العنوان كيف تناول الإعلام الدولي الصحوة الإسلامية؟
الكاتب عبدالحق حسن
تاريخ النشر الثلاثاء 28-فبراير-1989
مشاهدات 65
نشر في العدد 906
نشر في الصفحة 31
الثلاثاء 28-فبراير-1989
• من الأولى بالهجوم الإعلامي؟ ديدات أم صاحب كتاب «آيات شيطانية»؟!!
• الإعلام الغربي متخلف عدة قرون بسبب التمسك بثوابت الفكر الصليبي ضد المد الإسلامي.
• ماذا تريد موسكو بعد المراجعة الصحيحة لتقييم قوة المد الإسلامي في دعم القضية الأفغانية؟
منذ فترة ليست بعيدة عقد في بروكسل مؤتمر أوروبي غربي لمناقشة قضية «المد الإسلامي» وشاركت فيه وفود رسمية تمثل دول السوق الأوروبية المشتركة وخبراء بارزين من مختلف المؤسسات الغربية المهتمة بمتابعة الصحوة الإسلامية، وكان وراء انعقاد هذا المؤتمر اهتمام الغرب الصليبي والشرق الشيوعي بهذه القضية التي استعصت على التقييم الدقيق والتنبؤ الصحيح لمسارها، لذا أصبحت هذا القضية -كما يجمع هؤلاء المؤتمرون- غير واضحة... فالمسؤولون والخبراء الأوروبيون ليست لديهم صورة حقيقية ومتكاملة عن «المد الإسلامي» بل لديهم مجموعة أفكار وآراء وتحليلات غامضة ومبلبلة ومشوشة ومتناقضة... نتيجة إخضاعهم القيم الروحية للتحليل العلمي وخضوعهم للوهم الإعلام والخلط الشائن لمفهوم الصحوة الإسلامية مع الإرهاب الدولي... أو ما يسمونه «الإسلام الراديكالي» الذي قدم للرأي العام العالمي في صورة خطف الطائرات وارتهان المدنيين...
حتى إذا خفت حدة هذا التيار بدأت أجهزة الإعلام الغربية والشرقية هذه تبشر بانحسار الصحوة الإسلامية وأفول نجمها -هذا الوهم- ربما يدخل ضمن الأسباب التي ورطت دولة كبرى كالاتحاد السوفيتي في أفغانستان... فافتقاد الرؤية الصحيحة والتقييم الدقيق لإمكانيات الصحوة الإسلامية التي كانت وراء الجهاد الإسلامي غابت عن واضعي خطة الغزو الروسي لأفغانستان... لذا نرى اليوم خبيرًا إعلاميًا وهو الدكتور روبرت ميركوريان مدير معهد العلاقات الدولية السوفيتي والخبير بشؤون الخليج يؤكد أن الموقف العربي الإسلامي «الصحوة الإسلامية» من الاتحاد السوفيتي فيما يتعلق بقضية أفغانستان عائد إلى خطأ في تقدير وتقييم السياسة السوفيتية وإعطائها محتوى غير محتواها الحقيقي... وإن موسكو لم تراع ولم تقيم بصورة صحيحة العامل الإسلامي وأثره على التعاون بين دول العالم الإسلامي، هذه المراجعة التكتيكية عن مواجهة المد الإسلامي جاءت بعد فشل اختبار القوة واضطرار تلك القوى الواهمة إلى تجميد أحلامها في القفز إلى المياه الدافئة إلى حين... فهل يا ترى هذا التراجع من أمام المد الإسلامي يؤذن بانحسار الصحوة الإسلامية أم بانتصارها؟ سؤال إلى الذين يبشرون بانتهاء الصحوة ومنهم كتاب عرب يغنون على طبل الصحافة الغربية.
• الإعلام الشيوعي وشن بداية الحرب :
نشرت صحيفة تركما نسكايا في حملتها ضد العقيدة الإسلامية، ومحاولة وأد المد الإسلامي في المناطق الإسلامية: «إن العقيدة الدينية الإسلامية هي القوة المظلمة التي لا تزال تفسد العقول وحياة الشعوب وتعيق النمو، وتقف كأي حاجز في طريق السعادة والنور والمعرفة... هذا وإن الطقوس الدينية لا تزال لاصقة ثابتة كما أن الديانة لم تتوقف عن كونها مادة الأفيون لدى بعض الناس»، هذا هو مفهوم الإعلام الشيوعي عن المد الإسلامي... ولن ينسى المسلمون كيف أهاجت الصحافة الشيوعية الرأي العام عندما طالب المسلمون بالحكم الذاتي لتركستان، فإذا بالجنود الشيوعيين يغيرون على المدينة ويقتلون آلاف المسلمين ويدمرون بيوتهم. إن الإعلام الشيوعي يعتبر الصوت الرسمي الناطق بلسان الحزب الحاكم... والأداة التي تشكل عقلية الشيوعيين داخل الاتحاد السوفيتي وخارجه، وينعكس بالتالي على كثير من مواقفهم التي تمس القضايا الدولية ومنها موقفهم من الصحوة أو المد الإسلامي...
ولعل صحيفة برافدا فوستوكا الناطقة بلسان الحزب الأوزباكستاني، والتي تبنت حملة التصدي للبعث الإسلامي في المناطق الإسلامية هناك وأوردت تهديدات غورباتشوف ودعوته إلى كفاح لا هوادة فيه ضد الإسلام في المناطق هناك لم تتجاوز دورها الإعلامي المرسوم في التنديد -كما عبر غورباتشوف- «بأولئك الذين يساعدون في تعزيز الآراء المتخلفة ويشتركون بأنفسهم في احتفالات دينية»... واللافت للنظر أن تشن تلك الحملات الإعلامية من مدينة طشقند وهي مدينة إسلامية.. لا تزال المعتقدات الإسلامية فيها حبيسة الصدور رغم مرور سبعين عامًا على الحكم الشيوعي هناك... وهي صحوة وليست انحسارًا بإذن الله.
وفشل المارد الماركسي في ثني ذراع الصحوة في أفغانستان وانكفأ يلعق جراحه ويتحسر على سوء التقدير والوهم اللذين نسجتهما له أقلام محرري برافدا وأزفستيا وفلاسفة وكالة تاس، بأن الحفاظ على ماركسية الشعوب الإسلامية في الاتحاد السوفيتي يكمن في توسيع المنطقة الآمنة حول الإمبراطورية الشيوعية، ووأد البحث الإسلامي وتحويل المنطقة هناك إلى منطقة حرام... وهكذا أوقعت وسائل الإعلام الحمراء الكثيرين في أوهام إمكانية انحسار الصحوة بالحديد والنار.
• الإعلام الغربي والميراث الصليبي:
وبقدر الفشل الشيوعي وتخبطه في سوء التقدير يعيش الإعلام الغربي نفس الوهم بخضوعه للفكر الكنسي والتعصب الصليبي ضد المد الإسلامي، والقوم الذين يدعون التطور والتحرر من الأفكار القديمة يعجزون في هذه المسألة بالتحديد عن تحرير أنفسهم من منطلقات الحملات الصليبية ضد الإسلام والمسلمين القوم الذي بدلوا في الثوابت الدينية لديهم وبرأوا اليهود من دم المسيح... لم يستطيعوا أن يغفروا لمحمد r قوله: إنه خاتم الأنبياء ومصدق لما بين يديه من التوراة والإنجيل.
تطور في كل شيء وانغلاق في هذه المسألة تستعصي دوافعها على التحليل سوى أنها نبوءة حتمية مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾(البقرة: 120) ففي كل عواصم الغرب الصليبي دون استثناء تأخذ الحملات الإعلامية الصليبية ضد الإسلام صورًا شتى ابتداءً من الإعلانات البسيطة التي تكتب اسم الجلالة «الله» على الأحذية وملابس النساء الداخلية وعلب الهدايا المبتذلة، أو تغليف بعض السلع بأوراق تحتوي على آيات قرآنية بل بلغ الأمر ببعض دور النشر في إيطاليا أن تطبع مصحف تزين الصلبان والصور صفحاته، وليس هناك سبب واضح لمثل هذه الأمور الصبيانية التي تديرها مؤسسات إعلامية كبرى سوى الحقد الموروث...
ولما ثار بعض المسلمين ضدها وقفت أجهزة الدولة في وجوههم واعتقلتهم ووفرت الحراسة لكي تعمل مثل هذه الدور في هدوء وأمن... فأي تواطؤ هذا ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾(الذاريات: 53) ولا تفوت أجهزة الإعلام الغربية فرصة أو مناسبة جماهيرية إلا وتزج بموضوع الصحوة الإسلامية، كالحملة التي قادتها صحيفة «لوفيغارو» لصالح اليمين المتطرف مدعية «إنه في عام 2015 سوف يهيمن الأجانب من غير الأوروبيين «المسلمين» على فرنسا ويحطمون ثقافتها ويجعلون الإسلام ديانتها السائدة أو يدخلونها في العالم الثالث ما لم يتم عمل شيء من الآن» وكثيرًا ما تجول كلودشيسون وزير خارجية فرنسا السابق وأضرابه يحذر «بأن التيار الأصولي الديني في الشرق الأوسط يمثل عائقًا أمام السلام العالمي»... كيف؟ ولمن كانت السوابق في هذا المضمار؟ ولكن إذا لم تستح فاصنع ما شئت...
إن سياسة التخويف من المد الإسلامي لم يسلم منها حتى أولئك الأبرياء من المهاجرين المسلمين وراء لقمة العيش الذين وصمتهم الصحافة الفرنسية «بالطابور الخامس» وكتبت صحيفة «لوميريديونال الفرنسية» تقول: «نعم للمهاجرين لا للإسلام» يريدون تجريدهم من عقيدتهم مقابل السماح لهم بلقمة الخبز في بلد يدعي الحرية والمساواة...
ويمضي مسلسل الاضطهاد ضدهم على طبول الحملات الإعلامية...
• بريطانيا ترصد الصحوة
وفي بريطانيا تدور معارك شرسة سرًا وعلنًا وعلى مختلف الأصعدة الإعلامية ضد المد الإسلامي... ولبريطانيا خبرة طويلة في هذا المجال حتى أصبحت قبلة رجال المخابرات الغربية والشرقية في الاستفادة من الخطط المدروسة والبرامج المعدة لإجهاض الحركات الإسلامية، نشر جون باكوري في إحدى المجلات الغربية تحذيرًا صارخًا ضد المد الإسلامي في بريطانيا... وتركيزه على بريطانيا بالتحديد لأنه في نظره «إذا سقطت إنجلترا أمام هذا الغزو فستسقط أوروبا»، ويشير إلى أنه قبل ثلاثين عامًا لم يكن في بريطانيا إلا ثلاثة مساجد أما اليوم فهناك ما يربو على خمسمئة مسجد، والمسجد في نظره كما في نظر بعض الساسة في الوطن الإسلامي وكر للتطرف والإرهاب وتكتب صحيفة «ديلي تلغراف» «إنه بينما إنجلترا تترنح في طريقها نحو السقوط فإن الإسلام يدعي أن لديه خير طريقة للحياة: لا إسراف في الشرب لا مقامرة ولا مخدرات لا فنًا إباحيًا أو أدبًا داعرًا... لا عهرًا... لا فائدة على القروض» فأي حياة يريدون؟! ولا ينسى المسلمون حملات هيئة الإذاعة البريطانية المعروفة بـ«بي. بي. سي» كلما جد جديد على الساحة الإسلامية ودورها المشبوه في التهجم على القوانين الإسلامية في السودان وتحريض الجنوبيين عليها... أو تحذيرها من إقامة دولة إسلامية في أفغانستان.
إن النظرة المتفحصة لما يقوم به الإعلام الغربي من وهم تشجيع الجهاد الأفغاني يناقضه تمامًا ما تقوم به أكثر من اثنين وعشرين منظمة تبشيرية تعمل على تنصير المجاهدين وعوائلهم، ولا يعني التنصير إعلان مسيحية المناطق التي تقع داخل عملهم التبشيري بل مجرد الحيلولة دون التزام الناس هناك بعقيدتهم... هدف تنصيري مقصود لذاته... وهكذا تتعانق المواقف الرسمية مع الثوابت الكنسية في توظيف أجهزة الإعلام الصليبية -في تشويه صورة الإسلام وتنفير العالم منه، وآخر تلك الصيحات الإعلامية كتاب سليمان رشدي «آيات شيطانية» هذا المارق الهندي المرتد الذي رهن تراثه وعقيدته لدهاقنة الإعلام الغربي، لكنه خيب الله مسعاه أساء التوقيت... فلو أن كتابه صدر منذ عقود مضت ما ثار في وجهه أحد... بيد أن شياطين الإعلام الغربي أوهموه أن المد الإسلامي يؤذن بانحسار، والإجهاز عليه أصبح ضروريًا ولن يحتج أحد في بلاد العرب فالقوم نيام نيام...
لكن الاحتجاج والثورات ولدهشة الغرب الصليبي جاءت من عواصم إسلامية غير عربية شملت الصحافة والإذاعة والتليفزيون والمنتدى والمدرسة والشارع، وكانت تلك الاحتجاجات تنطق باللغتين الإنجليزية والأوردية، تنتصر لتاريخ العرب ولغة العرب التي صمت أهلها وصمتت كل أجهزتهم الإعلامية عن رد هذا العدوان على قدسية الإسلام... وأعجب من صمت العالم العربي... صمت من نصبوا أنفسهم سدنة للعروبة وتاريخها... وراحوا يصبون جام غضبهم على الداعية ديدات وكان أولى بالهجوم سليمان رشدي لأنه في الأساس تعرض لتراث عربي -من وجهة نظر هؤلاء- ألم يتعرض لأمهات المؤمنين... وهي أعراض عربية؟ ألم يشكك في نخوة وشرف رجالات العرب ويطعن في أصولهم وأرومتهم؟ ألم يمرغ على صفحات الإعلام الغربي ماضيهم التليد؟ فأين ذهبت تلك الحمية التي هبت في وجه ديدات وهدأت في وجه رشدي؟
ألا إنها حمية الجاهلية... التي غفرت لكاهن عربي... طبع الإنجيل بلغة العرب على نسق القرآن الكريم وخدع به المسلمين في الخارج ليلبس عليهم دينهم فلا يستطيعون التمييز بين المصحف والإنجيل، ومما يجدر الالتفات إليه أن غالبية المؤسسات الإعلامية الشيوعية والصليبية تستعين بأقلام إسلامية نسبًا غربية معتقدًا لوضع دراسات وخطط لإجهاض المد الإسلامي... وهم الذين يتفاءلون في تلك الأيام ببداية انحسار الإسلام ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال: 30) ولنا عودة في استعراض الإعلام الأمريكي وموقفه الذي لا يختلف عن موقف الاتجاه الصليبي الغربي ضد الإسلام.