العنوان كيف تمكن «حزب الحرب» من الفوز بتأييد الشارع الأمريكي؟
الكاتب محمد دلبح
تاريخ النشر السبت 15-نوفمبر-2003
مشاهدات 69
نشر في العدد 1577
نشر في الصفحة 38
السبت 15-نوفمبر-2003
صناعة السياسة الخارجية في قبضة حفنة من الناس.. فعندما يقرر الرئيس وحاشيته من كبار المستشارين الذهاب إلى الحرب فإنهم يذهبون إليها ببساطة
باختصار فإن الرئيس الأمريكي باستطاعته أن يكون قيصرا، يقبض على سلطة الحرب والسلام بغض النظر عما هو مناقض لذلك في الدستور أو القوانين
تلعب جماعة «حزب الحرب » على وتر «الوطنية» لدفع الأمريكيين العاديين إلى تبني سياسة خارجية عدوانية بما يجعل التوق الإراقة الدماء والتدمير يتجاوز من يطلق عليهم ذوي الرقبة الحمراء
ما يجب الاعتراف به أن الحرب بالنسبة لكثير من الأشخاص والمؤسسات صفقة عالمية... وتبعا لهذا التعريف فإن كل مغامرة أجنبية تقدم فرصة رائعة للكثيرين من أجل كسب فائدة شخصية وسياسية واقتصادية
تزايد ضحايا الحرب الأمريكية على العراق يدفع إلى ارتفاع نبرة التساؤل بين الأمريكيين عن حقيقة الأسباب التي وضعتها حكومة الرئيس الأمريكي جورج بوش لشنها والتسبب في معاناتهم العميقة، الأمر الذي يجعل الكثيرين يدركون أنهم كانوا على حق في معارضتهم لتلك الحرب في بلدهم التي تمتلئ مؤسسات المحاربين القدماء فيها بالإصابات الدائمة، فيما ضحايا الحرب الأمريكية من العراقيين يعدون بعشرات الآلاف وتزداد أعدادهم باستمرار.
ويرى الكاتب الأمريكي روبرت هيجز أن مهندسي الحرب على العراق، أصحاب نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد ونائبه بول وولفويتز الذين يقول إنهم ينامون كل ليلة بين ملاءات نظيفة يعتبرون أن الثمن المرعب يستحق التحمل، في الوقت الذي لا يتحملون فيه شخصياً شيئاً من ذلك، أما مناهضو الحرب فغالبًا ما يبدون في حالة من الذهول والحيرة.
ويتساءل هيجز: كيف يستطيع دعاة الحرب الذين يطلق عليهم في واشنطن حزب الحرب أن يدفعوا الولايات المتحدة إلى كارثة تلو أخرى؟ والجواب على هذا السؤال تقدمه بعض العناصر الأساسية: الحكومة الأوتوقراطية، واستبعاد الثقافة الجماهيرية والجهل الجماهيري، والثقة التي في غير محلها ووسائل الإعلام الجماهيري، والاستغلال السياسي لفوائد شخصية ومؤسساتية.
والحكومة الأوتوقراطية في الولايات المتحدة -كما يقول هيجز- تشير إلى حقيقة كيفية صنع السياسة الخارجية في واشنطن، فبالرغم من زخارف الإجراءات الديمقراطية للنظام السياسي الأمريكي والتوازن بين السلطات والانتخابات وما إلى ذلك، فإن صنع السياسة الخارجية يشمل فقط حفنة من الناس. فعندما يقرر الرئيس الأمريكي وحاشيته من كبار المستشارين الذهاب إلى الحرب، فإنهم يذهبون إليها ببساطة، وما من أحد يستطيع وقفهم، ولا تزيد أجهزة المخابرات والسلك الدبلوماسي والقوات المسلحة عن أن تفعل ما يقال لها. وأعضاء الكونجرس الأمريكي يرتجفون ويتحدثون بدون إخلاص وبعبارات لا تعبر بوضوح عن وجهات نظر مغايرة مصاغة بدقة لكي تضمن مشاركتهم في أي فوائد أو إنكار أي لوم مهما كانت نتائج الحرب وما من أحد لديه القدرة الفاعلة لعرقلة الرئيس، إن قلة من المسؤولين يهتمون بعمل ذلك في أي قضية حتى لو كانوا يعارضونها، ونادراً ما يعرض أي شخص القدر الأدنى من اللياقة بالاستقالة من عضوية لجنة عسكرية أو من وظيفته في الجهاز البيروقراطي وباختصار، فإن الرئيس الأمريكي الذي باستطاعته أن يكون «قيصرًا» يقبض على سلطة الحرب والسلام، وهي كلياً في يديه ومقتصرة عليه بغض النظر عما هو مناقض لذلك في الدستور أو القوانين.
والدلالة على هذا الرأي، فإن الكونجرس الأمريكي نظر في أواخر الثلاثينيات من القرن الماضي في مشروع قانون «لودلو» الذي كان يمكن أن يدخل تعديلاً على الدستور الأمريكي يتطلب موافقة في استفتاء شعبي عام قبل أن يستطيع الكونجرس إعلان الحرب، ما لم يتم غزو الأراضي الأمريكية، وقد عارض الرئيس الأمريكي آنذاك فرانكلين روزفلت بشدة مثل ذلك التعديل، وكتب إلى رئيس مجلس النواب الأمريكي في السادس من يناير ۱۹۳۸م بأن تبني التعديل «سيشل أي رئيس في إدارته لعلاقاتنا الخارجية» وقد سقط مشروع القانون بأكثرية ضئيلة هي ۲۰۹ إلى ۱۸۸ في مجلس النواب عقب ذلك وبسرعة.
وقد يضطر الرئيس الذي يدخل الولايات المتحدة في حرب إلى ألا يرشح نفسه في الانتخابات، وقد يتم رفضه -إذا ترشح- هو أو حزبه على الأقل لقيامهم بالحرب وقد حدث ذلك في أعوام ۱۹۲۰ و١۹۵۲ و١٩٦٨م، وربما في عام ۱۹۹۲م. وعلى الرغم من الاستنتاج الذي قد يتم التوصل إليه في مثل هذه المناسبات بأن «النظام قد أفلح»، وما من شيء يمكن أن يكون أبعد من الحقيقة من ذلك؛ لأنه في الوقت الذي يرفض فيه الناخبون الزعيم المسؤول عن زج الأمة في حرب بلا معنى يكون الضرر قد تحقق بالفعل ولا يمكن تعويضه. والمثال الآخر الذي يقدم في هذا المجال هو أن ودرو ويلسون قد نجح في إعادة انتخابه لولاية رئاسية ثانية في البيت الأبيض في عام ۱۹۱٦م، باعتباره المرشح الذي أبقى الولايات المتحدة خارج نطاق الحرب العالمية الأولى، ثم اتبع على الفور طريقًا معاكسًا، وبعد ذلك بأربع سنوات خرج حزبه من الرئاسة، وبعدها بوقت متأخر، قام ليندون جونسون بحملته ضد إرسال «الأولاد الأمريكيين للقيام بالعمل الذي يتعين على الأسيويين القيام به».. ثم على الفور أتبع طريقًا معاكسًا، أسفر بعد أربع سنوات عن خروج حزبه الديمقراطي من الرئاسة.
ويؤكد خبراء أمريكيون في شؤون السياسة المحلية أن الانتخابات لا تستطيع ببساطة السيطرة على أوتوقراطية الرؤساء الأمريكيين في تقرير ما إذا كانوا سيذهبون إلى الحرب أم لا، ولكن الرؤساء يقررون ذلك في سياق ثقافة جماهيرية مبرمجة ومشجعة.
وتلعب جماعة حزب الحرب على وتر «الوطنية» لدفع الأمريكيين العاديين إلى تبني سياسة خارجية عدوانية، بما يجعل التوق لإراقة الدماء والتدمير يتجاوز من يطلق عليهم «ذوي الرقبة الحمراء»، وهم فلاحو ومواطنو الجنوب. فالتعبيرات المتسمة بالثقافة العالية تظهر بشكل منتظم في افتتاحيات صحف أمريكية رئيسة مثل وول ستريت جورنال، وواشنطن بوست، وهي بوق لحزب الليكود الذي يتبنى شعار «كل الحروب في كل الأوقات»، فيما مراكز البحث والدراسات اليمينية وأبرزها «أمريكان انتربرايز إنستيتيوت »تقدم مثقفين مهرة في دق الطبول لإنزال عقوبة الموت والدمار على نطاق واسع.
والدارس للتاريخ الأمريكي لن يفاجأ بمثل هذه النزعة الثقافية العدوانية التي تنحى إلى العنف؛ لأن الأمريكيين كانوا بالطبع وعلى الدوام «شعب عنف في أرض عنف» فعندما قرر الأوروبيون البيض استيطان أمريكا الشمالية تعاهدوا على ذبح سكانها الأصليين «الهنود الحمر» وسرقة أرضهم وإذلال «العبيد الأفارقة»، بالسوط كعمال سخرة لهم لنحو قرنين ونصف القرن أوقعوا فيها ضحايا آخرين، حيث ضربوهم وقتلوهم لأتفه الذرائع، أو لمجرد الارتياح لعمل ذلك بالبنادق والسكاكين، وحتى بالأيدي المجردة، ومثل هؤلاء الناس لا يمكن اعتبارهم «شعبًا محبًا للسلام» فهم يقادون إلى الحرب بسهولة، خاصة وأن جهل الجمهور العادي يضاعف هذه النزعات التي تغذيها ثقافة جماهيرية فقد أكدت دراسات متتالية جهل معظم الأمريكيين بالشؤون العامة.
ویرى هيجز أن تعقيدات السياسة الخارجية غريبة عن الجمهور العادي مثل الجانب «المظلم من القمر»، ولكن جهلهم أعمق بكثير من ذلك، فهم لا يستطيعون توضيح أبسط العناصر في النظام السياسي الأمريكي.. إنهم لا يعرفون ما الذي يقوله الدستور الأمريكي أو يعنيه، ولا يستطيعون تحديد مندوبيهم السياسيين أو القضايا التي يقف وراءها هؤلاء الأشخاص بوضوح، ونادراً ما يعرفون أي شيء عن التاريخ، وإن ما يعتقدون أنهم يعرفونه هو في العادة غير صحيح. وأناس بهذا القدر الكثيف من الجهل لدرجة أنه ليس لديهم أي فكرة عن كيفية انخداع أسلافهم والتضحية بهم على مذبح «إله الحرب» في آخر مرة، يكون من السهل خداعهم والتضحية بهم بسهولة في المرة القادمة.
ويرى العديد من المثقفين وعلماء الاجتماع والكتاب الليبراليين في الولايات المتحدة أن تشكيل غطاء من الثلج على قمة هذا الجبل من الجهل هي رغبة واسعة الانتشار من أجل الثقة بالسلطات الحاكمة وبخاصة الرئيس الأمريكي، فإذا أبلغ الرئيس جورج بوش الشعب الأمريكي بأن العراق يشكل تهديداً خطيراً للولايات المتحدة، فالكثيرون منهم يصدقونه ويستغل الرؤساء ومساعدوهم هذه الثقة الموضوعة في غير محلها لكسب موافقة شعبية على سياسات خارجية عدوانية.
وقد دخلت وزملاء آخرون في حوارات مع إعلاميين وصحفيين أمريكيين يدبجون تقارير في صحف رئيسة أمريكية حول فقدان البيت الأبيض، ورئيسه لأي مصداقية في مزاعمهم وقد هالني أنهم مصرون على تصديق تلك المزاعم متسائلين «أيمكن للرئيس أن يكذب؟ هذا أمر لا يصدق».
ومادامت الحرب تحدث في «مكان بعيد» وفي «مكان ما» يكون على الأرجح مكاناً قلة من الأمريكيين قاموا بزيارته وأن معظمهم لا يستطيعون حتى تحديده على الخريطة، وأنه لا توجد أكياس كثيرة جداً للموتى تسلم وبداخلها أبناء وأزواج، فعندها تميل الجماهير إلى أن تجد سعادة كافية في جهلها وثقتها الساذجة بحكامها. وإن التلويح بالأعلام الأمريكية وغيرها من العروض الرمزية تجلب لهم هوية تضامنية رخيصة في حالة الولايات المتحدة.. الدولة العظمى، ولكن قلة منهم لها اتصال مباشر بالأحداث في الإمبراطورية (الجديدة). وكقضية فإن الحرب تظل غريبة عنهم.. إنها دائماً مشكلة شخص آخر.
وتلعب وسائل الإعلام والأخبار الأمريكية دورًا رئيسًا في مساعدة الحكومة الأمريكية على تسويق صناعتها للحرب. فوسائل الإعلام الأمريكية الضخمة التي تتمتع به مواقع« راسخة في النظام الراسخ» مترددة في تحدي العدوانية الخارجية للحكومة الأمريكية، وعلى المستوى العملي، فإن المراسلين الصحفيين الأمريكيين لا يريدون أن يحرموا من مزايا الوصول إلى المصادر الداخلية للمعلومات. وعلى المستوى الأعلى، فإن أصحاب مؤسسات الإعلام الأمريكية والمخرجين لا يرغبون في أن يظهروا بأنهم غير وطنيين كما يمكن للحكومة أن تصفهم إذا ضغطوا كثيراً في تغطياتهم. وبالطبع، فإن وسائل الإعلام الأمريكية الساعية إلى الربح تميل في أي حدث إلى «تفصيل» الإنتاج حسب نوع القراء والمستمعين والمشاهدين الذين ينقلون لهم الأخبار، وهكذا من بين شبكات التغذية الإعلامية في المستويات الدنيا، فإن فوكس نيوز والتي تتمسح بمسوح ما تسميه «العقلانية الهادئة»، تهدف إلى تسلية الأجلاف المتعطشين للدماء. وفي المستويات العليا هناك صحيفة نيويورك تايمز التي تعرف ما هو أفضل من الإساءة للمؤيدين الأقوياء للكيان الصهيوني.
وعلى الرغم من وجود مصادر كثيرة للأخبار والتحليلات في هذه الأيام وبخاصة على مواقع شبكة الانترنيت، وبعضها تعارض بقوة العداء الذي ليس له معنى، فإنه يتعين على الناس أن يوظفوا وقتاً أكثر وطاقة أكثر من أجل البحث عن مثل هذه البدائل، وقلة من الناس نسبيًا الذين يفعلون ذلك.
إن ما يجب الاعتراف به هو أن الحرب بالنسبة لكثير من الأشخاص والمؤسسات هي صفقة عالمية، وتبعاً لهذا التعريف، فإن كل مغامرة أجنبية تقدم فرصة رائعة للكثيرين من أجل كسب فائدة شخصية وسياسية واقتصادية. وإن ما يسمى الحرب ضد الإرهاب كانت فرصة ذهبية لكل شخص يدعي أنه يعمل في تجارة الأمن بدءًا من المتخصصين في إدارة المعلومات ومؤسسات تدريب الأمن ومصانع أجهزة المراقبة ناهيك عن كل أولئك المستأجرين الجدد في وزارة الأمن الداخلي الأمريكية ووزارة العدل التي تتولى الإشراف على أجهزة الأمن والشرطة والمخابرات الداخلية (إف بي أي).
وفي شركة أوراكل التي لها دور في خدمة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (سي أي إيه) فإن لاري إيليسون يسعى لتزويد الحكومة الأمريكية ببرامج تسمح للسلطات بتعقب كل حركة من تحركات المواطن والمقيم في الولايات المتحدة، ولكن هذه الشركة ليست هي الشركة الوحيدة في البنيان الضخم.
ويرى العديد من الخبراء أن حكومة الرئيس بوش كانت بمجملها تتخبط في سياساتها الداخلية والخارجية حتى جاءت كارثة ١١ سبتمبر التي أعطت بوش نفسه «ذريعة» من أجل «العظمة»، حيث رفعته إلى وضع ونستون تشرشل، وهو يصرخ عبر القنال الإنجليزي Bring them on كما أنها رفعت مسؤولين ووزراء في حكومة بوش إلى مستوى العباقرة وهم ليسوا كذلك، مثل وزير الأمن الداخلي توم ريدج، ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد الذي دبجت الصحافة الأمريكية الرئيسة مقالات تتغنى بعبقريته، والآن تدعو ذات الصحف إلى استقالته. أما كارل روف مستشار بوش الذي يوصف به الاستراتيجي العبقري لقيادته الحملة الانتخابية التي أوصلت بوش إلى البيت الأبيض في عام ۲۰۰۰م، فيعتمد على قيادة بوش الحربية من أجل أن يحقق فوز الجمهوريين في الانتخابات التي ستجري في نوفمبر من العام المقبل.، وبالنسبة لكل هؤلاء المرتبطين بجماعة الرئيس بوش وأصدقائهم في «المجمع الصناعي العسكري»، وغيره من صناعات الحرب والأمن فإن هذه الأيام التي تشن فيها الولايات المتحدة حروباً في العراق وأفغانستان وتهدد بضرب ومحاصرة آخرين هي أسعد أيامهم.
ولتغطية خطاياهم وإخفاقاتهم ومزاعمهم يتبنى زعماء حزب الحرب المفهوم الميكافيلي الذي يقول: «إن من الضرورة أن تكون مدعيًا ومرائيًا». لذلك تقوم الحكومة الأمريكية بالتظاهر بخفض الضرائب وزيادة الإنفاق الفدرالي على نطاق واسع وهو أسلوب يمكنها من شراء المعارضين الديمقراطيين المحتملين في الكونجرس، وزيادة العجز المالي وتقليل عبء خدمة الدين العام الناجم عن ذلك على الأجيال القادمة من دافعي الضرائب الأمريكيين، وزعماء حزب الحرب في أمريكا يقومون بذلك وهم يرفعون شعار «ليحدث من بعدي الطوفان»، الذي ستكون أمواجه العالية بعد ذلك مشكلة شخص آخر، وقد يفيق البعض ليلقوا باللوم على المذنبين الحقيقيين، ولكن بعد «خراب البصرة».