; ورقة تدويل الأزمة الجزائرية توشك على الذبول | مجلة المجتمع

العنوان ورقة تدويل الأزمة الجزائرية توشك على الذبول

الكاتب المحرر السياسي

تاريخ النشر الثلاثاء 23-سبتمبر-1997

مشاهدات 5

نشر في العدد 1268

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 23-سبتمبر-1997


امريكا تحسم موقفها بعدم التدخل وأشارات فرنسية بالاستعداد لما بعد الازمة

المافيا السياسية والاقتصادية تستفيد من المجازر الجارية.. وندعو إلى جدار وطني واسع ضد العنف

في الوقت الذي أحدثت فيه تصريحات السفير الأمريكي في الجزائر رونالد نومان تطورات متسارعة لدى بعض العواصم الغربية، اعتبر محفوظ نحناح رسالة عباسي مدني الموجهة للأمين العام لهيئة الأمم المتحدة مضيعة للوقت، وجدد دعمه لتشكيل مجموعات الدفاع الذاتي عن النفس «مليشيات مسلحة» في المناطق النائية والمعزولة التي تشهد هجمات وأعمالا إرهابية متكررة، وقال في حديث لوكالة الأنباء الفرنسية مؤخرا عقب زيارة خاصة قام بها إلى فرنسا، إنه «من حق المواطن حماية نفسه»، وأنه لا يمكن للمواطنين البقاء مكتوفي الأيدي في الوقت الذي يتعرضون فيه للإبادة، وفي رده على سؤال حول هوية منفذي الأعمال الإجرامية الأخيرة قال زعيم حركة «حمس»: «لا يمكننا اتهام السلطة أو الجيش بالتساهل أو التواطؤ، غير أن «المافيا السياسية والاقتصادية تستفيد من الوضع الذي تميزه حالة اللاأمن والمجازر البربرية التي لا يمكن تبريرها»، مستدركا حديثه «إن هناك عددا من الدول كبريطانيا أو إسبانيا لم تستطع القضاء نهائيا على الإرهاب، وعليه فالرأي العام الدولي يجب أن يعرف بأن الشعب الجزائري ضحية أعمال إجرامية».

وأكد نحناح رفضه لأي تدخل خارجي أيا كان في الأزمة الجزائرية، وألح زعيم حركة مجتمع السلم على ضرورة إجراء الانتخابات المحلية المقبلة في موعدها «حتى ولو اشتعلت النار من كل الجهات» مشيرا إلى ضرورة امتلاك الجزائر «مؤسسات ديمقراطية»، وقال عن الجهات التي طالبت بتأجيل إجراء الانتخابات إلى وقت لاحق، كالتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية وجبهة القوى الاشتراكية «الحزبين البربريين»، قال: إن الذين يطالبون بتأجيل الانتخابات «يوافقون» ضمنيا الذين يتبنون العنف. وجدد دعوته إلى جدار وطني واسع يضم كل التيار السياسية لمواجهة الإرهاب، وقال: إن فكرة جدار وطني يتواجد فيه اليسار، اليمين، اللائكيون، الوطنيون والإسلاميون ومجموع الطبقة السياسية الواعية بخطورة الأزمة السياسية، هي فكرة نبعت مما وقع حديثا في إسبانيا لمواجهة الإرهاب، في إشارة إلى الحركة الباسكية، وقال إن اتفاق القوى السياسية والسلطة في مبادرة مشتركة هدفه «إفراغ العمل المسلح من غطائه السياسي والديني» وأضاف: لقد قدمنا مقترحاتنا إلى السلطة والطبقة السياسية ونأمل أن تلقى الموافقة.

تنسيق النهضة والإنقاذ

من جانب آخر نفت مصادر مسؤولة في حركة النهضة أن تكون زيارة عبد القادر حشاني وعلي جدي مبعوثي عباسي مدني إلى مناطق شرق البلاد، كانت بهدف التعبئة للمشاركة ضمن قوائم حركة النهضة التي يقودها عبد الله جاب الله، وقال دربال - مسؤول المجموعة البرلمانية لحركة النهضة - إن مبعوثي مدني كانا يهدفان من وراء الزيارة إلى تثبيط عزائم مناضلي النهضة ممن كانوا في الإنقاذ سابقا من جدوى التغيير السياسي وفشل العمل الديمقراطي دون تقديم توضيحات على مثل هذه التصريحات، وقد أكد مصدر مسؤول في حركة عبد الله جاب الله أن مسؤولي الإنقاذ رغم سنوات البلاء التي عرفتها البلاد من جراء منهجية مغالبة السلطة التي اتبعها قادة الإنقاذ في عام 1991م إلا أنهم وحتى الآن وبعد سقوط أكثر من 60 ألف ضحية لا تزال فكرة المغالبة واردة عند قادة الإنقاذ، وأضاف مؤكد أن المفرج عنهم لا يثقون في الممارسة الديمقراطية. من جهة أخرى كشف تصريح رونالد نومان - سفير الولايات المتحدة الأمريكية في الجزائر - عن رفض حكومة بلاده لمحاولة تدويل الأزمة الجزائرية. وقال: «إننا ندرك أنه من حق الشعب وحده تحديد مصير أمته المستقلة، ونحن نتمنى له كل النجاح». وقد جاءت هذه التصريحات لتؤكد حسم الإدارة الأمريكية موقفها إزاء الأزمة التي تعرفها الجزائر، بعد خمس سنوات من المواقف مترددة والدعم المشروط للجزائر، وبإعلان نومان عن مساندة حكومة بلاده لمسعى الرئيس زروال، خاصة بعد بروز نتائج المسار السياسي والاقتصادي بعودة الشرعية للمؤسسات الدولة عقب الانتخابات الرئاسية والتشريعية الماضية، تكون عدة أوساط سياسية ودبلوماسية في الداخل والخارج قد فقدت أوراقها في سياق مسعاها الهادف إلى تدويل الأزمة الجزائرية وكان آخرها محاولة توريط الأمم المتحدة في هذه العملية. وإن كان تصريح السفير الأمريكي قد حمل بصمات واضحة لتوجيهات المسؤول الأمريكي المكلف بشؤون الشرق الأوسط، مارتن أنديك، والذي استبدل مؤخراً بروبرت بليترو، فإنه بالمقابل جاء ليحمل معه نهاية دبلوماسية لصراع النفوذ الذي راود عدداً من الدول الأوروبية والتي كانت تحاول جاهدة طرح الأزمة الجزائرية للنقاش في مجلس وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي، بإيعاز من بعض القوى السياسية بالجزائر. إن فشل هذه الأوساط في استمالة الولايات المتحدة للتدخل في الشؤون الداخلية للبلاد، وتشجيع نومان الرئيس زروال لاتخاذ «إجراءات عسكرية لحماية المدنيين» يؤكدان حدود المساندة الأمريكية للرئيس زروال، وهي في الأخير تطورات تضع نهاية حقيقية لورقة التدويل التي كانت تتغذى بالمواقف المترددة لبعض الأحزاب في الداخل والعواصم الأجنبية في الخارج. وكان مسؤول جبهة القوى الاشتراكية، حسين أيت أحمد، وجه رسالة شخصية إلى الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة منذ عشرة أيام طالب فيها بإيفاد مبعوث خاص للجزائر، وكذا لجنة دولية تحقق في المجازر الأخيرة، وهي رسالة جاءت مباشرة بعد استغراب وزارة الشؤون الخارجية من تصريحات نسبت إلى كوفي عنان، يؤكد فيها أن ما يحدث في الجزائر من مجازر وحشية قد يدفعنا إلى إعادة النظر في اعتبار ما يحدث «شأناً داخلياً». وإن كانت توضيحات كوفي عنان عبر مكالمته الهاتفية مع الرئيس زروال قد أزالت بعض الغموض حول موقف الهيئة الأممية إزاء المسألة الجزائرية، فإن محاولات تدويل الأزمة لم تكن وليدة اليوم.

فتح الثغرة للتدخل الأجنبي

فبعد إلغاء المسار الانتخابي في يناير 1992م حاول بعض القوى السياسية الضغط على السلطة الصاعدة بتحركات خارجية تهدف إلى قطع الدعم الموجه لها، إلى حد المطالبة بوقف المساعدات الاقتصادية. وقد نشط في هذا الجانب مسؤولون، في جبهة الإنقاذ وكذا رئيس حزب جبهة القوى الاشتراكية حسين أيت أحمد الذي سمحت علاقاته باليسار الأوروبي في إطار الأممية الاشتراكية من إثارة مسألة تدويل الأزمة في عدة مناسبات خاصة في دورات البرلمان الأوروبي، غير أن هذه المحاولات كانت تنتهي بمواقف رسمية من حكومات العواصم الغربية، يغلب عليها طابع «الحياء»، ولم يكن تأسيس مجموعة العقد الوطني، بالعاصمة الإيطالية روما، إلا نموذجاً لتدويل الأزمة، كما بالنسبة للأممية الاشتراكية في دورتها التي عقدت في شهر نوفمبر الفائت بروما. ورغم تصاعد موجة الإرهاب الهمجي ضد المواطنين، فإنها يبدو أن محاولات التدويل التي شجعت أحزاباً ومنظمات دولية على الخروج عن صمتها والدعوة إلى تدويل الأزمة الجزائرية مرشحة إلى التوقف نهائياً، بعد رد الفعل الأمريكي الذي عبر صراحة عن مساندته للمسعى المعلن من رئيس زروال، الذي مهد لردود فعل أخرى صدرت عن الحكومة الفرنسية على لسان وزير خارجيتها والاتحاد الأوروبي.

مسؤولية العنف..

من جانب آخر أكد وزير الشؤون الخارجية الفرنسي هوبير فيدرين، عدم وجود أي إمكانية للتحرك دولياً حالياً لوضع حد للمأساة الجزائرية، وأعرب هوبير فيدرين، في ندوة صحفية عقدها بالعاصمة الإيطالية عن أن «أي تحرك دولي من الصعب تصوره حالياً، إلا في فرضية واحدة، وهي أن هذا التحرك يتمناه أو يطلبه هذا الطرف أو ذاك ممن يمثلون طرفاً أساسياً في هذه الأزمة ويأتي هذا التصريح لرئيس الدبلوماسية الفرنسية بعد أسبوع فقط من إعلان السلطات الجزائرية والطبقة السياسية عن رفضها لأي تدخل في الشؤون الداخلية. واعتبر هوبير فيدرين، في خطاب ألقاه أمام النواب الاشتراكيين الفرنسيين المجتمعين يومي 10 و11/9 بمدينة مونبولي أن: «هذا التصعيد في العنف يبدو وكأنه إجابة من الإسلاميين المعارضين لأي تسوية مع الحكومة الجزائرية». وفي هذا السياق أشار وزير الخارجية الفرنسي إلى أن «ما يجري ليس عنفاً أعمى، وإنما طريقة للتعبير عن معارضة أي بداية للحوار بين الحكومة الجزائرية وبعض الإسلاميين الشرعيين والتي أعطت ثمارها». وذهب رئيس الدبلوماسية الفرنسية إلى أبعد من ذلك حيث تحدث عن وجود «حرب وحشية»، وتشبيه أعمال العنف الجارية الآن بتلك المجازر التي نفذتها المنظمة السرية ضد المدنيين في الجزائر عام 1962م، ونظراً لحساسية العلاقات الجزائرية الفرنسية، اكتفى هوبير فيدرين بالتأكيد أمام النواب الاشتراكيين أن «مهمتنا تتمثل في تحضير ما بعد هذه الأزمة» دون أن يحدد أو يذكر طبيعة هذه التحضيرات، هذه المواقف المتناقضة والغامضة لوزير الشؤون الخارجية الفرنسي، حتى وإن جاءت كرد فعل للسلطات الفرنسية على المجازر الأخيرة المرتكبة في حق المدنيين خاصة بعد الإدانة الدولية التي أعقبتها، إلا أنها في نظر المتابعين تظهر بداية المخاض في تغيير مواقف الحكومة الفرنسية وبالتالي الخروج من قوقعة التحييد التي حاولت سلطات باريس الاختباء وراءها. نحناح:

الرابط المختصر :