; كيف تمت خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه؟ | مجلة المجتمع

العنوان كيف تمت خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه؟

الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي

تاريخ النشر الثلاثاء 11-ديسمبر-1979

مشاهدات 153

نشر في العدد 462

نشر في الصفحة 12

الثلاثاء 11-ديسمبر-1979

لم قدّم المسلمون تنصيب الخليفة على دفن الرسول صلى الله عليه وسلم؟

المقَالة الأولى

ليس الكلام عن الخلافة الإسلامية كلامًا تاريخيًا محضًا ينظر له من زاوية كونه أحداث فترة زمنية مضت وانقضت، فأصبحت تاريخًا ليس له صلة ولا دور في الحاضر. 

وإنما ينبغي أن ينظر للخلافة على أنها فترة زمنية مضت وانقطعت وكان ينبغي أن تستمر وتتجدد سيرتها ومسيرتها كي يستظل الناس في ظلها، ويهنأوا بواقعها الفريد. 

إن البحث في الخلافة من هذه الناحيه إنما هو بحث في الواقع المعاصر ومشكلاته، وهو بحث في سبيل تحسين هذا الواقع. 

ولكي ندرك أبعاد هذا الموضوع من هذه الزاوية، ويؤتي ثماره يافعة حية نابضه، لا بد من دراسه نشأة الخلافة الإسلامية وضرورتها.. وكيف شاخت ثم سقطت...؟؟ وما هي أسباب هذا السقوط؟؟ ثم ما هي آثار السقوط؟؟؟ وما هو الطريق السليم لعودتها..؟؟

وللإجابة على هذه الأسئلة الخطيرة عقدنا هذه الحلقات، لتسليط الضوء على هذا الموضوع ومنحنياته وكشف خفاياه...

*الخلافة:

يعرف ابن خلدون الخلافة بأنها: حمل الكافة «جميع الناس» على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها.

ويعلل ذلك بأن أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسه الدين وسياسة الدنيا. 

ويعرفها الماوردي بمثل ذلك فيقول: «خلافة النبوة في حراسة الدين وسياسه الدنيا». 

ويستفاد من هذين التعريفين أن الخلافة نيابة عن الله عز وجل أو عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن هذه المنزلة تضفي على هذا المنصب أهميةً ومكانةً عالية، إذ بها يقوم الخليفة على تطبيق شرع الله عز وجل على جميع المسلمين بما يكفل مصالحهم الدنيوية والأخروية.

*وجوب الخلافة:

لما كانت الخلافة عبارة عن ولاية أمور العباد لتحقيق مصالحهم الدينية والدنيوية كانت واجبه بل من أعظم الواجبات لأن الدين لا يقوم إلا بها. 

وقد دل القرآن الكريم والسنة النبوية وإجماع الأمة على وجوبها هي مما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

  1. أما القرآن الكريم فقوله تعالى ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ (سورة النساء: 59).

 وواضح أن الطاعة الشرعية لا تحقق بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم إلا بتنصيب خليفة يقوم شؤون الشرع والعباد.

  1. وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم:« من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» وقال صلى الله عليه وسلم «لتنقض عرى الإسلام عروة عروة وأولها نقضًا الحكم وأخرها الصلاة»
  2.  وأما الإجماع، فقد أجمع فقهاء الأمة من أهل السنة على وجوبها كما هو رأي المرجئة وأكثر المعتزلة والخوارج عدا النجدات منهم ورأي الشيعة جميعًا. 

ومن أقوال أهل السنة قول ابن تيمية «يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين لا قيام للدين إلا بها».

ويقول الماوردي: وعقدها «أي الإمامة» لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع. 

ويقول ابن خلدون: «إن نصب الإمام واجب قد عرف وجوبه في الشرع بإجماع الصحابة والتابعين، واستقر ذلك إجماعًا دالًا على وجوب نصب الإمام». 

*وكان إجماع الصحابة رضوان الله عليهم على وجوب نصب خليفة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ليسوس الأمة ويقوم بمهام الرسول صلى الله عليه وسلم في رعاية مصالح العباد وحراسة الدين فاجتمعوا في سقيفة بني ساعدة لاختيار الخليفه وبعد حوار بين المهاجرين والأنصار انتهى الرأي إلى أن تكون الخلافة في قريش واختاروا لها أبا بكر الصديق رضي الله عنه، وفي اليوم التالي عرض الأمر على بقية الصحابة فوافقوا على تولية أبي بكر خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. 

وفي خطبه أبي بكر ما يشير إلى وجوب الخلافة حين قال بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وقبل مبايعته: «أيها الناس: من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت»، ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ﴾ (سورة آل عمران: 144).

إلى أن قال: «وإن محمدًا قد مضى لسبيله ولا بد لهذا الأمر من قائم يقوم به، فانظروا وهاتوا أراءكم يرحمكم الله» فناداه الناس من كل جانب: صدقت يا أبا بكر، ولكنا نصبح وننظر في هذا الأمر ونختار من تقوم به. ثم اختاروه وأجمعوا أمرهم فيه.

*وعند وفاة أبي بكر الصديق عهد بالخلافة من بعده لعمر بن الخطاب رضي الله عنه ولما قربت وفاة عمر جعل الأمر شورى بين ستة من الصحابة ووقع الاتفاق على عثمان بن عفان رضي الله عنه ومن بعده تم الاتفاق على علي كرم الله وجهه وكل ذلك يدل على أن الإمامة واجبة مستمرة على المسلمين لا تنقطع مهما كانت الظروف والملابسات، حتى إن الصحابة رضوان الله عليهم قدموا تنصيب أبا بكر خليفه على دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يدل على أهمية هذا الأمر ووجوبه.

4- إن نصب الإمام مما لا يتم الواجب إلا به: فقد تقرر أن إعداد وتجهيز الجيوش للجهاد وفي سبيل الله وإقامة الحدود وحفظ ضرورات الناس كحفظ الدين والنسل والعقل والنفس والمال مما لا يقوم به فرد أو أفراد من المسلمين وإنما تقوم به السلطة التي لها حق الطاعة فهي التي تقوم بتنفيذ هذه الواجبات كلها، وهي سلطة الخلافه التي يقوم عليها خليفه المسلمين. فكل هذه الأمور من الواجبات شرعًا ولا تتم إلا بوجود الخليفة، فوجوده واجب، إذ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. 

ويقول ابن تيمية: «إن الله أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل، وإقامة الحج والجمع والأعياد ونصر المظلوم، وإقامة الحدود لا تتم إلا بالقوة والإمارة». 

ومن هذا تبين جليًا أن نصب الإمام والخلافة أمر واجب إلا أننا نضيف أن هذا الوجوب ليس المراد منه الوجوب العيني بمعنى توجه الخطاب بوجوب نصب الإمام إلى كل واحد من المسلمين، بل هو وجوب كفائي على أهل الحل والعقد بمعنى أنه يجب عليهم تولي هذا المنصب، فإن قام به أحدهم سقط الوجوب عن الباقين فإن لم يقم أحد منهم بهذا الواجب فإن جميع أهل الحل والعقد آثمون ولا يأثم غيرهم ممن لا تتوافر فيه صفات أهل الحل والعقد، ومع ذلك فإن من لم تتوافر فيه هذه الصفات يطالب أهل الحل والعقد به.

ولذلك قال الماوردي: «فإذا ثبت وجوب الإمامة ففرضها على الكفاية كالجهاد وطلب العلم فإذا قام بها من هو أهلها سقط فرضها على الكافة، وإن لم يقم بها أحد خرج من الناس فريقان:

أحدهما: أهل الاختيار حتى يختاروا إمامًا للأمة.

والثاني: أهل الإمامة حتى ينتصب أحدهم للإمامة، وليس على من عدا هذين الفريقين من الأمة في تأخير الإمامة حرج ولا مأثم.

ويقول الإمام النووي: «تولي الإمامة فرض كفاية، فإن لم يكن من يصلح إلا واحد تعين عليه ولزمه طلبها إن لم يتبرؤه».

كيف تمت خلافة أبي بكر الصديق « ۱۳هـ- ٦٣٤م»

كان خبر انتقال الرسول إلى الرفيق الأعلى فجيعة كبرى اشتدت وطأتها على نفوس المسلمين وأصابتهم بالذهول حتى إن عمر بن الخطاب نفسه لم يصدق لأول وهلة ووقف يهدد الناقلين للخبر ويتوعدهم بقوله: «ما مات محمد ولا يموت حتى يقطع أيدي رجال وأرجلهم»، ومن ملامح صورة المسلمين التي تثير انتباه الباحث، تلك التي تنقلها لنا السيدة عائشة رضي الله عنها في وصفها لحال المسلمين فتقول: «اخرس بعضهم فما تكلم إلا بعد الغد، وخلط أخرون ولاثوا الكلام بغير بيان» ولم ينقذ هذا الموقف إلا قولة أبي بكر الصديق «من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت».

سقيفة بني ساعدة:

وقال ابن إسحاق: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم إنحاز هذا الحي من الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة واعتزل علي ابن أبي طالب والزبير وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهم في بيت فاطمة، وإنحاز بقية المهاجرين إلى أبي بكر وإنحاز معهم أسيد بن حضير في بني عبد الأشهل، فأتى إلى أبي بكر وعمر فقال: إن هذا الحي من الأنصار مع سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعده قد انحازوا إليه. فكان لكم بأمر الناس من حاجة فأدركوا الناس قبل أن يتفاقم أمرهم- ورسول الله في بيته لم يفرغ من أمره قد أغلق دونه الباب أهله- قال عمر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار حتى تنظر ما هم عليه، فانطلقا يؤمانهم، فلقيهما رجلان صالحان، عويمر بن ساعدة ومعن بن عدي فذكرا لهما ما تمالا عليه القوم وقالا: أین تریدون يا معشر المهاجرين؟ قالا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا: فلا عليكم أن لا تقربوهم يا معشر المهاجرين، اقضوا أمركم. قال عمر: والله لنأتينهم، فانطلقا حتى أتياهم في سقيفة بني ساعدة فإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل، فقال عمر: من هذا؟ قالوا: سعد بن عبادة، قال: ما له؟ قالوا وجع، قال فلما جلسنا نشهد خطيبهم فأثنى علــــــى الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منا وقد دفت دافة من قومكم فإذا هم يريدون أن يجتازونا من أصلنا ويغصبونا الأمر. قال عمر: فلما سكت أردت أن أتكلم وقد زورت مقالة قد أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر، وكنت أداري منه بعض الجهد، فقال أبو بكر: على رسلك يا عمر، فكرهت أن أغضبه، فتكلم، وهو كان أعلم مني وأبلغ فوالله ما ترك من كلمه أعجبتني من تزويري إلا قالها في بديهته أو مثلها أو أفضل حتى سكت، قال: أما ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبًا ودارًا، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم، وأخذ بيدي ويد أبي عبيدة وهو جالس بيننا، ولم أكره مما قاله غيرها. كان والله أن أقدم فتضرب عنقي- ولا يقربني ذلك إلى إثم- أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو فيهم أبو بكر، قال فقال قائل من الأنصار- الحباب بن المنذر- أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش، قال عمر: فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات حتى تخوفت الاختلاف فقلت: أبسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون والأنصار ونزونا على سعد بن عبادة فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة قلت قتل الله سعد بن عبادة. 

وعن عبدالله بن مسعود قال: كان رجوع الأنصار- يوم سقيفة بني ساعده بكلام قاله عمر قال: أنشدكم الله هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر أن يصلي بالناس؟ قالوا: اللهم نعم، قال: فأيكم تطيب نفسه أن يزيله عن مقامه الذي أقامه فيه رسول الله؟ قالوا: كلنا لا تطيب أنفسنا: نستغفر الله. 

قال ابن إسحاق حدثني الزهري قال حدثني أنس بن مالك قال: لما بويع أبا بكر في السقيفة وكان الغد جلس أبو بكر على المنبر، فقام عمر فتكلم قبل أبي بكر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: يا أيها الناس إني قد قلت لكم بالأمس مقالة- يريد قوله «ما مات محمد ولا يموت..».

ما كانت مما وجدته في كتاب الله، ولا كانت عهدًا عهده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنت أرى أن رسول الله سيدبر أمرنا، وأن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدى رسوله، فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه له، وأن الله قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول الله وثاني اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوه، فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة بعد بيعة السقيفة، ثم تكلم أأبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله ثم قال: أما بعد أيها الناس، فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة والكذب خيانة والضعيف فيكم قوي عندي حتى أربح عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى أخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله. 

وبهذه الكيفية تمت أول خلافة في الإسلام، وكانت الطريقة التي تمت بها هي الطريقة الشرعية التي رضي بها المسلمون جميعًا، ويعتبر اجتماع السقيفة أنموذجًا لاجتماع أهل الحل والعقد يتدارسون على عجل وقبل دفن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الخلافة وإدارة شؤون الدولة. ولقد أعطيت فرصة التعبير عن الرأي بكل حريه فأبدى كل رأيه بصدق وأمانه حتى انتهى الرأي إلى اختيار أحدهم وهو أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه- ولعل اجتماع السقيفة كان درسًا بليغًا لأهمية اجتماع الكلمة ومحكًا قويًا لمدى قدرة المسلمين على إنهاء وحل مشكلاتهم وكانت هذه أول مشكلة تعترض المسلمين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ونجحوا في حلها دون اللجوء إلى العنف والقوة والإكراه، ثم إن بيعة السقيفة لم تهمل بقية المسلمين من حسابها بل طرح الموضوع أمامهم وطلبت البيعة عن رضى منهم في اليوم التالي. 

وبهذا الأسلوب السليم تمت البيعة بإجماع المسلمين- فيما عدا سعد بن عبادة حتى علي بن أبي طالب والعباس رضوان الله عليهم قد بايعا أبا بكر الصديق رضي الله عنه، ورفضًا أي دسيسة لحل عقد المسلمين، فقد أخرج بن عساكر عن سويد بن عقلة رضي الله عنه قال: دخل أبو سفيان على علي والعباس رضي الله عنهم فقال: يا على وأنت يا عباس، ما بال هذا الأمر في أذل قبيلة من قريش وقلها، لئن شئت لاملأنها عليه خيلًا ورجالًا، فقال له علي: لا والله ما أريد أن تملأها عليه خيلًا ورجالًا، ولولا أنا رأينا أبا بكر لذلك أهلًا ما خلينا وإياه يا أبا سفيان إن المؤمنين قوم نصحة- جمع ناصح- بعضهم لبعض متوادون وإن بعدت ديارهم وأبدانهم، وإن المنافقين قوم غششة- جمع غشاش- بعضهم لبعض، وإنا قد بايعنا أبا بكر وكان لذلك أهلًا.

*ومجريات الأحداث تدل على أن أبا بكر الصديق لم يكن يسعى لهذا المنصب ولا يرغب فيه حتى إنه هم برد بيعة الناس فقد أخرج أبو نعيم في فضائل الصحابة وعن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: يا أيها الناس، إن كنتم ظننتم أني أخذت خلافتكم رغبة فيها أو إرادة استئثار عليكم وعلى المسلمين فلا والذي نفسي بيده ما أخذتها رغبة فيها ولا استئثارًا عليكم ولا على أحد من المسلمين، ولا حرصت عليها ليلة ولا يومًا قط، ولا سألت الله سرًا ولا علانية، ولقد تقلدت أمرًا عظيمًا لا طاقة لي به إلا أن يعين الله، ولوددت أنها إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يعدل فيها فهي إليكم رد ولا بيعة لكم عندي فادفعوا لمن أحببتم فإنما أنا رجل منكم.

وعند العشاري عن أبي الجحلف قال: لما بويع أبو بكر رضي الله عنه أغلق بابه ثلاثة أيام يخرج إليهم في كل يوم فيقول: أيها الناس، قد أقلتكم بيعتكم فبايعوا من أحببتم وكل ذلك يقوم إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فيقول: لا نقيلك ولا نستقيلك وقد قدمك رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن ذا يؤخرك؟

*ولقد كان قبول الصديق أمر الخلافة إحساسًا منه بأنه يستطيع تجنب المسلمين الفتن المرتقبة وكان في تقديره وظنه أن كثيرًا من المسلمين سيرتدوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وأنه يستطيع رد ذلك كله بعون الله وتوفيقه فكان لزامًا أن يقبل تقلد هذا الأمر، فأخرج ابن راهوية والبغوي وابن خريمة عن رافع بن أبي رافع قال: لما استخلف الناس أبا بكر رضي الله عنه قلت: صاحبي الذي أمرني أن لا أتأمر على رجلين، فارتحلت فانتهيت إلى المدينة فتعرضت لأبي بكر. أتعرفني؟ قال: نعم قلت: أتذكر شيئًا قلته لي؟ أن لا أتأمر على رجلين وقد وليت أمر الأمة، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض والناس حديث عهد بكفر، فخفت عليهم أن يرتدوا وأن يختلفوا فدخلت فيها وأنا كاره، ولم يزل بي أصحابي، فلم يزل يعتذر حتى عذرته.

الرابط المختصر :