; كيف تتخلص من القلق وتعيش مطمئنا ؟ | مجلة المجتمع

العنوان كيف تتخلص من القلق وتعيش مطمئنا ؟

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 26-مايو-2007

مشاهدات 0

نشر في العدد 1753

نشر في الصفحة 56

السبت 26-مايو-2007

من الحياة

كيف تتخلص من القلق وتعيش مطمئنا ؟

د. سمير يونس (٥)

(1) أستاذ المناهج وأساليب التربية الإسلامية المساعد.

Dr_samiryounos@hotmail.com

أصيب صديق لي بمرض عضال خطير، كان صديقي هذا من المشاهير في التربية، ومن الذين رزقوا إيمانا قويا وصبراً جميلاً، وسكينة ورضا... كنت أنظر في وجهه فأقرأ الطمأنينة والسكينة والرضا بوضوح في تبسمه، وعندما عدته في غرفته بالمستشفى حكى لي قصة مرضه وأخبرني بأن الأطباء صارحوه بمرضه، وهنالك سأل نفسه ساعتها: ما أسوأ احتمال يمكن أن يحدث؟ وأجاب: الموت. فقال في نفسه: إذن لا مفر من القبول به فجهز نفسه لاستقباله، ثم قال: من رحمة الله بي أن أتاح لي الفرصة كي أستعد للقائه تعالى، وأنا الآن بين مفرق طريقين إما أن أرضى بقضاء الله تعالى، فأعيش سعيداً فيما بقي لي من أيام في حياتي، ثم ألقى ربي برضا وإيمان، وإما أن أشقى بمرضي وأنتظر الموت في كل لحظة فأعيش قلقا تعيسا الأيام المتبقية من عمري، وفي النهاية لا مفر من ن وقوع القدر، وهنالك ألقى ربي قلقات نكدا. فأخسر سعادتي في الدنيا والآخرة، ففكرت مليا. ثم بكيت بإحساس العبد الفقير إلى سكينة ربه الضعيف المحتاج إلى عونه ومدده وشرعت أردد قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ ۗ  (الفتح:4). يقول الرجل لقد شعرت وأنا أردد هذه الآية أنني أقرؤها للمرة الأولى في حياتي، وما لبثت أن شعرت بالطمأنينة والرضا والسكينة. فنسيت همومي ومرضي، وعشت مع خالقي عيش الرضا، فهو الذي يذهب عني الهم والحزن.

لقد عاش صديقي هذا . بعد مرض أحد عشر عاما مفعمة بالإيمان والسعادة، ثم توفاه الله بسبب آخر غير هذا المرض الذي أصابه !! ثم شاء الله تعالى لي أن أقرأ بعد ذلك كتاب دع القلق وابدأ الحياة المؤلفه الأمريكي المشهور، ديل كارنيجي. فطالعت فيه أحداثاً عجيبة ساقها المؤلف من سيرته الذاتية في الحياة، وهذه الأحداث تؤكد ما شاهدته بعيني لدى صديقي الذي حكيت قصته آنفا. لقد حكى ديل كارنيجي عن نفسه عندما أصيب بمرض أدى به إلى قرحة المعدة، ووصف له الأطباء دواء والزموه باستخدامه، وأكدوا له أن حالته ميؤوس منها، فسأل نفسه سؤالا صادقا ما أسوأ ما يمكن أن يحدث لي؟ وكان الجواب الموت. فحاول أن يستمتع بأيامه الباقية، وعلل لذلك بأنه إذا استمر في القلق فإن وعيد الأطباء سيتحقق ويموت لكنه ساعتها قرر أن يكون قوي الإرادة وعزم على السفر، محاولا نسيان متاعبه ومعاناته، وصار يغني ويطرب على ظهر السفينة التي ركبها في سفره يقول واصفا حالته هذه وقد منحني هدوء بالي مولدا جديداً لطاقة أنقذت حياتي ... إن لسان حال ديل كارنيجي، هنا يقول لنا إن الأدوية التي تعالج القلق إنما هي أدوية مسكنة، ومن ثم لا جدوى منها إذا لم تكن لديك ثقة بالله تعالى في أن يشفيك، وأن تكون لديك رغبة قوية في الحياة ونبذ القلق والتوتر، ومن ثم يجب التفاؤل والإقبال على الحياة بإشراق ورضا، وصدق ربنا سبحانه إذ يقول﴿إِنَّ اللَّـهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَومٍ حَتّى يُغَيِّروا ما بِأَنفُسِهِم   (الرعد:۱۱).

وإلى هذا المعنى أشار رسولنا الكريم في وصفه حال المؤمن إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ، (رواه مسلم). وقد أكد الإمام البنا . رحمه الله . ذلك في قوله إن السعادة التي ينشدها الناس جميعا إنما تفيض عليهم من نفوسهم وقلوبهم، ولا تأتيهم من خارج هذه القلوب أبدا، وإن الشقاء الذي يحيط بهم ويهربون منه إنما يصيبهم بهذه القلوب والنفوس كذلك ... ويقول الشيخ محمد الغزالي . إن تجدد الحياة ينبع قبل كل شيء من داخل النفس والرجل المقبل على الدنيا بعزيمة وبصر لا تخضعه الظروف المحيطة به مهما ساءت، ولا تصرفه وفق هواها، إنه هو الذي يستفيد منها، ويحتفظ بخصائصه أمامها، كبذور الأزهار التي تطمر تحت أكوام السبخ، ثم هي تشق طريقها إلى أعلى مستقبلة ضوء الشمس برائحتها المنعشة.. لقد حولت الحمة المسنون والماء والكدر إلى لون بهيج وعطر فواح !! ويقول أحد الحكماء: إن السعادة تأتي من داخل الإنسان إلى خارجه وليس من خارجه إلى داخله... ويقول آخر السعادة إلهية، تصدر عن راحة القلب، ونقاء النفس وطمأنينة الضمير.

إن يوسف عليه السلام، أحاطته ضغوط لا يطيقها الأبطال واستطاع أن يحول الآلام أمالا عظاما، فقد كاد له إخوته، وألقوا به في البئر في غربة وظلمة ووحشة، ثم كادت له امرأة العزيز وألقي به في غياهب السجن.. وبرغم هذا كله استطاع يوسف. عليه السلام . بعزيمته وصبره وثباته وشموخه وعزته وحسن ثقته بربه أن يحول الآلام إلى أمال، والظلمات إلى نور.. لقد استطاع بهذه القوة الداخلية وتلك الطاقة الفولاذية والعزيمة القوية أن يحول المحن إلى منح، ومن ثم لم يجد القلق إليه سبيلا... والخطورة القلق في عصرنا الراهن ازداد الاهتمام به من قبل علماء النفس والصحة النفسية والأطباء، ووضعوا للتخلص منه وصايا ونصائح، لعل من المفيد أن نعرض لأهمها فيما يلي:

• وصايا عملية للتخلص من القلق

أولا، وصايا وقائية

١- حاول تحديد أسباب القلق وتجنبها.

٢- تحرر من الخوف، فالأمور كلها بيد الله تعالى وليست بيد البشر.

٣- ثق بالله تعالى، ثم بنفسك.

٤- ابتعد عن الأحداث والمشاهد المزعجة والمخيفة والمثيرة للقلق قدر الإمكان.

٥- كن ذا إرادة قوية في التغلب على ما ينغص عليك حياتك ويسبب لك القلق.

ثانيا: وصايا علاجية دينية

1. إذا أصبت بسوء فاعلم أنه لا يوجد إنسان في الكون خال من المصائب، وحدث نفسك دائماً بأن مصيبتك أخف من مصائب الآخرين وردد قول الله تعالى﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (التوبة:51).

٢- ثق بحفظ الله لك، واعلم أن الطريق إلى ذلك هو طاعته، وكن على يقين بأن الخلق جميعا لا يملكون لك نفعا ولا ضرا إلا بإذن الله سبحانه وتعالى، متمثلا في ذلك هدي حبيبنا محمد صلي الله عليه وسلم ، فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. قال: كنت خلف النبي يوما، فقال: يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف.. (رواه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح) وفي رواية غير الترمذي: ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك.

٣-  أكثر من الدعاء وتلاوة القرآن الكريم ومطالعة قصص المبتلين الصابرين الناجين، ومن هؤلاء أيوب وإسماعيل وإدريس وذو الكفل ويونس عليهم السلام جميعاً ، قال تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ ۖ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ ۖ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ  وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا ۖ إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ (الأنبياء:83-88).

٤-  واظب على أذكار الصباح والمساء، وخاصة عند النوم باسمك اللهم وضعت جنبي وبك أرفعه، فإن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين ... فإذا جافاك النوم فردد دعاء الأرق: غارت النجوم، وهدأت العيون وأنت حي قيوم يا حي يا قيوم، اهد ليلي، وأنم عيني.

ثالثا: وصايا صحية وسلوكية

١-  سلح نفسك بمعرفة وسائل التغلب على القلق من خلال قراءتك واطلاعاتك واستشارة المتخصصين.

٢-  لا بأس أبدا ولا حرج في أن تذهب إلى الطبيب النفسي إذا شعرت باحتياجك إليه، فالأمر بسيط وليس كما يعتقده كثير من الناس في عالمنا العربي والإسلامي، إذ يعتبره كثيرون عيبا!!!

٣-  احرص قبل نومك على أداء بعض التمارين الرياضية، ثم خذ حماماً بارداً أو دافئاً قبل النوم، لأن ذلك ينشط خلايا الجسم والخلايا العصبية.

٤-  احرص دائما على أن تنام نوماً هادئاً مريحاً لتعطي جسدك حقه من الراحة.

٥-  خصص وقتاً للاسترخاء . نصف ساعة في اليوم على مرتين. تستلقي فيه على سريرك ، وتأخذ شهيقاً بعمق، وتخرجه ببطء، وحاول أن تتذكر الأحداث السعيدة والأشخاص الذين تحبهم.

٦-  راع أن يكون المكان الذي تجلس فيه أو تنام متجدد الهواء، وأن تكون ألوان الأثاثات مريحة للعين تبعث الحيوية والتفاؤل.

٧-  انتق نوعية الطعام والمشروبات، واحرص على أن تتضمن مواد تغذي حجيرات المخ، وتبعث فيك الحيوية والنشاط، ومن ذلك الأسماك والخضراوات والفاكهة والجوز واللوز والبندق والفستق والعصائر الطبيعية.

٨- قلل قدر الإمكان من الجلوس أمام التلفاز أو الحاسوب أو غير ذلك من الأجهزة الكهربائية، لأن إشعاعاتها تؤثر سلبا على صحتك.

٩-أكثر من غسل اليدين والوجه والاستحمام وخاصة عندما تشعر بصداع أو إرهاق.

١٠-  حاول أن تتناسى آلام الماضي، وكلما عاودتك أبعدها عن ذاكرتك وقل لنفسك: صحتي أهم، فإذا حاصرتك فاشغل نفسك بالتفكير في خبرات وأحداث سارة.

رابعا: وصايا علاجية ترفيهية

١-  احرص على الخروج للتنزه والاستجمام بين الحين والآخر مع أسرتك، وكذلك مع من تحب في ضوء ما شرعه الله تعالى.

٢-  مارس القراءات المسلية الترفيهية كالقصص، والنوادر، واللطائف والألغاز والفكاهات والآداب، والشعر والتاريخ... وما تحب أن تقرأه.

٣-  حدد موعدا دوريا مخصصا للزوجة، والأولاد لتناول الطعام خارج البيت، واحرص على أن تلعب معهم، وأن تشاركهم الفقرات الترفيهية.

وأخيرا.. تذكر.. كم مرة ضاقت بك السبل وانقطعت الأسباب والحبال، وأظلمت في وجهك الآفاق.. كم مرة اشتد بك المرض، وشحب اللون، وسقم الجسد .. فإذا بالظلام يتبدد، ويسطع النور والضياء، وإذا بفرج الله يحل مذهبا عنك الهم والحزن والغم والكرب، فالله در القائل

ضاقت فلما استحكمت حلقاتها

                        فرجت وكنت أظنها لا تفرج

لا تعط الدنيا أكبر من حجمها، وارض بما قدره الله لك، وخذ بالأسباب في كل حادثة تمر بك، ودع النتائج على مفرج الكروب، ومدبر

الأمر كله سبحانه.

دع الأيام تفعل ما تشاء

                           وطب نفسا إذا حكم القضاء

ولا تجزع لأحداث الليالي

                     فما لحوادث الدنيا بقاء

الهوامش

(۱) حسن البناء المرأة المسلمة.

(۲) ديل كارنيجي دع القلق وابدأ الحياة

(1) محمد الغزالي: جدد حياتك.

www.Islamonline.net (4)

 

الرابط المختصر :