; كومنولث الدول المستقلة.. روسيا «العائق» الذي لا بد منه | مجلة المجتمع

العنوان كومنولث الدول المستقلة.. روسيا «العائق» الذي لا بد منه

الكاتب عبدالقادر عبدالهادي

تاريخ النشر الثلاثاء 01-يونيو-1999

مشاهدات 64

نشر في العدد 1352

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 01-يونيو-1999

عمليات الناتو في البلقان نشطت اتفاقيات الدفاع المشترك بين روسيا وخمس من الدول المستقلة.. لكن خمس دول أخرى تسعى لتقوية التعاون مع الحلف

التبادل التجاري بين روسيا وباقي أعضاء الرابطة تقلص إلى 11% فقط مما يؤكد عزم هذه الدول على تقوية اقتصاداتها بعيدًا عن موسكو

 

إصلاح أي كيان أو جهاز يعتبر مشكلة عامة، ولا سيما إذا كان هذا الكيان يضم عددًا من الدول بأنظمة مختلفة وقوميات متعددة، ومن وقت لآخر يكون من الضروري على أي تجمع أو رابطة إعادة النظر في تنظيمها ومراجعة قواعد عملها وفق المعطيات الجديدة لتحافظ على أساس وجودها، ومحاولة إدخال تعديلات على بنيتها وتشكيلها؛ فالقادة العسكريون في حلف الناتو مثلًا شعروا بالقلق على مناصبهم بعد تفكك الاتحاد السوفييتي ومنظومة الدول الاشتراكية، إلا أن الناتو وجد في توسيع الحلف وضم دول جديدة الحل الأنسب لمشكلة «الجنرالات».

تجربة «رابطة الدول المستقلة- الكومنولث» التي قامت على أنقاض الاتحاد السوفييتي السابق من أحدث التجارب، وهي اليوم تواجه مصاعب كبيرة ناتجة عن السرعة في إنشائها، ومن الضروري رسم التوقعات والصور المحتملة لسير هذه الرابطة؛ لأنها تضم الملايين من المسلمين، يضم الكومنولث الدول التالية: روسيا الاتحادية، وروسيا البيضاء، وأوكرانيا، ومولدافيا، وأرمينيا، وجورجيا، وكازاخستان، وأوزبكستان، وقيرغيزستان، وتركمانيا، وطاجيكستان، وأذربيجان (الجمهوريات الست الأخيرة إسلامية).

إلى أي مدى يمكن لهذه الرابطة أن تستمر؟

للإجابة عن هذا السؤال سنقوم بعرض سيناريوهين يصوران النمو المستقبلي لرابطة الدول المستقلة «الكومنولث»، ويتعلق تحقيقهما -من حيث الجوهر- بعدد من العوامل السياسية والاقتصادية:

السيناريو الأول: وتلعب روسيا فيه الدور الرئيس، ويتمثل في تشكيل كيان متكامل تظهر فيه روسيا الاتحادية كمركز حيوي لاتخاذ القرارات يلتف حوله جميع أعضاء رابطة «الكومنولث»، وفي كل المشاهد تتابع روسيا توسيع نفوذها باستخدام ثقلها «المنهار خارج نطاق الرابطة»، ومن المحتمل أن يصل إلى السلطة رجل قوي مثل: إلكساندر ليبيد، أو يوري لوجكوف.

أما اللاعبون الآخرون لأدوار هذا السيناريو -بقية دول الرابطة- فيسعون للتنسيق الكامل مع روسيا، ويتخذون إجراءات من أجل تشكيل هيئات جديدة أو يعيدون تنظيم الهيئات التمثيلية والتنفيذية الموجودة، وتبذل روسيا كل جهدها- في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة- للمحافظة على نفوذها السياسي والعسكري، وبشكل خاص في جمهوريات آسيا الوسطى- الإسلامية، حيث تحاول موسكو نشر الذعر من حركة طالبان، والتطرف الإسلامي، وهكذا تبدو القوات الروسية وكأنها «الحامي الأمين» لحدود دول الرابطة والضامن الرئيس لأمن دولها.

ومن هنا فإن تقوية النفوذ الروسي يرتبط بتوسيع السيطرة الروسية على مناطق الصراع داخل «الكومنولث»: طاجيكستان وحدودها مع أفغانستان، وناجورنو كاراباخ في أذربيجان، أبخازيا، وحدود أرمينيا مع تركيا وإيران، أضف إلى ذلك أن روسيا لا تريد أن تخسر الامتيازات الكبيرة والأموال التي تكسبها من اتفاقيات النفط والغاز المعقودة مع جمهوريات هذه المنطقة، ولا يخفى على أحد أن بقاء الأنظمة الحاكمة في الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطي متعلق بالحماية الروسية لها، كما كان ذلك واضحًا في طاجيكستان، وهذا ما ستفعله روسيا لضمان تنفيذ البرامج المشتركة للدول الأعضاء.

وعندما يدور الحديث عن السياسة الخارجية نرى صورة عالم متعدد الأقطاب، تسعى روسيا فيه لتشكيل مركز سياسي واقتصادي جديد مكون من دول الرابطة على نمط الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي يبدو غريبًا في هذه المرحلة المحرجة التي تمر بها روسيا، إن هذا الدور لروسيا يدفع المتنافسين على كرسي الرئاسة في الكرملين للتركيز في أحاديثهم على إحياء روسيا العظمى القوية.

السيناريو الثاني: وهو قابل للتحقق في سياق التكامل الهش لدول الاتحاد السوفييتي السابق، إذا ما وحدت روسيا النخب الاقتصادية الجديدة (رجال الأعمال) وشجعت نمو رأس المال الروسي، وفي إطار هذه الإستراتيجية تتوطد رؤوس الأموال الروسية في كل الدول الاشتراكية السابقة بما فيها دول البلطيق وأوروبا الشرقية، وهكذا فإن نشاطات الكرملين تتركز في فصول هذا «السيناريو» على بناء فئات وطنية لرابطة الدول المستقلة -تابعة لموسكو- تقود الإمكانات الكبيرة سياسيًّا واقتصاديًّا، مع الأخذ بعين الاعتبار إمكان تغير صفة التكامل حسب الاتجاهات المختلفة للدول الأعضاء، وهذا ما سنراه بشكل جلي عند الحديث عن علاقة «الكومنولث» بالناتو.

وهذا «السيناريو، بطبيعة الحال يعتبر حلًّا ديمقراطيًّا ذكيًا ولبقًا لتوزيع الأدوار السياسية والاقتصادية لهذا الكيان والأماكن الملائمة لتأديتها، فتقدم كل دولة عضو الوظيفة المطلوبة منها، كما أنه يؤمن انتقال السلطة من ديمقراطي النموذج السابق إلى تابعيهم ممثلي وقادة الطبقات الوسطى الجديدة؛ الأمر الذي يرضي أصدقاء الرابطة في أوروبا وأمريكا.

في الحالة الأولى: نجد أن السياسيين الروس سيجددون العلاقات بروح التقاليد الشيوعية، أي لإبقاء السيطرة الروسية على المسار السياسي في دول الرابطة والوقوف في وجه التحالفات «الخارجية» الساعية لسحب البساط من تحت أقدام «الدب الروسي» من خلال عقد اتفاقيات اقتصادية وصفقات تجارية كبيرة مع دول الرابطة.

السيناريو الأول أقرب إلى التقاليد الروسية على مر العصور، ولكن هذا لا يعني أن الفترة الذهبية لبعض القياصرة الروس يمكن أن تتكرر في القرن الحادي والعشرين. أما الحالة الثانية: فلا تتطلب سيطرة سياسية روسية على الشكل السابق، وإنما علاقات على أساس المصالح المتبادلة بين الدول المستقلة ذات «السيادة»، وهذه الحالة ستكون الاختيار المنطقي لدول الاتحاد السوفييتي السابق على أعتاب القرن الحادي والعشرين، إذا تمتع القادة الحاليون بالإرادة والتعقل، إلا أن التضاد المعاصر بين اليمين واليسار وسياسة العناد بين قادتهما، ليس في روسيا وحدها وإنما في كل دول الرابطة، ترجح كفة الحالة الأولى.

إن السيناريوهين السابقين قابلان للتغيير على نحو مختلف للغاية إذا وصلت روسيا إلى مصير الاتحاد السوفييتي، وتفككت الفيدرالية الروسية إلى جمهوريات قومية مستقلة، ومن المشكلات الخطيرة التي تواجه «الكومنولث» القضية الجورجية- الأبخازية، فقد توجه ضربه لاستمرار وجود الرابطة ذاتها أو على الأقل يضعف من نفوذها وقدرتها في عيون المجتمع الدولي، ما لم تستطع إيجاد حلول جذرية عادلة لهذه المشكلة.

ما الذي يجري اليوم في الكومنولث؟

والاقتراح الرئيس الذي يطرح في اجتماعات ممثلي الرابطة: إلغاء النظام المعقد لمؤسسات الرابطة التي يتجاوز عددها ٦٠ مؤسسة، وإنشاء هيئة موحدة قادرة على حل كل القضايا الاقتصادية والاجتماعية، وللوهلة الأولى يبدو هذا الاقتراح جذابًا، إلا أن عواقب تنفيذه ستكون وخيمة لسببين أساسيين: لأن هذا يعني تقليص عدد العاملين في أجهزة الرابطة المتعددة إلى ٥٠٪، كما أن اللجنة التنفيذية ستتحول في حال تطبيق ذلك إلى ما يشبه اللجنة المركزية الشيوعية السابقة، وهذا ما يرفضه بشدة أعضاء «الكومنولث».

والمراقب للوضع في الرابطة يرى أن معظم الاتفاقيات التي وقعت بين دولها بقيت حبرًا على ورق؛ فمثلًا اتفاقية المنطقة التجارية الحرة وقعت قبل خمسة أعوام تقريبًا، وقبل ثلاث سنوات اتفاقية الاتحاد الجمركي لحكومات روسيا وبيلاروسيا، وقيرغيزيستان، وكازاخستان، ولم يتم تنفيذ شيء منها حتى اليوم، ولا شك في أن الاتحاد الاقتصادي للكومنولث والذي تأسس في سبتمبر ١٩٩٣م لم يفعل شيئًا لمواطنيه الذين ازدادوا فقرًا، بل إن الدول نفسها أفلست وتعيش على القروض التي يقدمها لها الغرب وصندوق النقد الدولي بشروطه القاسية.

وتنشر الصحف الروسية بين الحين والآخر معلومات عن وجود عمليات اختلاس لأموال الرابطة أثناء إدارة الملياردير اليهودي بيروزوفسكي لها؛ فاللجنة الاقتصادية مثلًا تحولت إلى منظمة مغلقة من المستحيل الحصول على معلومات عن وضعها الداخلي، ومع ذلك تسربت أنباء عن اغتناء مسؤولي هذه اللجنة وممثلي دول الرابطة فيها خلال فترة وجيزة.

واليوم وبعد إقالته من منصب السكرتير التنفيذي لرابطة الدول المستقلة يتربع اليهودي بيروزوفسكي على رأس قائمة المتهمين في عمليات تهريب الأموال إلى الخارج، وما زالت عملية استجوابه مستمرة، وكان بيروزوفسكي قد شغل سابقًا منصب نائب رئيس مجلس الأمن القومي الروسي، وهو من أغنى رجال الأعمال في روسيا، حصل على ملايين الدولارات خلال فترة قصيرة جدًّا، مستفيدًا من تجربة جورج سورس (يهودي أيضًا). وقال بيروزوفسكي الذي حاول أن يتسلم الرئاسة الفعلية للرابطة بالحصول على صلاحيات واسعة، في أحد اللقاءات الصحفية معلقًا على التكامل بين دول الرابطة: إنه تكامل رابطة الدول غير الغنية.

ويشير واقع الحال إلى أن «الكومنولث» عبارة عن دول فقيرة ومريضة، وإذا ما افترضنا قيام وحدتهم وتكاملهم فإنهم لن يستطيعوا إغناء أو معالجة بعضهم البعض، كما أن روسيا -بالنسبة لبقية الدول- ليست شريكًا اقتصاديًّا أمينًا، بقدر ما هي مصدر إضافي للنكبات المالية، وهذا ما يمنع إنشاء «منطقة اقتصادية موحدة» والأزمة الاقتصادية أثرت على التبادل التجاري بين روسيا وباقي أعضاء الرابطة إذ تقلص إلى ١١٪، وهذا ما يؤكد عزم الدول على تقوية اقتصاداتها والإشراف على سياساتها المالية بعيدًا عن موسكو، كي لا تتلقى ضربات مشابهة لتلك التي تلقتها روسيا في أغسطس ١٩٩٨م.

التعاون العسكري بين دول الرابطة

إن التناقضات السياسية والصعوبات الاقتصادية التي تواجهها دول «الكومنولث» كانت على الدوام عائقًا أمام إقامة تحالف عسكري فيما بينها، إلى أن بدأت قوات حلف الأطلسي عملياتها العسكرية في البلقان فبدأت التحركات بسرعة لإقامة تحالف قوي في وجه المتغيرات الدولية. فثبتت كل من: روسيا، وبيلاروسيا، وأرمينيا، وطاجيكستان، وكازاخستان، وقيرغيزستان عضويتها في اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة في مايو ١٩٩٢م.

وستقوم روسيا بتطوير قوى الدفاع الجوي لتلك الدول وتطبيق ما جاء في «وثيقة السياسة الروسية في المجال النووي» التي صادق عليها الرئيس يلتسين وفيها التأكيد على حق استخدام السلاح النووي في حال الاعتداء على روسيا أو على أحد حلفائها، كما ستقوم موسكو بتطوير أنظمة دفاع المضادات الجوية الموحدة للدول الموقعة على اتفاقية الدفاع المشترك، وردًّا على عمليات الناتو الجوية ضد الصرب أعلن المسؤولون الروس أنهم سيعيدون النظر بالاتفاقية الخاصة بالأسلحة التقليدية في أوروبا.

وكان الرئيسان الروسي بوريس يلتسين والبيلاروسي إليكساندر لوكاشينكو قد وقّعا اتفاقيات ووثائق تشمل نواحي الأمن والسياسة الحدودية والدفاع المشترك، وتطورت بين البلدين بشكل ملحوظ بعد بدء أزمة كوسوفا، وبدأت روسيا بتحديث الجيش البيلاروسي لأن بيلاروسيا تشكل جبهة أمامية في وجه الناتو على حدود الكومنولث الغربية. وستعمل موسكو على تحديث الصواريخ البيلاروسية وإنشاء نظام القذائف النفاث، كما أن روسيا سترفع مستوى قاعدتيها العسكريتين هناك، حيث تستطيع مراقبة المحيط الأطلسي والبحر المتوسط والصواريخ الموجهة ضد روسيا وبيلاروسيا من جهة الغرب.

وفيما يتعلق بالأحداث الدائرة في البلقان، فقد اتخذت ثلاث دول فقط موقفًا حازمًا ضد الناتو وهي: روسيا، وبيلاروسيا، وطاجيكستان، ويوجد تناقض واضح في مواقف وعلاقات بقية دول الرابطة بحلف الناتو، فقبل عامين تأسس تجمع يهدف إلى تقوية التعاون مع الأطلسي، وخاصة مع الولايات المتحدة بغض النظر عن موقف روسيا ضم أربع دول وهي: أوكرانيا، وأذربيجان، وجورجيا، ومولدافيا، ومؤخرًا انضمت إليه أوزبكستان ليصبح «تجمع الخمسة»، ومع أن مؤسسي هذا التجمع أعلنوا أكثر من مرة أن هدفهم تقوية العلاقات الاقتصادية، إلا أن الواقع يدل على وجود قضايا مبدئية تحمل الطابع السياسي، فهذه الدول تتعاون لتشكيل قوة مشتركة لحفظ السلام في المنطقة، وحماية سيادة كل دولة على أراضيها، ومحاربة الانفصال والتطرف والإرهاب والتعاون مع الناتو ضمن برنامج «التعاون من أجل السلام».

ويتجلى تعاون دول «الكومنولث» ذات الاتجاه المعارض لسياسة موسكو مع الدول الغربية، في تطوير المواصلات الحيوية في منطقة آسيا الوسطى عن طريق إعادة «طريق الحرير» التاريخي -الذي تدعمه الولايات المتحدة- إلى الوجود؛ إذ عُقد وبمبادرة من السيناتور الأمريكي سيم براونيك صاحب مشروع قانون «إستراتيجية طريق الحرير» ما يشبه المؤتمر الدولي في مجلس الشيوخ الأمريكي، حضره رؤساء دول القوقاز وآسيا الوسطى الذين أكدوا أن الدعم الأمريكي لهذا المشروع يعطيه أهمية عالمية.

وقد أكد رئيس أوزبكستان في هذا اللقاء أن الذين يقفون ضد إعادة «طريق الحرير» إنما يرفضون مشاريع تصدير ثروات الطاقة في المنطقة إلى الأسواق العالمية، وأضاف إسلام كريموف في إشارة واضحة إلى روسيا: «.. لا يزال البعض حتى الآن ينظر إلى القوفاز وآسيا الوسطى كمناطق تابعة لإمبراطوريتهم».

ومما لا شك فيه أن دول تلك المنطقة تسعى إلى تشكيل قوة سياسية واقتصادية تستطيع الوقوف في وجه المطامع الروسية في المستقبل القريب، دون أن يخرجوا من مجموعة «الكومنولث»!! وسيناقش مجلس الشيوخ الأمريكي قريبًا مشروع قانون «إستراتيجية طريق الحرير»، وتعتبره واشنطن مهمًّا لحماية المصالح القومية الأمريكية ولضمان أمن الدول المشتركة فيه، وإذا ما تمت المصادقة على هذا القانون فإن الاستثمارات الأجنبية ستتدفق على دول المنطقة.

الرابط المختصر :