؟
يصف كاتب أوروبي الخسارة الفادحة التي حلت بأسبانيا وكان سببها الهوس الديني فيقول..
«لم يعرف الأسبان عندئذ ما كانوا يفعلون، إذ إنهم فرحوا أشد الفرح بنفي  العرب؛ وذلك لأنهم سئموا الحياة الرتيبة، «لوب دي فيفا» يغني أغنيته المثيرة التي مطلعها «الحكم العادل» ولم يدروا أنهم قتلوا أوزتهم الذهبية».
ترى كيف قتلوا أوزتهم الذهبية؟ 
أترك للكاتب الأسباني المسيو كوندو يصف مقتلها:
في سنة 1610 م أنجز فليب الثالث العمل الذي كان بدأ به والده وهو نفي زهاء نصف مليون من هؤلاء البائسين إلى أفريقية، فأمر بإنزالهم على الساحل. أما سكان  الشمال وكان عددهم لا يقل عن مائتي ألف نسمة، وهم البقية الباقية من ذلك الشعب القوي الباسل، فقد طردوا من غير شفقة ولا رحمة إلى فرنسا حيث اضطر من بقي منهم حيًّا بعد مذابح الأسبان وأهوال الطريق إلى النزوح إلى البلاد الإسلامية.
وبلغ عدد الذين طردوا من أسبانيا منذ سقوط غرناطة حتى عهد الملك فيليب ثلاثة ملايين نسمة.
وهكذا اختفى من أرض الأندلس شعب ذكي مستنير شجاع بعث بجده واجتهاده الحياة في أسبانيا التي كانت تئن تحت نير القوطيين فحوّل بلاد الأندلس جنة فيحاء، وحل مشعل العلم والعرفان بينما كانت الممالك حولها تتخبط في دياجير الجهل، كما نشر الثقافة وبث المدنية ووضع أسس الفروسية، بل لا إنما نعدو الحق إذا قلنا إن الشعب العربي قد خلق أوربا الحديثة خلقًا.
والآن يحق لنا أن نتساءل ما الذي استفادته أسبانيا من طرد العرب؟
وجواب ذلك..
إن الأندلس الجميلة التي ظلت بضعة قرون موطن الثقافة ومركز العلوم والفنون تدهورت ثانية إلى حالة العقم وأصبحت علمًا على تدمير الثقافة والأخلاق فاكتنفتها وحشية أبدية بعد أن كان العرب قد أضاؤوها بنورهم، وفي الواقع لم تتغير الطبيعة إنما الذي تغير هو الشعب الأسباني وديانته.
ومع ذلك فلا يزال بعض آثار العرب تعلوه الخرائب التي ملأت تلك البلاد المقفرة، ومن وسط التماثيل والخرائب الصامتة يرتفع صوت الحق ينادي بمجد وحضارة العرب المنهزمين وانحلال وتدهور الأسبان المنتصرين.
بعد هذه المقدمة نريد أن نعرف:
كيف ضاعت الأندلس؟ 
إن القائد (براقا) قابل الأذفونش في رومة داخل الفاتيكان، وجاء معهما دوق. فينسيا (البندقية). فقال له ابن أذوفنش: «اعلم أيها البطل أن البابا قد استدعي بارونات أوربا وشاورهم في استرجاع مملكة أسبانيا من العرب، فلتكن مساعدًا لنا».
فقال: براق: (إن الأسد لا يصاد إلا بالمكر والخديعة، وقد يستعين الصيادون بالخمر: ولا يفل الحديد إلا الحديد».
فقال دوق فينسيا: إن جيوش البارونات تسحقهم سحق في أقل من لمح البصر.
فقال براق:
1- أن العرب يحافظون على دينهم وعلى حريمهم وقد تفنى القبيلة كلها محافظة على الشرف، ولكنهم قوم كرام صادقون يأبون الكذب. فهم يخدعون بسهولة بالظواهر المموهة، فاجعلوا بينكم وبينهم معاهدة على حرية الدين والتعليم والتجارة فهذه تفتح لرهبانكم طريقًا بها يبثون التعاليم بين أطفالهم، فإن لم يتبعوا دينكم فهم على الأقل يهملون دينهم، فيفقدون الحمية الدينية التي تحببهم إلى الحرب. 
2- فأما حرية التعليم فإنها تولد لهم غلمانًا شؤمًا عليهم لأنهم يكونون مشغوفين بحب معلميهم، ويبتعدون عن محبة وطنهم. 
3- فأما حرية التجارة فهي التي تضعضع شيئًا فشيئًا تمسكهم بأزيائهم فضلا عن تجارة الخمر، فهي الآن محرمة، فمتى شاعت بينهم أقدموا على المنكرات بلا مبالاة، وفقدوا النخوة والشرف وضعفت منهم العقول والجسوم وفشا بينهم الشر، وساءت حالهم، وارتبكت شؤونهم، فيساقون كالأغنام.
ولا تنس يا حضرة الدوق أن التأنق في النعمة والبذخ والإسراف في الشهوات، وإهمال سير الآباء والجدود من أقوى أسباب انحطاط الممالك القوية.
فلمعت أسرة وجه ابن أذفونش بعد أن كان يلوح عليه اليأس، وشكر براقا على إخلاصه.
وفي الصباح اجتمع البابا ودوق فنيسيا وبارونات أوربا ببراق وتحدثوا مليًّا وكتبوا صورة هذه الشروط وأرسلوها معتمدين على أمراء الإسلام في الأندلس فوصلت شروط طلب الهدنة إلى (مالك بن عباد) بقرطبة وقد فرغ من تحصين مدائنه وقلاعه فدعا قواده وعمال مدائنه وأمراء أشبيلية وطليطلة وبلنسية ومالقة والجزيرة الخضراء وغرناطة، فحضروا بعد أيام إلى قرطبة وهم يختالون على خيولهم، وكان من بينهم (عدي بن أبي عامر) صاحب بلنسية يتبعه مائتا فارس نعال أفراسهم ذهب إبریز، فنزلوا جميعا برصافة قرطبة، وكان (مالك بن عباد) قد بنى بها قصرًا فخمًا تحيط به الحدائق والجنات، قد جعل فيه تماثيل من فضة بأشكال الطيور والحيوانات تخرج من أفواهها المياه، وفيها قال ابن زيدون من قصيدة: 
قصر يقر العين منه ناظر
بهج الجوانب لو مشى لاختالا 
فقبلوا شروط الصلح فعارضهم قيس بن مصعب وبقي الأمراء في ضيافة مالك بن عباد شهرًا.
ومن رعى غنما في أرض مسبعة
ونام عنها تولى رعيها الأسد
فلما انقضت أيام الولائم رجع الأمراء إلى بلادهم إلا عدي بن عامر صاحب بلنسية فإنه بقي مع الأمير يقضيان الزمن في اللهو والصيد والخمر، وهكذا بقية الأمراء وشعوبهم يتبعونهم، فانحطت الدولة بذلك وزاد في إفسادها تلك المعاهدة فانتشر الرهبان في أنحاء الأندلس وأخذوا يبثون تعاليمهم، وكانوا يجتمعون في أوقات خاصة للتشاور وقد شيدوا ضيعة على ضفة نهر قرطبة وسط البساتين، وكانت منتزهًا جميلاً يؤمه العظماء والأمراء لا سيما أيام الآحاد.
وقال صاحب التاريخ المسمى بالمعجب:
لقد جددوا في عام هذه المعاهدة أربع مدارس كبرى على نفقة (دوق فينيسيا) أحد كبارهم وجعلوا التعليم فيها عاما لمن شاء (بينما كانت مدارس المسلمين بقرطبة وغيرها تكاد تمحى إذ انقضت تعاليمها تماما إلا ما يختص بالشريعة).
فأقبل العرب على تلك المدارس، واختلطوا بالقسيسين والرهبان وتعلموا لغاتهم وجاروهم في عاداتهم وأخلاقهم، وزاد الأمر في بلنسية فإن المبشرين والمعلمين تدخلوا في كل شيء. لأن نائب عدي عليها المسمى (ابن ذي النون الغافري) أطلق لهم الحرية التامة حتى اتهمه بعض الوزراء «بأن البابا استماله بالرشوة».
خيانة جندل بن حمود أمير إشبيلية:- 
ولقد لعب براق بن عماد دورً مهمًّا هنا ذلك أن أمير إشبيلية (جندل بن حمود) لم يمكث في قرطبة إلا ريثما وقّع على شروط الهدنة، وأبى البقاء وعاد إلى عاصمته، وذلك لسر خفي في نفسه، ذلك أن أحد معتمدي البابا الذين حضروا إلى قرطبة أعطاه خطابًا من البابا وعده فيه بأنه يؤمله أن يجعله ملكًا مستقلا بولايات الأندلس قاطبة، وأن البارونات متفقون على نصرته في أي وقت شاء.
البطريق شيل يصبح قائدًا لجيش المسلمين: 
ثم إن براقا وفّى بعهده لأنه عاهد البابا على أن يُدخل بعض البطارقة في قيادة الجيش، وقد أخذ البطريق المسمى (شيل) يرافقه في أيام الصيد وأخذ براق يمدحه عند ابن عباد بالشجاعة ثم أحضره إلى الديوان فقال (مالك بن عباد) وما بلغ من شجاعته يا براق؟ 
فقال اختبره إن شئت فقال مالك لتتبارزا فإن غلبته فكفاه وإن غلبك جعلته من قواد جيشنا، فتبارزا وتظاهر براق بأنه مغلوب. فتكدر مالك بن عباد لما يعلم من مهارة براق وشجاعته وجعل البطريق قائدًا وقرّبه منه، فانتخب من أبناء بلاده من أراد لتدريب عسكر المسلمين على استعمال السلاح، وصارت عواصم الأندلس محط الغرباء، وراجت التجارة في البلاد ولا سيما الخمر. 
وقد قتل عامله، وسقطت الحرية، وهذه أول نتيجة للمعاهدة. 
ولما رجع دوق فينيسيا إلى رومة قص القصص على البابا والبارونات فأيقنوا بتفرق كلمة العرب، وأن الوقت آن لتخريب ممالكهم وتفريق شملهم. 
ولقد كان عدد المبشرين بالأندلس ألفًا، وعدد المعلمين بالمدارس التي أنفق عليها البابا 485. وأنفق البابا من خزينته لترويج الخمر خمسمائة ألف (فلورين).
وهكذا ضاعت الأندلس..  ضاعت حين 
1- ساد الانحراف والترف.
2- وترك الجهاد في سبيل الله. 
3- وسمح للنصارى والمبشرين بممارسة دورهم الهدام. 
وهذه سنة هلاك الأمم 
إذا علا فجارها على أبرارها
إن ضياع الأندلس لم يحدث مرة في التاريخ بل كمْ من أندلس ضاعت والمسلمون هم السبب. 
زالت الخلافة الإسلامية حين انحرف الأتراك والعرب عن رسالة دينهم وتأثروا بثقافة الغرب، وحين سمح لأعداء الإسلام من نصارى ويهود القيام بدورهم الهدام عن طريق المناصب الحكومية التي تقلدوها.
والآن تضيع لبنان، وتحترق، وذلك حين استكملت عناصر الانهيار، وما هو بالانهيار العادي، إنما هو الدمار ونحن في الكويت.. كمْ من حادث سينتظرنا.
الفساد والترف يسود الناس، والانحراف الخلقي ظاهرة اجتماعية انظر إلى قول براق إلى الأذفونش «ولا تنس يا حضرة الدوق أن التأنق في النعمة والبذخ والإسراف في الشهوات وإهمال سير الآباء والجدود من أقوى أسباب انحطاط الممالك القوية».
والتبشير يعمل في الكويت بحرية مطلقة ودون رادع ومهمته معروفة كما بيّنها براق «فاجعلوا بينكم وبينهم معاهدة على حرية الدين والتعليم والتجارة فهذه تفتح لرهبانكم طريقًا بها يبثون التعاليم بين أطفالهم، فإن لم يتبعوا دينكم فهم على الأقل يهملون دينهم، فيفقدون الحمية الدينية التي تحببهم إلى الحرب».
نعم.. هذه هي خطة التبشير.. والنهاية معروفة.
فهل نحن في الكويت نسير إلى طريق مسدود.. وهل نكون لبنانا آخر. 
أفيقوا يا قوم.. فما زال في المجال متسع قبل أن يحق علينا قول ربنا، فما ينفعنا مالنا ولا قوتنا، نقول ذلك لكي لا تتكرر قصة لبنان.. ولكي لا تقتل أوزة ذهبية أخرى.

الرابط المختصر :