; حرب البلقان: أبعاد الخطة الألمانية للسلام | مجلة المجتمع

العنوان حرب البلقان: أبعاد الخطة الألمانية للسلام

الكاتب المحرر المحلي

تاريخ النشر الثلاثاء 27-أبريل-1999

مشاهدات 2

نشر في العدد 1347

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 27-أبريل-1999

كوسوفا


  • ألمانيا تهدف من خطتها إلى دعم التميز الأوروبي أطلسيًا والتصدي لهيمنة واشنطن على الناتو.

  • أمريكا وحلفاؤها الأوروبيون يستغلون قضية كوسوفا لتكريس مكاسبهم الخاصة بعيدًا عن حق تقرير المصير.

طوال فترة الحرب الأطلسية في البلقان والمستشار الألماني جيرهارد شرودر ينتهز فرصة بعد أخرى لينفي وجود ضغوط خارجية- والمقصود أمريكية- أَمْلَتْ على حكومته قرار المشاركة في الحرب الجوية الأطلسية في البلقان، وهي أول مشاركة من هذا المستوى منذ الحرب العالمية الثانية، تجاوزت حدود المجال الجغرافي لحلف شمال الأطلسي، وتقررت دون الاستناد إلى مجلس الأمن الدولي، وواضح أن تاريخ ألمانيا في الحربين العالميتين الذي كان يُذكر باستمرار كعذر للامتناع عن المشاركة في مهام قتالية دولية من هذا القبيل، هو ما دفع شرودر إلى تعليل القرار «العسكري» مرارًا، وهنا لم يقتصر الأمر على تأكيد وجود اقتناع ذاتي دون ضغوط خارجية، بل تضمَّن تبرير ذلك الاقتناع بأنه «لم يعد يوجد مناص من استخدام القوة العسكرية دفاعًا عن القيم والحقوق الإنسانية في كوسوفا ضد الجرائم الصربية».

بون: أحمد الأديب

هذا التأكيد المتكرر ناجم عن إدراك حكومة بون لضرورة تبرير سياستها الحالية في البلقان أمام الرأي العام الألماني، وقد رصدت بطبيعة الحال أن أصداء الرأي العام الألماني على الغارات الأطلسية لم تقتصر على تأييد مواجهة ما وصلت إليه الجرائم الصربية، ولم تقف- كما في مناسبات مشابهة سابقة- عند حدود المخاوف من تيار هجرة جديدة فحسب، بل غلب على الرأي العام ووسائل الإعلام انتشار الحديث الرافض للتعليلات الأطلسية بأغراض إنسانية مزعومة، والذي يُعبِّر عن الاستياء من أن قرار القصف الأطلسي تجاوز الأمم المتحدة ووضع الاتحاد الروسي أمام أمر واقع، كما أتى في موعد يثير الشبهات المرتبطة بتطوير مهام حلف شمال الأطلسي مع مرور خمسين سنة على نشأته.

فالقصف الأطلسي بهذا المنظور يريد استخدام الحرب في البلقان وسيلة لتحقيق أغراض بعيدة المدى وخطيرة، ومن تلك الأغراض التي لم تَعُد وسائل إعلام ألمانية عديدة تتردَّد في ذكرها دون مواربة، خطر الهيمنة الأمريكية أطلسيًا على حساب التميز الأوروبي، واحتمال جر الحلفاء الأوروبيين في المستقبل إلى مغامرات عسكرية عالمية تخدم التصورات والأهداف الأمريكية، فضلًا عن تثبيت الإرادة السياسية الأمريكية على حساب الأمم المتحدة، ثم مخاطر المواجهة المستقبلية في أوروبا مع الاتحاد الرُّوسي، وفوق ذلك كله يمكن أن تصبح منطقة البلقان مصدر توتر دائم في أوروبا، يَشْغَل الأوروبيين عن تحقيق أهدافهم الرئيسة الراهنة من وحدة نقدية واقتصادية وحتى سياسية وأمنية تسمح لهم بمنافسة الأمريكيين عالميًا.

على هذه الأرضية صدرت المبادرة الألمانية تحت عنوان «الخطة السلمية».. والواقع أن الانتقادات المشار إليها تتوافق في الأصل مع الخط السياسي الذي كان ينتهجه الحزبان المؤتلفان في حكومة شرودر، من الاشتراكيين الديمقراطيين والخضر، ولم يمض على وجودهما في السلطة سوى شهور عدة، إلى ذلك الحين لم تكن تنقطع معارضتهما للسياسة الألمانية الأطلسية طوال ١٦ عامًا قضاها المسيحيون والأحرار في السلطة من قبل.. والآن لا يسهل إقناع قواعد الحزبين المشاركين في الائتلاف الحكومي بزعامة شرودر، وإقناع أنصارهما من الناخبين بالتبدل الكبير الطارئ على موقفهما، فتأتي خطة السلام كأنها تريد التعويض لاحقًا عن ذلك التبدل، فقد كانا يرفضان بشدة مشاركة الجنود الألمان في مهام دولية بمناطق النزاعات والحروب، بل وأوصلا القضية إلى المحكمة الدستورية العليا، على الرغم من أن المهام التي تحرك لها الجنود الألمان بين عام ۱۹۹۱م و ۱۹۹۸م، كانت بتكليف مجلس الأمن الدولي، ولأغراض إنسانية أو لحفظ السلام، ولم تكن قتالية، وإن انطوت على احتمال وقوع اشتباكات عسكرية غير مقصودة.

على ضوء الخلفيات المذكورة تبدو الأهداف الألمانية من خطة السلام التي عرضت باسم الاتحاد الأوروبي أبعد مدى من الأهداف الرسمية المعلنة لها، وهي وضع حد للحرب الدائرة، والعودة إلى المفاوضات حول مأساة كوسوفا، فضلًا عن إغراءات إضافية صدرت منفصلة عن الخطة في صيغة عرض بتقديم دعم أوروبي مكثف من أجل تطوير منطقة البلقان اقتصاديًا، والتمهيد لدمجها في أوروبا عمومًا.

ومع تجاوز الأسباب الحزبية والسياسية الداخلية المحضة.. لا تكمن أهمية خطة السلام الألمانية في حديثها عن هدنة مؤقتة وعن الفترة الزمنية لتلك الهدنة، فهذا قابل للمفاوضات كنقاط أخرى، ولكن الأهم منه فتح الباب أمام أمرين رئيسين من قبل أن توضع خطة السلام على طاولة المفاوضات أصلًا، وهما تنشيط دور موسكو مجددًا، الأمر الذي توافق زمنيًا وموضوعيًا مع تعيين فيكتور تشرنومردين، الأقرب إلى الغرب مبعوثًا شخصيًا للرئيس الروسي بوريس يلتسين لشؤون البلقان.. والأمر الثاني هو العودة بالقضية إلى أرضية الأمم المتحدة، التي توصف بأرضية الشرعية الدولية.. وهذا الهدف انعكس بصورة استعراضية في دعوة الأمين العام كوفي عنان إلى القمة الطارئة للاتحاد الأوروبي التي ناقشت الخطة.

ويلفت النظر علاوة على ذلك أن الحكومة الألمانية التي تتحرك بصفتها ترأس الاتحاد الأوروبي حاليًا، قد طرحت مع خطة السلام «آلية مدروسة» لبحثها، من شأنها أن تحقق الهدفين المذكورين تلقائيًا، وبالتالي فهي تضع واشنطن بصورة عملية، ودون مواجهة مباشرة، أمام الأمر الواقع، إذا أرادت الحكومة الأمريكية أن تتجنب ظهور شرخ كبير بينها وبين الحلفاء الأوروبيين، وليس مع موسكو فقط.. والآلية المقصودة هي أن بون اعتبرت المدخل إلى مناقشة خطة السلام لإقرارها على المستوى الدولي، هو اجتماع وزاري لمجموعة الثماني، أي الدول الصناعية الرئيسة الغربية والاتحاد الروسي، على أن تكون الخطوة التالية هي الانتقال ببحث الخطة من مجموعة الثماني إلى مجلس الأمن الدولي لإقرار ما يمكن أن يترتب عليها.

كان ترحيب موسكو منتظرًا.. ولا يضعف من شأنه الاعتراض الشكلي على بعض النقاط، واعتبار الخطة نفسها مادة للمفاوضات فحسب، فموسكو تدرك أن الأبواب موصدة أمام استخدام وسائل فعالة للضغط على الدول الغربية، وأن الإمكانات الذاتية لا تسمح بخوض مغامرة عسكرية ما، بل حتى تصعيد المواجهة سياسيًا أو عن طريق مساعدات عسكرية مكثفة للصرب لا ينسجم مع الرغبة الروسية في إبقاء العلاقات مع الدول الغربية- ولا سيَّما الأوروبية- علاقات جيدة، مراعاة للأسباب المالية والاقتصادية المعروفة.

ترحيب واشنطن

بينما بدا ترحيب واشنطن بالخطة الألمانية «دبلوماسيًا» محضًا، وأقرب إلى الرفض منه إلى الترحيب، فقد اقترن مباشرة بتأكيد المطالبة بأن تكون القوات المطلوبة لمنطقة كوسوفا قوات أطلسية أو بقيادة أطلسية باعتباره شرطًا لا غنى عنه، وهو ما تركته الخطة مفتوحًا على أساس أنه العقدة التي أوصلت رامبوييه من قبل إلى طريق مسدود، وأبقت بدلًا من ذلك على إمكان تشكيل قوات دولية تشارك فيها دول حلف شمال الأطلسي.. ومضت واشنطن في «ممارسة» رفضها للخطة بأسلوب عملي، فتحركت قدمًا في اتخاذ الاستعدادات لحرب برية، من حيث نوعية المعدات المرسلة إلى منطقة الحرب، والتبدل التدريجي الطارئ على صياغة التصريحات الرسمية بهذا الصدد، والتلويح بعمليات استطلاع الرأي الأمريكية التي تشير إلى ارتفاع نسبة مؤيدي «الغزو البري» في منطقة كوسوفا.. وبالمقابل صدرت عن بون طوال الأيام التالية لإعلان الخطة، تصريحات شبه يومية برفض المشاركة في حرب برية، وهو ما ينسجم تمامًا مع الموقف الروسي، الذي يطرح على الرغم من ضعف أرضيته، مسألة تدخل قوات برية أطلسية في القتال باعتبارها «خطوطًا حمراء»، لا تستطيع موسكو القبول بها، وإن لم يتضح ما يمكن أن تقوم به.

إغراءات مالية

وفي الوقت نفسه تتواتر المحاولات الغربية لامتصاص غضب موسكو المعبر عن العجز، بأسلوب «الإغراءات المالية» وغيرها، ففي هذه الفترة بالذات، وبعيدًا عن الأضواء المسلطة على كوسوفا، أبدى صندوق النقد الدولي استعداده المبدئي لتقديم قروض جديدة للاتحاد الروسي، وأعلن المصرف الأوروبي للتنمية في شرق أوروبا أثناء مؤتمره السنوي في لندن اطمئنانه للوضع المالي الروسي، واستعداده لدعم مزيد من مشاريع التنمية الروسية، كما سبق هذا وذاك الاتفاق المعقود في فيينا بمشاركة ثلاثين دولة وبعد مفاوضات دامت سنوات عدة على تعديل اتفاقية نشر القوات التقليدية في أوروبا، بما يستجيب لرغبة موسكو في أن ترفع عدد جنودها ومعداتها العسكرية في منطقة القوقاز.

وكانت حكومة بون- أو حكومة برلين بعد انتقال المجلس النيابي في هذه الأثناء- حريصة على إعطاء أرضية أوروبية لخطة السلام التي وضعت وزارة الخارجية الألمانية صياغتها، وهو ما لم يقتصر على الدعوة إلى القمة الطارئة في بروكسل، فالأهم من ذلك هو ما وضع تحت عنوان «التحالف من أجل مستقبل البلقان»، فهنا لا تتحدث النصوص عن الغرب ولا عن حلف شمال الأطلسي، بل تتحدث بصورة محددة عن دور الاتحاد الأوروبي، ودور منظمة الأمم والتعاون في أوروبا، من أجل دعم تطور المنطقة على طريقين متوازيين، السياسي بما ينزع أسباب التوتر الكثيرة: الدينية والعرقية والتاريخية وغيرها، والاقتصادي بما يدعم الوصول إلى مستوى من الرفاهية والاندماج في الاقتصاد الأوروبي، ويجعل الارتباطات المصلحية كفيلة بالحرص على المفاوضات بدلًا من اللجوء إلى السلاح عند نشوب نزاعات ما في المستقبل.

ولعل التجاوب الأوروبي والروسي من جهة، وعدم تحقيق أهداف سياسية واضحة عبر الحرب الجوية من جهة أخرى، ثم عدم توافر منطلقات أرضية قريبة جغرافيًا للإقدام على غزو بري مكثف.. قد دفع واشنطن إلى إظهار استعداد أكبر للتفاوض حول السلام، كما يؤخذ من الاتصالات المباشرة بين كلينتون ويلتسين، وربما من خلال تشجيع كوفي عنان على السفر إلى موسكو أيضًا، ولا يتناقض ذلك مع استمرار الغارات المكثفة وربما تطويرها بمشاركة مروحيات مقاتلة لتوجيه بعض الضربات إلى القوات الصربية في كوسوفا، ومن الضروري التساؤل في هذا الموضوع: أليس من الأرجح أن ترغب واشنطن في حل سلمي في هذه المرحلة بالذات؟ ألا يمكن تحميل «الأوروبيين» بذلك المسؤولية عن عدم استكمال الطريق إلى تحقيق سائر الأهداف ولا سيما عودة المشردين إلى كوسوفا؟ ثم ألا يعني ذلك بقاء المنطقة مصدر توتر لا يشغل الأوروبيين بأنفسهم وبأزماتهم فقط بل وينشر الاقتناع بالحاجة إلى استمرار اعتمادهم على الأمريكيين وفق التصورات الأمريكية لمستقبل حلف شمال الأطلسي؟

أحداث مهمة في الطريق

إن الأيام القليلة المقبلة يمكن أن تشهد من التطورات في الساحتين العسكرية والسياسية، ما يكشف عن حقيقة الأبعاد في مسيرتي الحرب والسلام في آن واحد، فتتبين الحدود التي ستقف عندها «الأهداف» الحقيقية من الحرب الأطلسية في البلقان، وقد يظهر آنذاك بصورة أوضح أن كوسوفا وحق تقرير المصير فيها ووضعها السياسي والقانوني الدولي ومصير أهلها المشردين لا تحتل سوى مكان «جانبي» من أغراض الحرب.. كما يمكن أن تتبين أهداف المساعي الجارية بزعامة ألمانية للوصول إلى مخرج سلمي، وقد يظهر آنذاك أيضًا أن لقضية كوسوفا دورًا ثانويًا فقط، فالأهم في الخطة السلمية وما يرافقها من جهود، هو دعم الموقع الأوروبي- أو التميز الأوروبي- أطلسيًا، والحفاظ على علاقات إيجابية مع موسكو، والتفاهم مع «القوى» الإقليمية الرئيسة في البلقان.. أما الجانب السياسي في قضية كوسوفا، فلم يصدر حتى اليوم عن أي سياسي أوروبي أو أمريكي، تصريح واحد يشير إلى الاستعداد للقبول بحصول أهل كوسوفا على حقهم المشروع في التحرر والاستقلال وفق ما تقرره المواثيق الدولية لحق تقرير المصير، ووفق ما تقتضيه الوقائع التاريخية والراهنة، بينما صدرت قبل الحرب وأثناءها عشرات التصريحات الرامية إلى تمكين الصرب من احتلال مكانهم المناسب أوروبيًا وبلقانيًا.. ولئن كان الجانب الإنساني في قضية كوسوفا هو الورقة المعتمدة في كل مناسبة، وفي تبرير الحرب وتبرير مساعي السلام على السواء، فقد يظهر قريبًا أن الجانب الإنساني سيتوارى وراء تقديم المساعدة المعيشية للمشردين حيث يستقر بهم الترحال من الأرض.. جنبًا إلى جنب مع الحرص الشديد على منع اتجاه ذلك الترحال بتيار التشريد غربًا.




الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 4

167

الثلاثاء 07-أبريل-1970

مجليات 4

نشر في العدد 10

203

الثلاثاء 19-مايو-1970

كيف ربّى النبي جنده؟

نشر في العدد 17

157

الثلاثاء 07-يوليو-1970

لعقلك وقلبك - العدد 17