العنوان كيف تشكلت الهيئة العليا لإعانة فلسطين؟ (*)
الكاتب محمد البشير الإبراهيمي
تاريخ النشر السبت 26-أبريل-2008
مشاهدات 64
نشر في العدد 1799
نشر في الصفحة 40
السبت 26-أبريل-2008
كلمات لها صدى
المقالة الأخيرة
- مرت قضية فلسطين بأطوار سريعة غبنت فيها العروبة والإسلام أفحش غبن ووصلت فلسطين إلى الدرجة التي يجب فيها العون على كل عربي وعلى كل مسلم
إن إعانة فلسطين فريضة مؤكدة على كل عربي وعلى كل مسلم، فمن قام به أدى ما عليه من حق لعروبته ولإسلامه، ومن لم يؤده فهو دين في ذمته لا يبرأ منه إلا بأدائه، ومن سبق فله فضيلة السبق ومن تأخر شفعت له المعاذير القائمة حتى تزول، فإذا زالت تعلق الطلب ووجب البدار.
قد قامت الأمم العربية والإسلامية بهذا الواجب، كل أمة على قدر استعدادها وعلى حسب الظروف المحيطة بها لا على حسب الشعور والوجدان، فالشعور قدر مشترك بين الجميع لا يفضل فيه عربي عربيًا ولا يفوق فيه مسلم مسلمًا لأن مرجعه إلى العروبة، والعروبة رحم موصولة، وإلى الدين، والدين عهد إلهي لا ينقض، وقد يكون الشعور عند الأمم العربية أو الإسلامية البعيدة الدار، أو التي تحول بينها وبين فلسطين الحوائل أقوى منه عند الأمم القريبة الجوار، المتصلة الأسباب الميسرة، لقاعدة يعرفها علماء النفس وهي أن «الحرمان ينكي الشعور».
والأمة الجزائرية العربية المسلمة من هذا القبيل، فهي بعيدة الدار أسيرة في قبضة الاستعمار، بعد عليها الآهة تتأوهها والكلمة تقولها، والبث تستريث إليه فضلًا على ما فوق ذلك، ولكن الاستعمار لم يستطع أن يصل بكيده وقهره إلى مقر الإيمان بعروبة فلسطين ومستودع الشعور نحو عرب فلسطين، وهذان هما كل ما تملك الأمة الجزائرية من ذخيرة معنوية.
وإذا تأخرت الأمة الجزائرية عن إعانة فلسطين بالممكن الميسور فعذرها أنها كانت منهمكة في المطالبة بحقها في الحياة، وكانت من أجل ذلك في صراع مستمر مع الاستعمار وكانت -بتدبير الاستعمار- موزعة القوى بين أحزاب متناحرة صارفة أكثر همها إلى الفوز في الانتخابات والحظوة بكراسي النيابات،صماء عن الدعوة إلى التاخي والاتحاد، إلى أن لعب الاستعمار بجميعهم وضربهم تلك الضربة في انتخابات المجلس الجزائري الأخيرة، تلك الضربة التي لا يحمل وزرها ومسؤوليتها إلا من هيأ للحكومة أن تقدم على تلك الفضيحة، كانت هذه الجريدة «البصائر» كتبت فصولًا متتابعة مؤثرة في قضية فلسطين فشرحت فيها كثيرًا من الخفايا وكشفت عن كثير من الخبايا وقامت عن الجزائر بالحق الأدبي لفلسطين كاملًا.
وحق لهذه الصحيفة أن تفخر بأنها شاركت أخواتها العربيات في الشرق بجهد لا يقل عن جهودهن ويجهاد قلمي لا يقصر عن جهادهن، وكانت هذه الجريدة تكرر دعوة الأحزاب إلى الاتحاد في الشؤون الداخلية ومنها الانتخاب ليتخذوا من ذلك ذريعة إلى القيام بعمل جليل مشترك في إعانة فلسطين يشرف الجزائر العربية ويرفع رأسها ولكن خابت الدعوة، وكان مدير هذه الجريدة وإخوانه العلماء بذلوا من الجهد العملي في سبيل الاتحاد ما تفرضه عليهم عروبتهم ودينهم ووطنيتهم، ولكن خابت أعمالهم، وإن لم تخب أمالهم، ومرت قضية فلسطين في أطوار سريعة غبنت فيها العروبة والإسلام أفحش غبن، وظلمت أقبح ظلم، وصرح الاستعمار بشواهد الأقوال والأحوال أنه أخو الاستعمار وناصره ومقيم قواعده، ووصلت فلسطين إلى الدرجة التي يجب فيها العون على كل عربي وعلى كل مسلم وإن بعدت الدار وتكالب والاستعمار، فجددنا الدعوة إلى الاتحاد وكنا البادئين بالدعوة لا كما تزوره بعض البلاغات الحزبية، واتخذنا من قضية فلسطين وسيلة جديدة للاتحاد عسى أن يجتمع عليها ما تشتت من القلوب النافرة.
وكان للأخ الشيخ «الطيب العقبي» مساع محمودة في هذا السبيل، وكانت الأمة التي أضناها الخلاف، وكادت بسببه تكفر بالأحزاب ورجالها، مستبشرة بهذه المساعي راجية أن تكون الحوادث لقنت رجال الأحزاب درسًا قاسيًا يردهم إلى الصواب فيما دعوناهم إليه هذه المرة، ولكن رجال «حركة الانتصار للحريات الديمقراطية»، لم يكونوا ديمقراطيين، فبعد أن قبلوا الدعوة وحضر ممثلهم لا يحمل قيدًا ولا يشترط شرطًا، أفهمنا في اليوم الثاني باسم حزبه أنهم لا يرضون إلا بأن يكون كل شيء تحت رئاستهم، وأنه إذا لم يكن ذلك فلا يكون شيء.
وقد تشكلت الهيئة العليا من أربعة ثم تألفت لجنة تنفيذية بالعاصمة من رجال العلم والثقافة ورجال الأعمال والاقتصاد وشباب العمل، وبدأت الهيئة العليا بإرسال برقية تأييد لسعادة عبد الرحمن عزام باشا، الأمين العام لجامعة الدول العربية وبرقيات احتجاج واستنكار للحكومات المسؤولة.
ولو أن إغفال الحقائق يعد جناية عليها وعلى التاريخ فقط، ولا يهيئ للمبطلين أن يعلنوا باطلهم، لرضينا أن تعصب بنا هذه الجناية ولم نكتب في هذه المسألة حرفًا ولكان بحسبنا أن نقتسم الخطتين بيننا، فنعمل ويقول غيرنا إلى أن ينجلي الصباح، ولكننا جربنا فكشفت لنا التجربة عن حقيقة واقعة، وهي أننا كلما أمسكنا عن تجلية الحقائق فرارًا من المهاترات وتجنبًا للغو، وإيثارًا للنافع المفيد، لم يمسك القوالون عن إعلان باطلهم، واتخذوا من سكوتنا حجة على أنهم محقون، لذلك وعدنا بأن نكتب عن حقيقة ما تضمنه عنوان هذا المقال.
كتبنا في «البصائر» تلك الكلمات المتتالية عن فلسطين، وبينا فيها لإخواننا في الشرق العربي أن في بني عمهم أقلامًا، وقد أحدثت تلك المقالات أثرها في الشرق، وعرفوا لها قيمتها، وتناقلتها الجرائد والمجلات، وناهيك بمجلة «الرسالة»..فقد نقلت منها مقالة عن الإنجليز، وكتب إلينا طائفة من أدباء الشرق ومفكريه يثنون ويعجبون، وقد ختمت تلك المقالات ببيان حق فلسطين على العرب ونحن منهم، فبينت أن أول واجب علينا هو بذل المال، ووقفت عند هذا الحد، وربأت بنفسي أن أحتكر الدعوة والعمل، وانتظرت وقع المقال في نفوس الأمة، ولو شئت لفتحت اكتتابًا لفلسطين باسم «البصائر»، أو باسم جمعية العلماء، وفيهما -بحمد الله- الكفاية والكفاءة، ولهما -من فضل الله- الكلمة المسموعة في الأمة والثقة المتينة، والسمعة العاطرة الناقية.
ثم خرجت في جولة استطلاعية للمدارس، فبلغني -وأنا بمطارح غيبتي- أن لجنة نادي الترقي القديمة عازمة على العمل، وأنها زارت مركز جمعية العلماء سائلة عني طالبة مني المشاركة في العمل، وأنها عرضت هذا الطلب على الحزبين الجزائريين، ولما رجعت من تلك الجولة زارني -في داري- الأستاذ الشيخ الطيب العقبي وهو الروح المدبرة لتلك اللجنة، وأخبرني بأن اللجنة تتنازل -مسرورة- عن اسمها ومطبوعاتها وأعمالها، وأنها تود الانضمام إلى هيئة قوية مؤلفة من رؤساء الهيئات والأحزاب، وصارحني بأنه يشاطرني الرجاء في أن تكون قضية فلسطين مباركة كأرضها فتكون سببًا في جمع ما تشتت من أحزابنا، وأمعنا الرأي على أن ندعو الحزبين اللذين كنت تعبت في التأليف بينهما فلم أفلح، وقوى أملي في هذه المرة أن قضية فلسطين ليس فيها كراسي ولا نيابة، وغاب عني أن فيها شيئًا اسمه.. الرئاسة، وقلت: «عسى أن يصدق الفال، فتجتمع على هذا العمل الجليل، ونظهر بالمظهر الذي يشرف الإسلام والعروبة والجزائر.
والتزم الأستاذ العقبي بدعوة رئيسي الحزبين، وفعل، فأما رئيس «حزب البيان» فأجاب الدعوة واستجاب إلى الداعي، وقبل هو وأصحابه العمل مع كل أحد، لأن قضية فلسطين في نظرهم فوق الاعتبارات الحزبية، وأما «حركة الانتصار للحريات الديمقراطية»، فقد قال قائلهم عندما دعوا لأول مرة: إن فلسطين هنا في الجزائر ولا شأن لنا بفلسطين أخرى، لأن أبناء الأمة في السجون وعائلاتهم تعاني ألم الحاجة والجوع، ثم بدا لهم ما لم يكونوا يحتسبون من عقد الاجتماعات التمهيدية، بمركز جمعية العلماء وبنادي الترقي، ومن ضغط التيار الإجماعي من الأمة، وهالهم أن نكون نحن البادئين بالدعوة لأمر يجب -في مذهبهم- استغلاله للدعاية والمال، فأرسلوا رائدهم السيد أحمد مزغنة معلنا قبول الانضمام والمشاركة، وحضر الجلسة الثانية بنادي الترقي وسمع المقررات البدائية، واقترح اقتراحًا فهمنا مغزاه من أول حرف لهذه المناسبة، وهو أن يزور كاتب هذه السطور والعقبي وعباس فرحات رئيسهم الأعلى السيد الحاج مصالي، لأنه ممنوع من الهبوط إلى الجزائر، وما كانت الحيلة لتخفى علينا، ونحن أعلم الناس بمسالك القوم وأساليبهم في الدعاية لأنفسهم، ولكننا رجحنا شرف القضية على كل اعتبار وقبلنا الاقتراح «على طول الخط» فزرناه من الغد في جماعة: الكاتب والعقبي وبيوض وفرحات وصاطور والدكتور ابن خليل، ووجدنا عنده السيدين: مزغنة وبودة.
تم الاتفاق على الهيئة واسمها وأعضائها الخمسة وأعمالها وعلى البرقيات.
وكانت خلاصة ما تم في ذلك الاجتماع الذي قصصنا أخباره، أن الهيئة تتركب من خمسة: العقبي وبيوض، وعباس فرحات، ومصالي الحاج، وكاتب هذه السطور.
وأنه هيئة إخوان لا رئيس فيها ولا مرؤوس، وإنما يرأس كل جلسة من يجتمعون في مكتبه، وأن اسمها «الهيئة العليا لإعانة فلسطين»، وأن تبدأ أعمالها بإرسال برقيات باسمها إلى جهات مخصوصة منها برقية تأييد وإعلان لوصل رحم العروبة، ترسل إلى أمين الجامعة العربية عبد الرحمن عزام باشا، ومنها برقية تنديد واستنكار ترسل إلى منظمة الأمم المتحدة، وأن تشكل على الأثر لجنة تنفيذية من أعيان الأمة لا تراعي فيهم حزبية ولا غيرها من الاعتبارات الضيقة، تتولى جمع الهبات المالية باسم الهيئة.
والفصل الأول والأخير في الرواية أن «الهيئة العليا لإعانة فلسطين»، تم تكوينها وقامت على أربع دعائم قوية متينة تتمتع بالثقة التامة في الماليات، وتكونت اللجنة التنفيذية من أهل العلم والفضل والجاه من الأمة، واحتفظنا للهيئة باسمها الأصلي، وأطلقنا عليها وصف «هيئة الاتحاد».. وجعلنا شعارها الحكمة والصمت، ثم شرعنا في العمل في خواتم رمضان المبارك، فاجتمع لدينا من هبات المحسنين عدة ملايين من الفرنكات أبلغناها إلى مأمنها في فلسطين، واستلمنا الشهادة القاطعة على وصولها، ورفعنا رأس الجزائر ومحونا عنها بعض التقصير، ومازلنا جادين في عملنا الصامت لا ضوضاء ولا جلبة.
أما القوم فقد عملوا في ثلبنا وتنقصنا أضعاف ما عملوا لفلسطين، ولو كنا نعلم أنهم يعملون لفلسطين -حقيقة- للقوا منا كل إعانة وتشجيع... على أنهم لم يستغنوا عن الالتجاء إلى اسمي، حتى في هذه المرة، فقد قامت الشواهد، وقام الشهود على أنهم جمعوا المال لفلسطين هنا وفي فرنسا باسم كاتب هذه السطور، وليست هذه بأول مرة ارتكبوا فيها هذه الخطيئة.
المجتمع
ما زالت كلمات الإمام محمد البشير الإبراهيمي تلقى صداها في نفس كل غيور على الإسلام، ناهيك عن الفلسطينيين؛ لأن قضية فلسطين ليست قضية أرض ومجموعة من البشر إنما هي ثوابت أمة، وميراث نبوة، وقداسة دين، ونبراس عقيدة لن ينطفئ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وحتى يقول الشجر والحجر يا مسلم يا عبد الله إن ورائي يهوديًا تعال فاقتله، ونحن نرى كل يوم دماء زكية تراق على «أرض الإسراء» لتعلن أن المسيرة لم تقف، وأن النور الذي سرى به نبي الهدى يبسط شعاعه شيئًا فشيئًا، تمامًا كتنفس الصبح بعد ظلام دامس طال على النائمين من هذه الأمة، ليوقظها بنداء؛ حي على الإسلام... حي على الإسلام... من جديد.
[*] البصائر، العدد 41، السنة الأولى من السلسلة الثانية، 21 يونيو 1948م (بدون إمضاء)
ونشرت في آثار الإمام الإبراهيمي، الجزء الثاني صفحة 209، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى، بيروت 1997م.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل