; المجتمع التربوي (1542) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1542)

الكاتب ناجي علوش

تاريخ النشر السبت 15-مارس-2003

مشاهدات 66

نشر في العدد 1542

نشر في الصفحة 54

السبت 15-مارس-2003

كيف تنهض الأمة من كبوتها

نبذ الخلافات وربط الدين بشؤون الحياة أول خطوة على الطريق

  • في زمن انحدار الأمة لتخليها عن أسباب العزة.. لا ينبغي أن نلقي باللائمة على أعداء الإسلام

    ناجي علوش(*)[1]

    في زمن انحدار الأمة وانحطاط كثير من أبنائها، لا يصح أن ندين عدونا ونلقي باللائمة عليه عندما يعمل فينا تقتيلًا وتشريدًا وتدميرًا وتشويها ويزرع الفتن في صفوفنا، في الوقت الذي يقوم فيه بعض من نصبوا أنفسهم على الأمة بهذا الدور على أتم وجه هذا على صعيد بعض القادة، أما على صعيد القاعدة، فحدث ولا حرج، فكل واحد منا يصنف من يدور في دائرته وينهل من مورده بأنه دخل عالم الخير من أوسع أبوابه، ومن يخالفه في رأي فإن علامة استفهام كبيرة ترتسم حوله، وبالتالي أصبح من أرباب الشر ودعاته في نظره واعتقاده.

    وهنا يمكن لنا أن نوجز مظاهر السقوط الذي تعاني منه الأمة فيما يلي:

    السقوط الفكري: ويتمثل في أن الشريحة الكبرى من المسلمين هم مسلمو المولد فقط حيث اعتنقوا أفكارًا لا تمت إلى الإسلام بصلة، بل هي على النقيض منه تمامًا، فراحوا يتنكرون لهذا الدين مطلقين عليه أبشع النعوت وملصقين به أشد التهم من الرجعية والتخلف، وأنه دين ينمي النزعة الإرهابية، فانحرفوا بذلك عن جادة الصواب وسلامة الفطرة والمعتقد والسلوك، فغدوا أصنامًا بشرية وببغاوات يهللون لكل وارد إليهم من الخارج إلى حد القداسة التي لا يمكن المساس بها ويعتبرونها مسلمات لا تقبل النقاش حتى بات عالمنا الإسلامي سوقًا لتلك الأفكار النافقة منذ لحظتها الأولى، ومن بينها الشيوعية المقيتة التي احتضرت واندرست ولله الحمد، ثم العلمانية التي هي في طريقها إلى الزوال بإذن الله، وفي يومنا هذا ربما سيتبع ذلك العولمة التي بهرت العقول المعاقة، فاعتناق هذه الأفكار وأمثالها قديمًا وحديثًا كان ولا يزال معاول هدم تناوبت على تفكيك كيان الأمة وشرذمتها وسيصبح هذا منحدرًا وطريقًا إلى السقوط، وإن لم يبادر أبناؤها إلى العمل للخروجمن ربقة هذه الأفكار.

     السقوط السياسي وهذا النوع لا يحتاج إلى كبير عناء لمعرفته والوقوف على حجم الفساد الذي أحدثه في جسم الأمة، حيث يغرد بعض حكام بلادنا خارج سرب شعوبهم، ويحكمون بالحديد والنار، فلم يعودوا صفًا واحدًا للدفاع عن الأوطان والمقدسات، وإنما كان إعدادهم لحماية مناصبهم، فهذا مظهر جلي من مظاهر السقوط.

     السقوط الاقتصادي: ماذا يمكن لنا أن تسمي ما تعاني منه بلاد عربية كثيرة من فقر وتخلف، ألا يعتبر هذا سقوطًا اقتصاديًّا؟ وعندما تعلم أن حجم استثمارات الدول العربية في بلاد الغرب يزيد على ثمانمائة مليار دولار، في الوقت الذي لا يجد المواطن في هذه البلاد فرصة عمل تضمن له أبسط عوامل العيش الكريم، أفلا يعتبر كل ذلك سقوطًا فإن لم ندرك هذه الحقيقة جيدًا دولًا وشعوبًا، فإن الفجوة ستأخذ في الاتساعيومًا بعد يوم.

    السقوط الإعلاميإن المتتبع لوسائل إعلامنا بكل فئاته بعين المتأمل البصير ليدرك مدى خطورته على الأمة، لما يقوم به من عملية غسل دماغ منظمة لمحو كل ما هو إسلامي من الذاكرة، وليكون المسلم مسلمًا اسمًا، غربيًا عقلًا وفكرًا ومنهجًا، بمعنى أنه لا مانع من أن يكون اسمه أحمد أو محمدًا أو نحو ذلك، إنما غير المسموح به أن يحمل الفكر والمنهج الذي جاء به الرسول r، وإن هو جنح نحو ذلك، اتهم بالتطرف والرجعية وغيرها من العبارات المستهلكةالتي تتهاوى أمام حقيقة الإسلام الناصعة. وهكذا كان معظم وسائل إعلامنا عاملًا منعوامل سقوط الأمة، وهنا يكمن دور المسلم في أن يكون حذرًا وأن يكون على يقظة تامة.

    السقوط الأخلاقي: إذ أصبح التمسك بالفضيلة تخلفًا ورجعية، والحجاب خيمة وظلامية،

     وحل مكان الفضيلة التفاخر والمجاهرة بالفواحش واجتراح الكبائر، فكثير من الشباب يعاني من تسيب أخلاقي مخز، وكثير من الفتيات قد اختطفتهن الفاحشة، ووقعن في براثن الرذيلة وما نرى في مدارسنا ومعاهدنا وجامعاتنا بين الطلبة والطالبات مما يندى له الجبين لا يحتاج إلى تعليق.

    السقوط الاجتماعي:إن التفكك الأسري والاجتماعي الذي نراه على كل صعيد، صدع بنيان الأمة، وأتى عليه من القواعد، فقد أصبح الناس وكأنهم نزلاء فنادق لا تربطهم رابطة، وتوثق بينهم عروة يعيشون غربة فيما بينهم، وليس بينهم سوى خطوات في المكان ولحظات من الزمان، فلا بد من عودة محمودة إلى سابق عصرنا يوم أن كان المجتمع المسلم مجتمع تسوده الفضائل والمحبة والمودة، فكانوا كالجسم الواحد.

    السقوط التعليمي: وذلك من خلال سيطرة أعداء الإسلام من خلال عملائهم، على مناهج التعليم، ورسم منهجيتها وفق نظرتهم بما يخدم مصلحتهم، ويا ليتهم اكتفوا بذلك، بل إن أعينهم لتتطلع إلى العبث في مناهجنا التعليمية في مدارسنا وجامعاتنا الدينية، مما يمكنهم من زرع أفكار وتوجهات تتحكم في توجه الأفراد مستريحين بذلك من عناء الاستعمار العسكري.

    كيف نوقف عجلة السقوط؟: لعل أهم إجراءات والوسائل التي ينبغي الأخذ بها والعمل على تحقيقها لنتمكن من مواجهة ما يحدق بنا الوقف عجلة السقوط المتسارعة ما يلي

    أولًا:نبذ الخلافات ورأب الصدع بين أبناء الأمة والقائمين على شؤونها، وذلك عن طريق إيجاد مجلس إسلامي يتم العمل من خلاله على توحيد الصف والتصدي لما يحاك من مؤامرات ومخططات ترمي إلى فصل الرأس عن الجسدلفصل الأمة عن دينها.

    ثانيًا: إيجاد وسائل إعلامية إسلامية وسطية تبرز عظمة الإسلام وتتصدى للحملات المتحاملة على هذا الدين وأهله وتقوم بوضع دراسة تحفظ اجتمعاتنا من الخطر الذي يتهدد العقيدة والأفكارالأخلاق.

    ثالثًا:توجيه مراكز البحوث والدراساتالإسلامية في الدول العربية والإسلامية إلى دراسة هذه الظواهر من كل جوانبها ومعرفة أسبابها ووسائلها وآثارها ووضع الحلول صياغة الخطط لمواجهتها.

    رابعًا:مراقبة المدارس الأجنبية وإلزامها تدريس مواد اللغة العربية والتربية الإسلامية التاريخ العربي الإسلامي 

    خامسًا: مواجهة التيارات الفكرية والفلسفية الهدامة والرد على أباطيلها ومزاعمها عن طريق مختلف وسائل الإعلام.

    سادسًا: ربط الدين بشؤون الحياة العامة؛ السياسية والاقتصادية والتعليمية، والتصديللعلمانية والعولمة الدخيلة على المجتمع الإسلامي التي تعمل على سلخ المسلمين عن دينهم وصهرهم في قالب واحد يجعل من السلوكياتوالأنماط الغربية منهجًا يسيرون عليه.

     سابعًا: الانفتاح المشروط والمحدد على الثقافة الغربية، والاستفادة من إيجابياتها خاصة فيما يتعلق بالتطور العلمي والتكنولوجي والمعلوماتي، شريطة أن يكون ذلك ضمن أطر محددة.

    ثامنًا: العمل على إنشاء منظمة تربوية إسلامية عالمية تعيد برمجة المنظومة التربوية في بلاد العالم الإسلامي، بحيث تضع مناهج من شأنها أن تحافظ على هوية الأمة وأصالتها وتصونها بسياج يحميها من الذوبان وفقدان الذات.

    تاسعًا: إقامة مراكز أبحاث متطورة تستوعب أصحاب الأدمغة المهاجرة إلى جانب وضع دراسة من أجل وقف نزيف هجرة أصحاب الكفاءات التي تعاني منها البلاد الإسلامية والعمل بشكل عاجل على وقف هذا النزيف.

    عاشرًا: إنشاء هيئة عُليا تمثل وزارات الشؤون الإسلامية والأوقاف في العالم الإسلامي للتنسيق بينها ووضع دراسة البرمجة الوقف وفق خطة تمكن الأمة من الاستفادة من خيراتها الوقفية، مع وضع هذه الهيئة خطة دعوية تطال المجتمع الإسلامي بكل فئاته وشرائحه وتكون علىمدى بعيد.

    حادي عشر: العمل على إعادة ثقة المسلمين بدينهم وتأهيل الطاقات المتوافرة في كل الميادين لا سيما العنصر الشبابي، هذا العنصر البالغ الأهمية في حياة الأمة وذلك عن طريق فتح فرص أمامهم علمية وعملية.

    وإن روح الهجرة المباركة.. وما قدمه النبي  والصحابة والمسلمون الأوائل من أجل نصرة هذا الدين لهي خطوة على الطريق، فلا نصر إلا ببذل، ولا جني إلا بزرع:

     فكونوا كالصحابة أهل دنيا                           وآخرة وعبادًا وغزى 

    هذه بإيجاز بعض النقاط المحورية التي ينبغي العمل من خلالها على المجابهة هذا السقوط المرير، تاركًا للمتابعين الإسهام في الكتابة عن الأسباب والحلول، وواثقين بأن الله تعالى لن يتخلى عن هذه الأمة ما دامت على الحق، وقد صدق الحق جل وعلا ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ(غافر٥١)، ولكن لابد للنصر من أسباب﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا (الأحزاب:38).

    هذه الطريق.. فأين السالك؟

    يحيى محمد مرير

    نحن أمة الأخلاق أمة البذل والعطاء أخلاقنا عنواننا، وتاريخنا شاهدناوأحداث الهجرة المباركة حادينا على دربالجهاد والتضحية والنصرولكي تعرف الحق لابد من معرفة أهله، فطريقنا واضح، ودليلنا لائح، وداعينا قد أسمع:

     حاشاي يطويني سراب خادع                  ومعي كتاب الله يسطع في يدي

     قال يحيى بن معاذ رحمه الله: «في سعة الأخلاق كنوز الأرزاق»

     فبأخلاقنا نشرنا الدين، وغرسنا العقيدة وملكنا الأرض دهرًا، وأخرجنا الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة ... فمن لي بأخ:

    أخ مثل صفو الماء أما لقاؤه                            فبشر وأما وعده فجميل

    عبي عن الفحشاء أما لسانه                            فعف وأما طرفه فكليل

    ومن لي بأخ يقصد في مشيه، ويخفض من صوته، ويقلل من الإعجاب، ويلزم التواضع ويتركالخلاف؟ من لي بأخ في الجادة:

     راضي النفس كبير القلب، يدعو للوفاق قلبه المؤمن بالخالق مشدود الوثاق نبضه الذكر يمتد إلى السبع الطباق يقول يحيى بن سعيد رحمه الله: «من لم تهذبك رؤيته فاعلم أنه غير مهذب، ومن لم ينعشك عبيره على بعد، فاعلم أنه لا طيب فيه ولا تتكلف لشمه».

    وقال الشافعي رحمه الله: «من وعظ أخاه بفعله كان هاديًا».

    وقال حبيب بن أبي ثابت رحمه الله: «من حسن خلق الرجل أن يحدث صاحبه وهو يبتسم». 

    خير شاهد: ولنا في سلفنا وأبطالنا وقادتنا عبر التاريخ خير شاهد لأخلاقهم وعفتهم وهمتهم في الخير والإصلاح.

    ومن هؤلاء عبد الرحمن الداخل رحمه اللهوذلك عندما خرج من البحر أول قدومه الأندلس فأتوه بخمر ليشرب فقال: «إني محتاج لما يزيد عقلي، لا لما ينقصه»، وأهديت إليه جارية فقال لهم: لا حاجة لي بها، فعرفوا من ذلك قدره. فيا أخي الحبيب... لا تكن كالمنخل يرسل أطيب ما فيه ويمسك الحثالة، وكن مع الناس كالنحل يقع على أحسن الزهور وأطهر الزروع فيجتني منها ما يفيده، وما يخدم به الناسودع مساوئهم وأخطاءهم

    ولا تكن كالذباب الذي يقع على أقذر الأشياء وينشره في الناس ويؤذي بها الأحياء. ولا تشمخ وتتعال على إخوتك واخفض جناحك للمؤمنين يقول محمد الراشد: «ألا ترى أنه من شمخ برأسه إلى السقف شبه، ومن تطأطأ أظله وأكنه»؟

    أتيه على كل الأنام نزاهة                                    وأشمخ إلا للصديق تأدبا

     لهفي على طالب علم كيف يقتل أخلاقهويضيع أوقاته ويهمل قلبه، وأعز الأشياء شيئان القلب والوقت فإذا أهملت القلب وضيعت الوقت ذهبت منك الفوائد.

    أربعة يسود بها المرء الأخلاق والعلم والعفة والأمانة.

    وأخيرًا ... أخي... ها هي جادة الأخلاق تشتاق لك، فعسى أن تكون أول الركب وأملي أن تحدوه لتكون خير سالك. والله أسأل أن يوفقك ويهديك إلى ما فيه خير وصلاح..

    الهجرة المباركة في مشهدين (۲ من ۲)

    النصر الإلهي

    ما أكثر المعارك التي نصر الله فيها جنده بغير العوامل المادية التي تعول عليها الجيوش 

    عبد القادر أحمد عبد القادر

    ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(التوبة:40).

    يتحقق النصر في فكر الماديين بالأسباب التي أهمها العدة والعتاد، والإسلام يدعونا الإعداد المستطاع من القوة المادية ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ(الأنفال:٦٠) من قوة ومن رباط ولكن النصر في عقيدة المؤمنين قد تجلبه عوامل غير مرئية ولا محسوسة عوامل غير داخلة في حسابات البشر، وهذه بعض إشارات قال تعالى﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ (الأنفال:۱۲). وقال: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا(الأحزاب٢٦). وقال ﷺ: «ونصرت بالرعب مسيرة شهر» «رواه الشيخان» وقال تعالى﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ(الأنفال۱۷). وقال تعالى﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(آل عمران:10).

     

    وقال: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (البقرة: 249).

    وإن المرء ليعجب كثيرًا حين يطيل التأمل في المواقع التي تحقق فيها النصر بغير العوامل المادية التي تعول عليها الجيوش، ولعل خير مثال على ذلك ما حدث في غزوة بدر من إنزال الله المطر الذي ثبت أقدام المؤمنين وطهرهم وأذهب عنهم رجز الشيطان وتغشيتهم النعاس أمنة منه

    وكذلك ما حدث في غزوة الأحزاب من إرسال الله الريح الشديدة التي قلعت خيام المشركين وكفات قدورهم وشتتت شملهم، وكذا ما حدث في حرب المجاهدين الأفغان ضد الروس الملاحدة وما أنزل الله من آيات عظام بلغت شهرتها الآفاق، وما خبر العاشر من رمضان عنا ببعيد ويزداد عجب الإنسان حين يعلم أن عوامل النصر الباهر في المواقع كانت غاية في الضآلة بمعايير البشر.

    أدوات النصر

    ونحن بصدد الحديث عن نصرة الله لنبيه وإتمام الهجرة وقيام الدولة الإسلامية، وكلما تجددت ذكرى الهجرة نجد أنفسنا في حالة تأمل عميق للأدوات التي وظفتها يد القدرة الإلهية لتحقيق النصر للنبي وصاحبه.

    فما هذه الأدوات؟

    1-الطريق من مكة إلى المدينة، وهو مجرد من الحراسات البشرية.

     

    2 -غار ثور

    3-أدوار غير قتالية لعدد قليل من البشر: علي بن أبي طالب - أسماء بنت أبي بكر - عامر ابن فهيرة - عبد الله بن أبي بكر أم معبد، وتراجع الفارس المطارِد سراقة!!.. 

    ورغم أن النبي ﷺ قد ضرب لنا المثل في التخطيط، وفي الإعداد، وفي التنفيذ في مجال الأخذ بالأسباب منذ بايع أهل العقبة الثانية وحين سلك مسالك التمويه في الطريق إلى المدينة.. إلا إن الإيحاء الصادر من قوله تعالى﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُيعطينا دفعة إيمانية أقوى ولكن بعد أن نعد المستطاع، استجابة للأمر الإلهي ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ(الأنفال٦٠).

    ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ

    نصره بالأسباب التي أخذ بها، ونصره بما هو فوق الأسباب.. وقد سبق في المقال الأول أن أشرت إلى النعاس الذي لف عيون الفرسان الأربعين الذين استجمعت فيهم قريش همتها للقضاء على الداعية، ومن ثم الانتهاء من أمر الدعوة.. وهل فكر أحدنا يومًا ما أن النعاس من أسلحة الحرب والنصر؟

    «الغار»: ما حكاية الغار وما أسرار الكهوف من غار «حراء» إلى غار «ثور»، ومن كهف الرقيم إلى كهوف معاصرة؟!

    ما هذا الانزعاج المعاصر من الكهوف؟!. إن الجاهلية المعاصرة تريد أن تدمر جميع الكهوف والمغارات، بل تريد اقتلاع الجبال اقتلاعًا ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ﴾ (إبراهيم:46_47)، إنها تخشى أن يعود الغار فيأوي المهاجرين أو الفارين من القهر والبطش، فيتكرر ﴿إلا تنصروه فقد نصره الله ، فهل تصمد الجاهلية المعاصرة بجميع آلتها العسكرية أمام «الله» إذا أراد الله أن ينصر ساكني الكهوف؟!

    ﴿ فأنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ

    إنزال السكينة أثر المعية الله، ولا سكينة دون معية، فمن يضمن المعية لتنزل السكنية؟ أنزل الله الهدوء والاطمئنان على قلبي نبيه وصاحبه، ونزع الله الخوف ومضاعفاته من القلبين هذه السكينة هي أهم عناصر المواجهة، أنزلها على قلب إبراهيم الخليل عليه السلام حين قيدوه واقتادوه ليلقوه في النار.. وأنزلها على قلبه وهو يُلقَى في النار، ثم وهو يقطع المسافة من حافة الفرن العالي إلى القاع، فوجد نفسه وسط روضة خضراء ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ (الأنبياء:69). 

    هذه السكينة ينزلها الله على قلوب القادة ثم يفيضها على قلوب الجنود فيحدث الثبات؛ الثبات الذي يشكل الأرض الصلبة التي يقف عليها، ويتحرك منها المجاهدون، السكينة وليست الطبوغرافيا وحدها فإذا لم تنزل السكينة فإن الطبوغرافيا الصلبة تتحول إلى أرض زلقة فتتزلزل القلوب، وتزل الأقدام ويتصدع الصف ويتبعثر الجند.

    ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا

    فليس مهمًا أن نرى جند الله، لقد نزل جند الله على نبينا محمد وعلى صاحبه في رحلة الهجرة، فتحققت النصرة!

    نزل جند الله، وكانت لهم أعمال، وكانت لأعمالهم نتيجة ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: 40) صارت كلمة الله هي العليا رغم وجود ثلاثمائة وستينصنمًا تحيط بالكعبة وفوقها وفي جوفها ولكن المسألة مسألة وقت وتزول كل تلك الأصنام إن للذين كفروا في كل عصر أصنامًا أو كلمات، وفي عصرنا مثلًا كلمات العلمانية، والماركسية الحداثة، والعولمة، وبوذا، ووثنيات متعددة... كلها إلى زوال، ولكننا قوم عجلون.

     إنها إلى زوال رغم ما في أيدي الكفار من عدة وعتاد، ورغم ما بينهم من تحالفات.. سيقهر الله متى شاء ترسانات الأسلحة النووية إليكم عن التقليدية، وسيدمر الله مخازن الأسلحة البيولوجية، ومستودعات الحرب الكيميائية، وسيقهر الله فراعنة العصر بأسلحة تخطر على البال!

    سمعت في الأخبار أن جبلًا ضخمًا من الجليد بدأ يتحرك، ويزحف من القطب الجنوبي تجاه المحيط الهادي جبل في حجم جزيرة قبرص.. فهل يعلم البشر كلهم ما المهمة التي سيقوم بها هذا الجبل الجليدي المتحرك؟ وهل يمكن لقيادة الجاهلية المعاصرة أن تفعل شيئًا  لإيقاف زحف هذا الجبل الجليدي أو لإبطال مفعوله؟ ثم يتوارد هذا السؤالمن أجل مَن أنزل الله جنده؟

    ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا

    هذا القول سبق النتيجة، إنه المقدمة، فكانت النتيجة﴿فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا﴾.

    كلمة ﴿لَا تَحْزَنْ﴾ كلمة مواساة من طبيب تخصص في علاج أخطر أمراض النفس البشرية، مرض الحزن، إنه المرض الذي يقصف الأمل ويقتل التفاؤل، ويجتث جميع مباهج الحياة.. إذن كلمة ﴿لَا تَحْزَنْ﴾ معالجة لمقدمات اليأس، بل وقاية من الإحباط والاكتئاب، فإذا تواصى جند الله بـ ﴿لَا تَحْزَنْ، فاستجابوا للوصية بتناول عقاري التوكل على الله ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (المائدة:23). وتفويض الأمر إليه﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا ۖ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ(غافر: 44_45) نحن مدعوون لتداول وتبادل ﴿لَا تَحْزَنْ﴾ لوقاية ولعلاج الغارات النفسية والمعنوية التي أعلنها الطاغوت المعاصر بكافة فصائله الصهيونية والصليبية والهندوسية، نحن مدعوون لتداول وتبادل المشتقات اللفظية والمعنوية للوصية النبوية ﴿لَا تَحْزَنْ﴾ والتي منها لا تخف لا تضعف لا تتخاذل لا تتردد، لا تيأس لا تسلم لا تنزعج لا تتراجع...

     نتداول ونتبادل الوصية النبوية بشرط تنظيف القلب والعقل، أو العاطفة والفكر مما سوى الله حتى يكون الله معنا، عساه ينزل السكينة علينا ويؤيدنا بجنود لا نراها، أو قد نراها ولتحقيق معية الله لابد من تحقيق شرطين: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ (النحل: 128).

    هجرة الدعوة.. والداعية المهاجر

    عبد الله العسيري

    ss1102@hotmail.com

    كانت الهجرة ولا تزال وستبقى حدثًا عظيم الشأن عميق الأثر، في مجرى الدعوة الإسلامية، فيها وبعدها انتصر الحق وقامت دولة الإسلام وفيها تجلت آيات الله باهرات ومعجزات خالدات، ستظل معينًا لا ينضب، ودروسًا بالغة للدعاة والمربين والمسلمين اجمعين على مدار الأيام والسنين.

    وإذا كانت الكتب والمقالات والدروس والمحاضرات التي تتناول حدث الهجرة تركز على مجرياتها ووقائعها كحدث تاريخي مهم فإننا نتحدث في هذا المقال عن الهجرة والعام الهجري الجديد، كمنطلق لبداية أو محاولة التجديد في أسلوب الدعوة، عسى الله أنيفتح بها قلوب العباد وأبواب البلاد.

    وتتضح الخطوط العريضة لهذا الملمح الذي أود التركيز عليه في الحديث النبوي فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، فمنذ هجرة المصطفيﷺ وهذه الدعوة تتجدد كلما بدأت السنة الهجرية تتجدد على مختلف الأصعدة، تتجدد في الإيمان، وتتجدد في الصبر على الجاهلية وتتجدد في أخلاقيات الدعوة، وتتجدد فينوعية الدعاة.. لكن تبقى سمة التجديد الرئيسة هي البقاء على الثوابت والمنهج الصافي وذلك المعين الذي لا ينضب، وإن العمل الدعوي في بداية السنة الهجرية لابد أن يركز على إيجابيات يوضحها للناس، ويراجع سلبيات عمله، وكل ذلك يصب في مصلحة الدعوة عندما يستشعر الداعية هجرة الدعوة والهدف السامي وهو «الله ورسوله»، وبهذا الكل فإن الجزء لابد أن يتبع الكل وهو الداعية المهاجر الذي ينتمي لهذه الدعوة يجب أن يهاجر من المعاصي

    ويهاجر من الفتور ويجدد نيته لله عز وجل

    وإن المتأمل في هجرة الرسول يجد أن هناك تحولًا واضحًا وملموسًا قد حصل في الناس والجزيرة العربية بل العالم كله فبهذا نذكر أخانا الداعية حفظه الله، بأهمية التغيير واستمرار العمل، وأن يكون دائمًا يقظًا لما يحصل حوله من تغيير في المجتمع وتغيير في مؤشرات تأثير دعوته على الناس، وهذا يستلزم معايشته للناس والإحساسبمشكلاتهم والسعي إلى حلها..

     ولا ينسى الأخ الداعية حفظه الله  أندعوته ليست محصورة على فئة معينة من الناس بل كل من تصل إليه هذه الدعوة سواء عن طريق محاضرة أو نصيحة أو حتى تواصي على الخير، فكل هؤلاء معنيون بهذه الدعوة.. وحبذا البحث عن القواسم المشتركة مع الدعوات الإصلاحية الأخرى بتعزيز المساحات المتفق عليها وتوسيعها، فعندما ترى قوى الباطل تجتمع حول نفسها لدعم مصالحها، فإنه من الأولى أن تجتمع الدعوات الإصلاحية على الحق وتحدث تكتلات إصلاحية، وبهذا تنتصر الدعوة ويثاب الداعية الذي يكون الله غايته والرسول قدوته.. اللهم اجعلنا منهم.

     


 

(*) مدير دار القرآن والحديث لبنان

الرابط المختصر :