; كيف استقبل السودان قرار المحكمة الجنائية الدولية؟ | مجلة المجتمع

العنوان كيف استقبل السودان قرار المحكمة الجنائية الدولية؟

الكاتب محمد حسن طنون

تاريخ النشر السبت 21-مارس-2009

مشاهدات 56

نشر في العدد 1844

نشر في الصفحة 24

السبت 21-مارس-2009

السودان

لم يكن قرار المحكمة الجنائية الدولية مفاجئًا لأحد، فالترتيبات سلبته عنصر المفاجأة، إذ إن الكل في الداخل والخارج كان يعلم متى وأين سيصدر القرار بعد أن سرّبته صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية.. وقبل يوم واحد من إعلان القرار، كان الرئيس عمر البشير في مدينة «مروى» لافتتاح أكبر مشروع تنموي في تاريخ السودان، وأبلغ الجماهير المحتشدة بأن رد السودان على قرار المحكمة الجنائية هو المزيد من مشاريع التنمية والثبات على المبدأ، وكانت هتافات الجماهير المحتشدة: «السد.. الرد».

الخرطوم: 

أدى إلى التفاف الشعب حول رئيسه بصورة غير مسبوقة 

 وعقب إعلان القرار، خرجت الجماهير في الخرطوم وباقي مدن السودان في مسيرات عفوية رافضة القرار ومصممة على مواجهته بكل قوة، وفي الوقت نفسه كان الرئيس البشير يشهد تخريج دفعة جديدة من الطيارين والمراقبين الجويين السودانيين، وفي طريق عودته من مكان الاحتفال في كررى شمال مدينة أم درمان 

-مطمئنًا واثقًا من أنه يسير في الطريق الصواب- إذا بالجماهير تصطف على جانبي طريق الوادي الطويل لتعلن تلاحم القائد بقاعدته وترسل رسائل واضحة وواثقة للخارج أن الرئيس الذي نزل من سيارته المغلقة، وركب سيارة مكشوفة يعانق جموع الشعب المتدفق لن يصيبه أذى من أحد. 

مؤسسة الرئاسة

تصرُف الشعب سواء في «أم درمان» أو «الخرطوم» ساعد في تفكيك المؤامرة الكبرى التي دُبّرت بليل في عواصم الدول الاستعمارية.. فمرور الرئيس البشير الفوري بشوارع المدن الثلاث «أم درمان، والخرطوم، والخرطوم بحري» في عربة مكشوفة أكد استتباب الأمن، ووعي الشعب السوداني، ورفضه لأي هيمنة أجنبية على بلاده، واستنكاره لأي مساس برئيس الدولة. 

وفي المساء عُقد اجتماع المؤسسة الرئاسة، برئاسة المشير عمر البشير والفريق سلفاكير ميارديت النائب الأول للرئيس، وعلي عثمان محمد طه نائب الرئيس، وتباحث أعضاؤها قرار المحكمة.

وأعلنت مؤسسة الرئاسة -على لسان عثمان طه في مؤتمر صحفي عقب الاجتماع- رفض السودان القرار جملًة وتفصيلًا، مؤكدًا عزم الحكومة على مناهضة القرار بكل السبل والوسائل المتاحة: دبلوماسيًا وسياسيًا وقانونيًا.. وقال: «إن السودان ليس عضوًا في المحكمة الجنائية الدولية، ولا يعترف بعدالتها أصلًا، وإن القرار لا يخدم السلام والاستقرار بالسودان، وأن الحكومة ستبذل كل الجهود مع محيطها الإقليمي والدولي الإبطال مفعول القرار، مع الالتزام بتنفيذ جميع اتفاقيات السلام.

مواقف القوى السياسية

الأحزاب السياسية والجماعات الإسلامية كلها عبّرت عن موقفها الرافض لقرار المحكمة الجنائية، وذلك في اجتماعها بالرئيس في بيت الضيافة.. وكانت مواقف الأحزاب السياسية كالتالي: 

- الفريق «سلفاكير ميارديت» رئيس الحركة الشعبية الجنوبية -الشريكة في

الحكم- لخص موقفها في بيان رسمي قال فيه: «سنسعى من أجل الالتئام والمصالحة الوطنية، ونعمل مع الأحزاب السياسية والاتحاد الأفريقي لتحقيق أهداف الشعب السوداني في السلام والاستقرار.. والحركة الشعبية تلتزم بالعدالة دون أن تضحي بالسلام والاستقرار ومصير الأمة، لذا تناشد المجتمع الدولي مواصلة الحفاظ على السلام، ودعم عملية إعادة البناء، حيث إن انهيار السلام في السودان لن يؤذي السودان فقط».

- حزب الأمة -على لسان د. مريم الصادق لوجود الصادق المهدى خارج البلاد- قال في بيان له: «إن العدالة التي تضطلع بها المحكمة الجنائية انتقائية استباقية، وإن المساس برئيس الدولة يجعل الحق في تطبيق القانون والعدالة يتناقض مع الحق في تحقيق السلام والاستقرار في السودان».. وكان الصادق المهدي قد رفض توقيف رئيس الدولة، وأستنكر أن يضع المجتمع الدولي حصان العدالة أمام عربة السلام.

- أما الحزب الكبير الثالث، وهو الحزب الاتحادي الديمقراطي، فكانت مواقفه أكثر وضوحًا وقربًا من حزب المؤتمر الوطني الحاكم.

نتائج إيجابية

القرار الذي قُصِد به تفكيك السودان باستهداف رئيسه جاء بنتائج إيجابية، حيث منح السودان فرصة ذهبية لتوحيد الصف الوطني بصورة غير مسبوقة، تجسدت في موقف الشارع السوداني حتى في دارفور، حيث صار التواصل بين الرئيس وشعبه

بلا حواجز.

وكان البعض يعتقد أن الرئيس سيحتمي بالقوات المسلحة كقائد عام وأعلى، أو يلوذ بالمؤتمر الوطني، أو الحركة الإسلامية، أو بجماهير أحزاب الوحدة الوطنية.. ولكن الشارع السوداني المفتوح حتى بلا إجراءات أمنية اعتيادية -في مثل هذه الأحوال- كان هو الملاذ الآمن الرئيس دولة تريده المحكمة الجنائية متهمًا، فهل عرفت المحكمة المذكورة من أين يستمد الرئيس السوداني شرعيته في البقاء حاكما للسودان؟!

وقد تلاحم الشارع السوداني -بمختلف مكوناته- في مواجهة ادعاءات المحكمة الجنائية بصورة وطنية عفوية منقطعة النظير لم يعرف السودان في تاريخه القريب مثيلًا لها، وعدّها الرئيس البشير هدية أهداها له قرار المدعي العام للمحكمة «لويس مورينو أوكامبو»، مما جعله يشكر «أوكامبو» على هذه الهدية على رؤوس الأشهاد!

الشارع السوداني تلاحم في مواجهة ادعاءات المحكمة بصورة وطنية عفوية لم يعرف السودان مثيلًا لها في تاريخه القريب.

حيثيات ضعيفة

والغريب أن بيان المحكمة يؤكّد أنها لم تصل بعد إلى يقين قاطع بأن الرئيس البشير قد شارك بصورة مباشرة أو غير مباشرة في الجرائم التي تقول إنها ارتكبت في دارفور.. إذا فالمحكمة الجنائية لا تملك أي أدلة قاطعة تجعلها على يقين من صحة اتهاماتها بخصوص الجرائم التي أشارت إليها!

وكيف لمحكمة أن تصدر قرارًا خطيرًا كقرار توقيف رئيس دولة ذات سيادة أثناء

فترة حُكمه، معتمدة على شبهات لا تحدد طبيعة وحدود الجرائم التي تتهم بها رئيس الدولة، رغم التحذيرات المتتالية التي كانت تُوجه للمحكمة من خطورة قرارها المرتقب على المنطقة ككل وليس على السودان فحسب؟!

وقد جاءت الحيثيات في قرار المحكمة ضعيفة للغاية، وكان بيان المحكمة مقتضبًا عامًا لا يصلح لإدانة منهم في جرائم سرقة اعتيادية، فما بالنا برئيس دولة منتخب

 من الشعب، ويمارس الحكم في شراكة بموجب اتفاقيات سلام ترعاها الدول نفسها المحرّضة للمحكمة لإصدار قرارات التوقيف!

لقد بعث أحد كبار القانونيين في الغرب البريطاني «جيفرى هاو» مذكرة من عشرين صفحة ولكن المحكمة رفضتها بدون قراءتها، وأعلنت ذلك ليفهم كل من له عقل وضمير أن الأمر ليس أمر قانون وعدالة وإنما هو تقنين الاستعمار جديد للدول المستضعفة.

حتى الأمم المتحدة نفسها لا تملك من أمرها شيئًا، لأن ۱۸۸ دولة، وعشرين منظمة دولية قدمت خطابًا إليها تطالب بتعطيل قرار المحكمة الجنائية ضد الرئيس السوداني ولكنها لم تحرك ساكنًا، لأن الذين يتحكمون فيها هي دول الحلف الثلاثي «الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا»، والتي تستهدف السودان في عقيدته وثرواته ووحدته.

188 دولة و ٢٠ منظمة دولية طالبت الأمم المتحدة بتعطيل القرار ضد الرئيس السوداني لكنها لم تحرك ساكنًا!

أبلغ رد على القرار هو مناهضته سياسيًا وقانونيًا ودبلوماسيًا مع مزيد من مشاريع التنمية.

ضربة قاضية

والضربة القاضية للمحكمة جاءت من داخلها، فقبل أيام من صدور القرار أستقال العضو الرابع القاضي «محمد شهاب الدين» من جمهورية «جويانا» بأمريكا اللاتينية. ومن داخل المحكمة صوتت القاضية «آنيتا يوكاسا» ضد مذكرة توقيف الرئيس البشير رافضة كل الادعاءات، وهي من جمهورية «لاتفيا» وتحمل درجة الدكتوراه في القانون وعضو باتحاد المحاميات الأوروبيات منذ عام ٢٠٠٥م، وعضو أيضًا بالاتحاد الدولي للقاضيات، وهي كذلك خبيرة وطنية في مجموعة الخبراء الأوروبيين لتقييم العدالة والشؤون الداخلية في «لاتفيا» «إحدى جمهوريات البلطيق الثلاث: أستونيا، ولاتفيا، وليتوانيا».

أما «أوكامبو» فقد وضح أنه مدفوع سياسيًا لخدمة جهات استعمارية تريد الشر

بالسودان أرضًا وشعبًا وهوية، وقد فشل في إثبات تهمة الإبادة الجماعية، وهذا الرجل الذي فرح بالقرار، وقال إنه يوم تاريخي أثبت أنه ناشط سياسي وليس رجل قانون!

وإن أبلغ رد على قرار المحكمة الجنائية هو توحيد الجبهة الداخلية، ورفض القرار، ومناهضته سياسيًا وقانونيًا ودبلوماسيًا بمزيد من مشاريع التنمية وجذب الاستثمار. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

541

الثلاثاء 24-مارس-1970

حول العالم

نشر في العدد 8

596

الثلاثاء 05-مايو-1970

حول العالم - العدد 8