العنوان كيف احتوت قوى التغريب الشيخ الباقوري
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-أكتوبر-1985
مشاهدات 68
نشر في العدد 738
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 22-أكتوبر-1985
*الإمام الشهيد حسن البنا منهج واضح وسياسة ذات معالم
مراصد التغريب والغزو الفكري والثقافي لعالمنا الإسلامي لها أساليب كثيرة في احتواء الشخصيات. وفي مقالنا هذا نطرح أساليب قوى التغريب في صنع طريقة ما في التفكير لدى إحدى شخصيات مصر، وإذا كنا نطرح هذا فلا نستهدف التعرض لشخص آخر.. أما الذي نريده فهو التعرض للمواقف السياسية والسلوك الفكري لهذا النموذج من الشخصيات في عالمنا المسلم. ترى أليس من حق شعوب الأمة أن تطلع على هذا السلوك؟
من أكبر الأخطاء في تقييم الشخصيات وإبراز المحاسن ومداراة العيوب والأخطاء، ومحاولة الدفاع بالحق والباطل عن أمور عامة عن طريق التأويل، وفي الحديث عن الشيخ الباقوري تأتي القضية الأساسية التي يدور حولها محور حياته كلها هو:
كيف استطاعت مراصد التغريب والغزو الفكري احتواء شخصية إسلامية لامعة؟
هل كان من حق الشيخ الباقوري أن يترك الدعوة الإسلامية، ويلقي بنفسه في أحضان حركة الجيش؟ وماذا كان أثر ذلك على حياته العامة والخاصة؟ وكيف واجه المواقف المريرة والصعبة نتيجة هذا التصرف الذي قام به بتوجيه من ناصح مخادع كان يأتمنه أو يواليه، ولو أنه اعتصم بالقرار الذي أخذته الجماعة لأنقذ نفسه من غوائل المتاعب المرهقة التي واجهها، والتي صرعته أخيرًا وقضت عليه.
والحقيقة أن الشيخ الباقوري كان منذ مطلع حياته يتطلع إلى الزعامة والوصول إلى المنصب عن طريق لعبة السياسة الحزبية، وكانت اتصالاته بالأحزاب المختلفة خير دليل وشاهد على هذه الوجهة، ولعل أخطر ما فيها تلك الازدواجية الخطيرة بين اتصاله بالحزب السعدي «بقيادة النقراشي» وبين الإخوان المسلمين في مرحلة دقيقة، قام فيها الحزب السعدي بسحق الإخوان سحقًا وكان هو خارج اللعبة تمامًا.
وقد كان صهره الشيخ محمد عبد اللطيف دراز من زعماء الحزب السعدي ونائبًا عنهم في البرلمان، وبالرغم من أن الشيخ الباقوري كان من المبرزين في جماعة الإخوان فإنه قد «استبعد» تمامًا عن عمليات الاعتقال والمحاكمة، وبالرغم من أن الأستاذ البنا أعلن أنه «الأخ الأكبر» من بعده، حتى يمكن أن يكون دافعًا لرد العدوان عن الإخوان، فإن ذلك كله لم يعرضه لأي خطر طوال هذه المعركة الخطيرة، بل كان يرى اسمه في مقابلات رئيس الحكومة بينما كان إخوانه معتقلين وراء الأسوار في الطور والهايكستب.
ولقد كشفت مذكراته التي تنشرها مجلة «المسلمون» إلى أي مدى طحنه الضباط الأحرار، وأنزلوا به المتاعب، وعرضوه لمحن لم يكن يعرف لها دفعًا، ومن ذلك أنهم طلبوه ليشهد في محكمة الثورة ضد إخوانه، ومن كان بوصفه مرشدًا لهم، ومن ذلك أن حرضه جمال عبد الناصر ليدعم قراره بإلغاء الجنسية المصرية عن بعض الإخوان الذين هاجروا فارين من نار الظلم، كما كشفت كيف انتفع به عبد الناصر في الدعاية لنفسه ولتثبيت ملكه، وكان يقبل منه وجهة نظره على مضض، وأحيانًا يردها ويعارضها، ويجزع إذا أحس بأن الباقوري باتت له شعبية ما؛ حتى إذا اشتد ساعده تخلص منه كما تخلص من كل من نصحوه ووجهوه، وهو مازال قليل خبرة في مجال السياسة والحكم أمثال فتحي رضوان وغيره، فهو سرعان ما تخلص من هذه المجموعة وأوردها مورد النهاية. ولعل هذا الذي يكشف عنه الشيخ الباقوري من ازدراء الضباط له واحتقارهم، وسخريتهم، إلى ما لم يكتب من استغلاله في بعض المباذل، توحي بأن شخصية الشيخ الباقوري لم تكن ذات كيان حقيقي أو هدف وطني أو ديني صحيح، وأنه كان يسعى وراء الشهرة، ويتصل بكل هيئة لها بريق في سبيل غاية واحدة هي الوصول إلى المركز المرموق، ولعل صديقه الحميم والأثير الذي فتح له باب هذه الفتنة، وأورده فيها مورد الهلاك هو «مصطفى أمين» الذي كان يساهره الليالي في خلواته، وما عرف عن الشيخ من سهرات ينشد فيها من أشعار أبي نواس وغيره من الشعر المكشوف ما لا حد له.
ومنذ وقت بعيد نشر مصطفى أمين أسماء وزارة يرشحها لحكم مصر، وقد أورد فيها الباقوري وزيرًا، ولقد كانت مهمة مصطفى أمين استقطاب مثل هذه العناصر واحتوائها. وأعتقد أن القصة قد بدأت فعلًا منذ تصدر الباقوري حركة الأزهر لإعادة المراغي إلى المشيخة، وأن مراصد الاستعمار والنفوذ الغربي التي ترصد دائمًا اللامعين قد رصدته، وأعدت له الشرك الذي يقع فيه عن طريق مصطفى أمين وجماعته؛ حتى أنه قال يومًا: إنهم كانوا يعتبرونه محررًا معهم في دار أخبار اليوم. وأنهم هم الذين فتحوا له الطريق؛ ليهاجم جماعة كبار العلماء التي كان الضباط ينظرون إليها على أنها عقبة في طريقهم، ومن ثم لفت أنظارهم إليه.
ومما يرويه الذين يكتبون اليوم عن الشيخ الباقوري بعد وفاته كيف أن «فكري أباظة» عندما سمعه يخطب في حفل تكريم المراغي كتب في المصور يقول: إنه يتوقع لهذا الشيخ مستقبلًا كبيرًا، ولقد كان فكري أباظة والتابعي ومصطفى أمين من مراصد الاستعمار.
ومن ذلك اليوم أحيط الشيخ الباقوري بالحصار الذي جعله في خدمة هدف معين، وقد تخلى تمامًا فيما بعد عن كثير من المبادئ التي آمن بها إزاء اتصاله بدعوة الإخوان وخاصة: الإيمان بالإسلام دينًا ودولة ونظام مجتمع، كأن هذه القضية لم تعد ترد على لسانه أو كتاباته أبدًا.
ومن عجب أن الأستاذ أحمد حسين نعى على عبد الناصر موقفه من جريمة إعدام عبد القادر عودة وصحبه؛ بينما أيد الشيخ الباقوري ذلك وزينه له.
ولقد اهتم الكتاب المسيحيون برثاء الشيخ الباقوري من منطلق واضح، فقد كان دائمًا مدعوًا في كنائسهم وخطيبًا على منابرهم، وهو صاحب فكرة «الصلاة والسلام على أنبياء الله موسى وعيسى ومحمد».
وقد عمل عن طريق جمعية الشبان المسلمين على تهيئة الجو مع الأب قنواتي على دعم العلاقة بين الأديان الثلاثة، خلال الدعوة التي بدأها السادات، وأنشأ الباقوري وقنواتي جمعيتهم لهذا الغرض داخل جمعية الشبان المسلمين.
وقد قيل: إن الشيخ الباقوري يرجع في ولائه المسيحي إلى «الوالدة المسيحية» التي احتضنته إبان طفولته «السيدة جميانة» والبعض يرى أنها كانت والدته ولم تكن مربيته فقط.
ولم يتوقف الشيخ الباقوري عند موقفه من خصوم الإسلام، ولو كان يدعي أنه لم يكن قد عرف عذرهم، أكان عاجزًا عن اعتزال الحياة السياسية بصفة عامة، والاعتكاف على كتاب الله، ولكننا فيما نعلم كان في إبان تحديد إقامته خمس سنوات ونيف كان يبحث كما هو دائمًا عن التأويل وعن المبررات، التي تسمح بالأوضاع المنحرفة التي يعيشها المجتمع في مختلف مجالاته الاقتصادية والاجتماعية، والبحث عن نصوص أو شطائر هنا وهناك يزكي بها وجهته.
*قوى التغريب تستهدف دعم أوضاع فاسدة وانحرافات خطيرة داخل مجتمعاتنا الإسلامية.
ومن ذلك فتاواه المشهورة التي هزت الدنيا، ومنها فتوى رؤية الخطيب لخطيبته عارية، وقبول الزوج لدخول أصدقاء زوجته منزله في غيبته، وتبرير تحديد النسل، ومسألة زواج المتعة، وهناك فيما أعتقد فتاوى أخرى. وهو في ذلك يتحدث إلى الشباب في مجالين أتيح له السيطرة عليهما: جمعية الشبان المسلمين ومعهد الدراسات الإسلامية عن «الرخص» في قبول أوضاع المجتمعات المنحرفة لا في الدعوة إلى «العزائم»، وبناء الإنسان القادر على التحرر من الانحرافات، وخاصة في مجال العلاقات بين الرجل والمرأة.
أليس هو القائل: إن على مراكز تنظيم النسل أن توزع صورة جيهان السادات حتى تلد النساء أطفالًا في جمالها.
وهكذا نرى كيف احتوت قوى التغريب عالم الأزهر الذي قاد ثورة الأزهر، وصاحب الأسلوب الأنيق والصوت المدوي، كل هذا لم يكن في سبيل خدمة دين الله وأداء حقه، ولكن في سبيل دعم أوضاع فاسدة وانحرافات خطيرة.
وهكذا ظهرت طبقة من الأزهر بين النابهين أصحاب الأسلوب العصري، يخدمون العلمانية والتبعية، ويقفون وراء البريق الخادع، ولا يستخدمون أسلوبهم الجميل في خدمة الأصالة الإسلامية، والإغضاء عن مفهوم الإسلام دين ودولة ونظام حياة.
وفي الأخير نجد الشيخ الباقوري يدافع عن جمعية الإسلام والغرب التي نظمتها مؤامرة الحوار المسيحي الإسلامي ويرأس فرعها في مصر، ومن ذلك الاحتواء أنه عندما اختير الشيخ الباقوري عضوًا بمجمع اللغة العربية؛ هرع الدكتور طه حسين بنفسه «رئيس المجلس» إلى الشيخ يستمع منه، ويتحدث إليه، وكان أن قدمه في حفل قبول عضويته.
وهكذا وجدنا الشيخ بين قوسين من مصطفى أمين وطه حسين، ورأيناه ينطلق في طريق الشيخ ذي العمامة والمنصب الذي يفتي ويقرر ويقدم للمسلمين وجهة نظر قائمة على الرخص والتأويل، في وقت كان المسلمون فيه بحاجة إلى من يدافع عن شريعتهم، ويدعو إلى تطبيقها، ويعمل على إقامة المجتمع المسلم.
وعندما نرى اليوم جماعات من الشباب معجبة بالشيخ الباقوري، نرى هذا الشيخ يسلمهم إلى طه حسين، حين يعلن إهداء بحثه إليه، وتقديره لفضله، والإشادة بصديقيه الكريمين مصطفى أمين وموسى صبري. والله يعلم ما وراء هذه الصداقة.