العنوان كيف تتحرر تركيا من الابتزاز الصهيوني في ملف الأرمن؟
الكاتب د. عبد الله الأشعل
تاريخ النشر السبت 17-يوليو-2010
مشاهدات 74
نشر في العدد 1911
نشر في الصفحة 18
السبت 17-يوليو-2010
• تركيا الحالية ليست مسؤولة عن خطايا سابقة وإلا حاسبنا واشنطن على خطاياها في العراق وأفغانستان وحاسبنا الإستعمار الغربي كله على جرائم الماضي !
• قتل الأرمن لم يكن منهجيًا وفق خطة معينة أي لم تكن النية الإجرامية متوافرة مثلما يفعل الصهاينة بالفلسطينيين
• لماذا تتحمس برلمانات الغرب الواقعة تاريخية مختلف عليها وتتجاهل حاضرًا مظلما تصنعه إسرائيل وحاميتها واشنطن ؟!
• القضية إبتزاز سياسي يجب إفراغه من محتواه الغامض حتى تتخفف تركيا مما تظنها تركة نفسية تاريخية
لا خلاف على أن حكومة حزب العدالة والتنمية في تركيا نموذج بالدولة الحديثة التي طبقت مبادئ الأخلاق الإسلامية دون أن تتمسك بقشوره، بل إنها إلتزمت مبدأ الفعالية مثلما فعل مهاتير محمد في ماليزيا مع فوارق مهمة أبرزها ما يفرضه التاريخ والموقع الجغرافي، وعلاقات الجوار المتشابكة مع تحالفات غربية عسكرية وسياسية، وطموحات بعضوية النادي الأوروبي، وطموحات بدور إقليمي يتميز عن كل الأدوار الإقليمية الأخرى التي تضيق بها المنطقة، فيما يشار إليه عادة بالمشروع التركي: أكثر المشروعات قبولًا وترحيبًا من دول المنطقة وأكثرها نزوعا نحو السلام والتنمية.
وقد تمكنت الحكومة من مواجهة ملفات حساسة كانت تعوق حركتها الداخلية مع الجيش والعلمانيين والمحكمة العليا على أساس سيادة القانون لكل مظاهر الحياة كما تعوق حركتها الخارجية، وأخطرها التحالف الإستراتيجي مع إسرائيل والولايات المتحدة، وتدهور العلاقات التركية العربية وخاصة مع سورية، فكانت تركيا جزءًا من التحالف الغربي الموالي للكيان الصهيوني ضد العالم العربي خاصة وأن تركيا هي أول دولة إسلامية اعترفت به إسرائيل منذ قيامها: استناداً إلى علمانية تركيا وإندماجها حينذاك في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، والتحالفات السياسية الغربية ضد المعسكر الشرقي وقد نجحت حكومة حزب العدالة والتنمية في السنوات الخمس الأخيرة أن تقتحم بشجاعة كافة الملفات الساخنة والحساسة خاصة ملف الأرمن وملف الأكراد، وكادت تنجح نجاحًا نهائيًا فيهما لولا تدخل المحكمة العليا في ملف الأكراد أما ملف الأرمن، فقد أقدمت الحكومة التركية على تقارب تاريخي مع جمهورية أرمينيا التي كانت جزءًا من الإتحاد السوفييتي، وناقشت بصراحة مسألة إبادة الدولة العثمانية للأرمن خلال الحرب العالمية الأولى، وهي قضية قومية عند الأرمن بصرف النظر عن المواقف السياسية فيها، كما أنها بالغة الحساسية عند الأتراك واتفقت الدولتان على إقامة العلاقات الدبلوماسية وتطوير العلاقات الثنائية في جميع المجالات.
وبالنسبة لمأساة الأرمن تاريخيًا، فقد اتفق على أن تبحث لجنة علمية تاريخية وقائع التاريخ بالنسبة لهذه المسألة وإعادة عرضها على المستوى السياسي صحيح أن بعض أرمن المهجر لم يقتنعوا بهذا الحل وطالبوا تركيا بالإعتذار، إلا أن الحل المقترح تم مع الطرف المعني وهو جمهورية أرمينيا وبطريقة تنسجم مع موقف تركيا التي ترى أنه قتل عدد من الأرمن، ولكن بضع مئات وليس مليونًا ونصف المليون حسبما تروج أوساط أخرى كما أن القتل لم يكن منهجيًا وفق خطة معينة، أي لم تكن النية الإجرامية متوافرة.
فجريمة الإبادة الجماعية لها ركنان أولهما: معنوي؛ حيث تتوافر النية في إبادة جماعية عرقية أو دينية أو سياسية معينة وثانيهما: الركن المادي، وهو إتيان أفعال تؤدي إلى حرمان أعضاء هذه الجماعة من الحياة كلها أو من مقوماتها الأساسية، أو تجعل حياتها كالعدم سواء، مثلما يحدث الآن للفلسطينيين خاصة في غزة والقدس من جانب الإحتلال الصهيوني.
المشكلة التي تواجه تركيا وتؤثر بالفعل على حركتها الدولية، هي قيام أطراف لا علاقة لها بالقضية بإثارتها من حين الآخر، والتأكيد أن ما حدث للأرمن في الحرب العالمية الأولى كان إبادة لهم، وأن على أنقرة أن تعتذر بما يترتب على ذلك الإعتذار من تعويض عن الأضرار حدث ذلك في البرلمان الفرنسي، ثم في البرلمان الكندي عام ۲۰۰۷م، وفي لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي، وأخيرًا في البرلمان السويدي بأغلبية صوت واحد وأضم إلى المؤيدين اليسار المعارض وثلاثة من أعضاء الحزب الحاكم تكتل يمين الوسط.
موقف معلن
في كل هذه المناسبات سحبت تركيا سفيرها احتجاجاً، وكان القرار يصدر دائما بالمخالفة لموقف الحكومات المعنية في كل هذه الأحوال، وكان السفير يعود إلى عمله بعد فترة قصيرة أما في حالة مجلس النواب الأمريكي فقد طلبت تركيا من واشنطن ألا يعرض القرار على المجلس بكامل هيئته، ولكن في حالة السويد سحب السفير وألغيت زيارة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان» إلى أستوكهولم، وأعلن وزیر خارجية السويد أن القرار كان خطأ وفي حالة كندا والولايات المتحدة وفرنسا، يمكن أن نربط التحرك بقوة اللوبي الصهيوني الغاضب على تركيا خاصة بعد إذلال تركيا المتكرر للكيان الصهيوني بعد محرقة غزة، وتقاربها من إيران وسورية وحركة «حماس»، ووصولها بالعلاقات مع إسرائيل إلى الحواف الخارجية دبلوماسياً وعسكريا وأمنيًا وسياسيًا .
معنى ذلك أن إثارة موضوع الأرمن هو رسالة من الحكومة الصهيونية إلى تركيا بأنها تستطيع أن تجعل شعور تركيا بالأرمن كشعور الألمان والأوروبيين به الهولوكوست اليهودي (المحرقة) في ألمانيا أثناء الحرب العالمية الثانية خاصة وأن «إسرائيل» لها موقف معلن من مسألة الأرمن تبنيه على أساس التماثل في المأساة والإضطهاد على أساس العرق حيث يعتبر اليهود أنفسهم عرفًا وليسوا أتباع دين تمامًا كالأرمن.
كشف الحقائق
ومعلوم أن موضوع الأرمن كان أحد أسباب إصدار الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون حينذاك نقاطه الأربعة عشرة، ومن بينها حقوق الأقليات، وأن الدفاع عن حقوق الأقليات كان المدخل الغربي للتدخل ضد الدولة العثمانية الإسلامية لصالح الأرمن» الأقلية المسيحية فيها فهي مسألة سياسية تخفت وراء الإنسانية ودينية لبست ثوبًا أخلاقيًا، كما أنها جزء من تاريخ انقضى لا علاقة لتركيا الحديثة به بعد تبنيها العلمانية وانسلاخها عن ماضيها الإمبراطوري.
لكن النزعة الاستقلالية لحزب العدالة والتنمية، وظهوره كنموذج إسلامي عقلاني وإحتكاكه به إسرائيل، وتعويضه للعجز العربي جزئيًا في هذا المجال أزعج الغرب وقواه الصهيونية التي تريد أن تنال من تركيا وسياساتها بكل الطرق من بينها المسألة الأرمينية.
ولذلك، فإن سحب السفير في كل حالة لن يحل المشكلة، وإنما حلها يتم يكشف الحقائق التي أشرت إليها، بأن مسألة الأرمن تخص الدولة العثمانية، وإذا كان أردوغان يتحدث عن العثمانيين الجدد، فهذا يعني أمجاد العثمانيين وليس ما يكون قد علق بهم من خطايا، إن صحت الرواية، ثم إنها روايات تاريخية أكاديمية مختلف عليها والأهم من ذلك أن إبادة الصهاينة للفلسطينيين لاتزال مشهداً حيا، ولا تزال إبادة واشنطن للعراقيين والأفغان من المشاهد الحية أيضًا، فلماذا تتحمس برلمانات الغرب الواقعة تاريخية مختلف عليها وتتجاهل حاضرًا مظلما تصنعه إسرائيل وحاميتها واشنطن التي تتستر طبعًا على جرائمها هي الأخرى؟! أرى ألا يكترث أردوغان، لهذه السفاسف ويفهم الرسالة وهي مشاكسة صهيونية له ولكنها جهد المقل المفلس، فذلك جزء من ثمن نجاحاته خاصة وأن الإلحاح على إثارتها يرتبط دائماً بهذه النجاحات، وأن هذا الاكتراث بها سيخلق عقدة عند الأتراك تشبه عقدة الألمان من الهولوكوست الذي ضرب عليه ستار من السرية.
خط واحد
وإذا كان اللوبي الصهيوني هو الذي يسهم في إثارة قضية الأرمن وربما يحرض جماعات أرمينية على إثارتها، مثلما يفعل في قضية دارفور حتى يشكل ضغطا على تركيا كلما تعاملت مع إسرائيل بشكل حازم، فإن مواقف الحكومة في كل الدول التي أثيرت فيها القضية كانت دائما حريصة على عدم خسران تركيا مع حرصها على وضوح الرسالة إليها.
وفي كل الأحوال، فإن الحكومات الغربية يجمعها خط واحد وهو مساندة «إسرائيل حتى في جرائمها ضد الفلسطينيين وضد العرب ولكنها لأسباب مصلحية تحاول تحقيق التوازن بين الموقف الحكومي الرسمي والموقف البرلماني وقد اشتبكت إسرائيل، مع العديد من دول العالم خاصة في الغرب بسبب فظائع محرقة غزة، ودخلت في سجالات مباشرة مع الترويج والدنمارك والسويد أما في بريطانيا، فقد تعاطفت حكومتها مع «إسرائيل» ضد الملاحقة القضائية لكبار المسؤولين فيها عن المحرقة، مما دفع رئيس حزب المحافظين البريطاني إلى إستجداء أصوات اليهود بتأكيده أنه سيمنع كل الشخصيات الإسلامية المعادية له إسرائيل من دخول بريطانيا: ربما لأنه يدرك أنه لن يفوز بأصوات الأقلية الإسلامية النشطة في بريطانيا.
ابتزاز سياسي
في المشهد الآن صورة الملاحقة البرلمانية لتركيا بسبب الأرمن وهو حدث تاريخي كما أشرنا، والملاحقة القضائية للقادة والمسؤولين الصهاينة بسبب جرائم لا تزال ترتكب، وفي الحالتين، فإن الحكومات قد إتخذت جانب تركيا و«إسرائيل» هذا المشهد وهذه المقاربة تظهر الفارق الهائل بين إسرائيل التي قامت أصًلا على الإجرام والغصب وبين تركيا الحديثة التي تسعى إلى العدل والإنصاف، ولكن يتم إبتزازها بقضية الأرمن حتى تكف عن ملاحقة إسرائيل هي الأخرى ويفهم أردوغان جيدًا أن «إسرائيل» تريد أن تضع تركيا إلى جوار ألمانيا في أنهما أبادا شريحة من مواطنيهما بسبب العرق أرجو أن يدير «أردوغان» مناقشة مجتمعية ويتخفف من حساسيات تاريخية تجاوزتها طموحات حكومته وحزبه، وأن يحسم هذه القضية حتى لا تظل مجالًا خصبًا للإبتزاز الرخيص وفي ظني أنه حتى لو إضطر إلى الإعتذار عما فعله أسلافه إذا ثبتت صحته فإنه موقف شجاع يحسب له، وإذا كان مقتنعًا بغير ذلك فليكن ذلك علنيًا ونهائيًا، أو أن يعلن أنه أيا كان وجه الصحة والخطأ في الروايات التاريخية، فإن تركيا الحالية ليست مسؤولة عن خطايا سابقة، وإلا حاسبنا واشنطن على خطاياها في العراق وأفغانستان وفلسطين وحاسبنا الإستعمار الغربي كله على جرائمه في المستعمرات.
القضية منذ بدايتها مؤامرة لإنهاء الإمبراطورية العثمانية بسيف الأقليات المسيحية وإستمرار للحرب الدينية، وهي في صورتها الحديثة إبتزاز سياسي لابد من إفراغه من محتواه الغامض حتى تتخفف تركيا مما تظنها تركة نفسية تاريخية .
الهوامش:
(*) مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق للشؤون القانونية وأستاذ القانون الدولي