العنوان كوسوفا: فلسطين أوروبا برميل البارود المشتعل
الكاتب د.حمزة زوبع
تاريخ النشر الثلاثاء 24-فبراير-1998
مشاهدات 56
نشر في العدد 1289
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 24-فبراير-1998
طمس الهوية الثقافية، نصف مليون نازح، مصادرة الممتلكات والمؤسسات لصالح الحزب.
مفاجأة جيش تحرير كوسوفا تحدث الانقسام في الأوساط السياسية، وتبث الرعب في قلوب الصرب.
تیرانا:
كوسوفا إقليم ألباني بحكم التاريخ والجغرافيا والنشأة واللغة والثقافة والتركيبة السكانية، هل نعرفها؟
الألبان في كوسوفا ينحدرون من سلالة الأليريين المتربطة والمتواصلة بالحضارة الألبانية، وحتى العلماء اليوغسلاف قد أقروا هذه الحقيقة، وقد ذكر المؤرخ اليوغسلافي كاتيسييتش «أن الأرض التي نشأت بها اللغة الألبانية هي امتداد طبيعي للدولة الألبانية، بل قد امتدت هذه اللغة إلى خارج حدود ألبانيا لتصل إلى أجزاء من اليونان ويوغسلافيا».
كوسوفا تقع في قلب أوروبا أو بطنها كما يقول الألبان، وهي امتداد طبيعي لشمال ألبانيا، ومن الغرب تحدها مقدونيا، ومن الشمال صربيا، ومن الغرب الجبل الأسود، مسكينة هي كوسوفا التي أحاط بها الأعداء من كل جانب.
كوسوفا ذلك الإقليم الصغير الذي يحمل على ظهره أكثر من مليوني مسلم مضطهد يمثلون أكثر من تسعين بالمائة من سكانه البالغ عددهم (٢,٢) مليون نسمة، من بينهم أقلية صربية حاكمة، وأتراك، وبلغار، ورومان.
ذلك الإقليم الذي تصل مساحته إلى (۱۰۸۸۷) كم2 بعد أن تم تقليمه المرة تلو المرة لصالح صربيا والجبل الأسود، وذلك على مر التاريخ القديم والحديث، ويكفي أنه في عام ١٩١٢م تم توسعة مملكة صربيا والجبل الأسود بحوالي (٢٢) ألف كم2 بعد أن قامت بحملة إبعاد سنعرض لها بعد.
كوسوفا كانت على مر العصور وحدة مستقلة ودولة ذات كيان، وحتى إبان المملكة الصربية القديمة في القرن الثالث عشر حين توج ستيفان أوروش ميلوتيني ملكًا لولايات راش، ودوكلا، وألبانيا، وبلغاريا، وكل شواطئ الأدرياتيكي، وبذل جهدًا خارقًا من أجل توسعة ملكه، إلا أنه قرر في دستوره: (في القرى التي يسكنها الألبانيون يحظر بناء المستوطنات، ومن يخرق القانون سيدفع ثمن فعله)، وكان ذلك إقرارًا بأن الألبان كانوا يعيشون على تلك الأرض منذ القدم، ولم يتحولوا لا هم ولا أرضهم إلى أي جنسية أخرى.
كوسوفا التي عرفت بـ «داردانیا» علی مر التاريخ، ولم تعرف اسمها الحالي إلا في القرن الرابع عشر- كانت كذلك في الفتح العثماني، والذي أبقاها ولاية كبقية الولايات الألبانية الأربع وحسب القانون التركي لعام ١٨٦٨م، ووضع لها حكامًا من أهلها، ولم يدمجها في ولايات أخرى.
تقلص هذا الاستقلال يومًا بعد يوم وخصوصًا في عام ١٨٧٨م مع وصول الإمبريالية السلافونية، ثم تقلص مرة أخرى في مؤتمر السفراء عام ١٩١٣م.
وجاء مؤتمر فرساي ليعتبر كوسوفا وحدة سياسية مستقلة، وفي الحرب العالمية الثانية كانت كوسوفا وحدة منظمة من الناحية السياسية والعسكرية والقانونية، وشكلت جزءًا من الجبهة المتحدة لمواجهة الفاشية في البلقان بناء على وعد بالانفصال بعد الحرب، الأمر الذي لم يتحقق.
وكانت كوسوفا وحدة مستقلة في الاتحاد اليوغسلافي، وفي تعديلات الدستور في عام ١٩٦٣م و١٩٧٤م والذي نص على أنها وحدة سيادية مستقلة داخل الاتحاد اليوغسلافي، كما نص على حق تقرير المصير لكل وحدة من وحدات الاتحاد، وحتى بعد إلغاء استقلالها وإعلان صربيا ضمها، إلا أن الإجراءات التي اتخذت من جانب الصرب في هذا الاتجاه -كما ذكر المفكر الكوسوفي شكري رحيمي- أنها غير قانونية، بل إن إعلان الاستقلال الذي تم بواسطة البرلمان الشرعي المنتخب هو المرجـعـيـة فـيـمـا عـرف بحق تقرير المصير، والذي جاء عبر تصويت حر نزيه.
نحن فلسطينيو أوروبا: نحن فلسطينو أوروبا، ولكننا نكافح بالطرق السلمية، هكذا أعلن آرنست لومار -عضو رئاسة اتحاد الطلاب المستقل في كوسوفا- لكن صربيا حاولت منذ القدم أن تجد لها موضع قدم في كوسوفا ولو باتباع نظرية الحق التاريخي كما فعل اليهود في فلسطين، ولم يجد الصرب ما يساعدهم على ذلك، إلا أنهم احتلوا كوسوفا إبان عصر الدولة الصربية القديمة، وفي العصر الحديث حاول الصرب بكافة الأساليب والسبل «صربنة» الإقليم، وذلك من خلال أساليب عدة، من بينها:
1-استيطان الصرب في الإقليم: وقد شهد التاريخ القديم والحديث موجات متتالية بدأت مع حملات الإبعاد للمواطنين الألبان، كان آخرها توطين أكثر من (٨) آلآف من الصرب الفارين من إقليم كرابينا في كرواتيا ضمن خطة تشمل توطين (٢٠) ألفًا في إقليم كوسوفا، وقد قامت الحكومة الصربية بزرع المهاجرين الصرب في المدارس والجامعات والمستوصفات ومنازل الألبان والعديد من الشقق السكنية كالآتي: (12) مدرسة ابتدائية، و(١٦) مدرسة عليا، و(9) وحدات صحية، وجامعة واحدة، و(6) رياض أطفال، و(٤٢) مبنى إداريًا.
ولتشجيع الاستيطان قامت الحكومة الصربية بوضع خطة إعلامية وأخرى اقتصادية، أما الأولى فقد تضمنت تطمين المواطنين الصرب على الوضع الأمني في الإقليم، ومنعت منعًا باتًا أي نشرات عن عمليات فدائية لجيش التحرير الكوسوفي، وتضمن الشق الثاني من الحملة الإعلامية نشر أخبار عن عمليات تمشيط وتعذيب وسجن وأحكام بالسجن على ألبان كوسوفا؛ من أجل بسط يد القوة الصربية على الأوضاع في الإقليم، هذا بالإضافة إلى حملة توعية تحت شعار «الاستيطان في كوسوفا واجب وطني مقدس»، أما الخطة الاقتصادية فتضمنت وضع ميزانية للاستيطان بلغت أكثر من (۱۷,۳) مليون مارك ألماني، أنفقت منها (۷,۱) ملايين مارك لبناء ألفي وحدة سكنية، والباقي على شكل قروض ميسرة الدفع لبناء بيوت خاصة للصرب الراغبين في الاستيطان في كوسوفا، هذا ولتيسير الاستيطان فقد سنت الحكومة الصربية -وعلى مدار خمس سنوات- أكثر من خمسمائة قانون خاص بالاستيطان وتحفيزه في كوسوفا، بالإضافة إلى قوانين تحرم نقل الملكية من المواطنين الصرب إلى الألبان، وتشجع العكس، أما الإغراءات الأخرى فتمثلت في منح وظائف ورواتب عليا لمن يرغب في الهجرة إلى كوسوفا، بالإضافة إلى ضم المؤسسات الاقتصادية الكوسوفية إلى نظيراتها الصربية، وجعل الإدارة صربية، مما يعني فصل مئات الآلآف من الكوسوفيين وتشريدهم من أجل عيون الصرب.
٢ - الضغط على الألبان للهجرة من أراضيهم: حتى وصل عدد المهاجرين من العرق الألباني قرابة (٤٠٠) ألف مهاجر يعيشون في سويسرا، وألمانيا، والنمسا، ناهيك عن الذين يعيشون في ألبانيا، فقد بدأت عمليات الترحيل «الترانسفير» عام ۱۸۷۷م وأثناء الحرب الروسية التركية ۱۸۷۷ - ۱۸۷۸م ثم مرحلة أخرى بدأت منذ عام ۱۹۱۸م وشهدت أوجها عام ١٩٤١م؛ أي ما بين الحربين العالميتين، وذلك على مرحلتين كما ذكر البروفيسور زامير شتولا في مقال له نشر بالدورية السنوية للإعلام الكوسوفي في الخارج، يقول: كانت المرحلة الأولى من خلال ما يعرف بمملكة «صربيا - كرواتيا سلوفينيا» وذلك بين عامي ۱۹۱۸ - ۱۹۲۹م، والمرحلة الثانية من خلال مملكة يوغسلافيا ما بين ١٩٢٩ - ١٩٤١م، وكان الإبعاد إلى إسطنبول ومناطق أخرى في تركيا، والتي استقبلت (٤٠) ألفًا من بين (٣٠٠) ألف أبعدوا في هذه المرحلة قسرًا، كما تم الإبعاد إلى البلدان العربية، بل وإلى ألبانيا ذاتها، وقد كان طريق الترحيل عبر سكوبيا «مقدونيا» إلى سالونيك «اليونان» بالسكك الحديدية، ثم إلى تركيا عبر البحر أو السكك الحديدية، وكانت بلغاريا محطة الترانزيت، وتحملت صربيا كافة مصروفات النفي، وقد انتزعت السلطات أكثر من (٨٥٤) منزلًا من الألبان لإسكان الصرب القادمين من كرايينا في عام ١٩٩٥م.
٣ - تغيير البنية الاقتصادية: فقد صادرت السلطات الصربية الممتلكات والمؤسسات الكوسوفية، وقامت بطرد أكثر من مائة وخمسين ألف عامل من وظائفهم، وضمت المصانع والشركات إلى نظيرتها في صربيا بحجة أنها تحقق خسائر، ووضعت الصرب على قمة الهرم الإداري في كل المنشآت الهامة، بغض النظر عن الكفاءات العلمية والإدارية، كما قامت ببيع جزء كبير من المصانع والشركات الألبانية وخصخصتها لتقع في يد الصرب مرة أخرى، ومن المفارقات أن أحد المصانع الألبانية عرض للخصخصة ليقع في يد شريك صربي حصل وزوجته وأبناء عمه وأولاده على أكثر من خمسين في المائة من أسهم المصنع.
٤- طمس الهوية الألبانية والثقافية: ويكفي أن الصرب أوقفوا البث الإذاعي والتليفزيوني باللغة الألبانية، ووقف إصدار جريدة «النهضة» الكوسوفية، والناطقة بالألبانية، وتشريد طاقم العمل، وأكثر من (۱5۰۰) صحفي يعملون بالصحيفة، واضطرت إلى الإصدار من خارج كوسوفا.
كما قامت القوة الصربية بالاستيلاء على دور الثقافة الألبانية في كافة أنحاء الإقليم، ناهيك عن المؤسسات التعليمية باللغة الألبانية، وكان آخرها جامعة برشيتينا، والذي أدى إلغاء التعليم باللغة الألبانية فيها إلى قيام العديد من المظاهرات واندلاع أعمال عنف إثر تدخل البوليس الصربي واعتدائه على المتظاهرين سلميًا، الأمر الذي دعا إلى تدخل أوروبي في حينه عبر كنيسة سان إيجيديو الكاثولوكية الإيطالية المعروفة، وتوقيع اتفاق عرف باتفاقية التعليم في عام ١٩٩٦م بين الرئيس الصربي ميلوسوفيتش، والكوسوفي إبراهيم روجوفا، وتعد هذه هي المرة الأولى التي يلتقي فيها ممثل عن الشعب الكوسوفي مع الرئيس الصربي منذ إعلان إلغاء استقلال كوسوفا بواسطة الصرب في عام ١٩٨٩م.
جيش التحرير الكوسوفي UCK والحرب القادمة: يقول إسكندر (الاسم المستعار لأحد قادة جيش تحرير كوسوفا في حديث لجريدة سلوبودنا بوسنة البوسنية): «جيشنا بدأ نشاطه مع بداية عام ١٩٩١م ولم نعلن آنذاك، وهدفنا الأساسي تحرير كوسوفا، ومناطق عملنا تتركز في كوسوفا ومقدونيا الغربية ومناطق أخرى لن أفصح عنها الآن».
وفي أبريل من عام ۱۹۹۳م أعلن جيش تحرير كوسوفا عن نفسه، وذلك في أعقاب مقتل شاب ألباني على يد البوليس الصربي في كوسوفا، وقام الجيش بقتل ثلاثة من البوليس الصربي، وجرح خمسة آخرين في منطقة جلوجوفيتش على بُعد (٤٠) كم ٢ شرق العاصمة برشتينا، ثم توالت عمليات الجيش، ووصلت إلى (٣٠) عملية في عام ١٩٩٦م وأكثر من (١٤) هجومًا على مواقع صربية في كوسوفا في عام ١٩٩٧م خلفت وراءها عشرات القتلى والجرحى من الصرب وعملائهم من الألبان، والتي تعقبها عمليات اعتقال عشوائية، وأحكام سريعة بالسجن الذي وصل إلى ثلاثمائة سنة لأحد منتسبي جيش تحرير كوسوفا (قارن بين صربيا وإسرائيل) كان الإعلان مفاجأة للجميع، وخصوصًا التيار السياسي الألباني، والذي تعهد بأن يسلك الطريق السلمي للحصول على حقوق الشعب الألباني في كوسوفا.
في يوليو من عام ١٩٩٥م ومن خلال إحدى الجرائد اليومية الألبانية نُشر أول تصريح لما يعرف بالحركة الوطنية لتحرير كوسوفا، لم يأخذ الكثيرون الإعلان محمل الجد، بل تندر البعض به، وسخر آخرون، وتخوف كثيرون، لكن وبعد وقت قصير أصبح جيش تحرير كوسوفا حقيقة واقعة، بل وصل إعجاب الشباب الكوسوفي بهذا الجيش إلى حد سرد أساطير وقصص خيالية يتحدث بها الركبان، وكما قال أحد المراسلين الأجانب «أصبح الطلب على الالتحاق بجيش تحرير كوسوفا كثيرًا، خصوصًا في أوساط الشباب».
على الجانب الآخر فإن مجموعة السياسيين الكوسوفيين وعلى رأسهم إبراهيم روجونا -زعيم حزب الرابطة الديمقراطية الكوسوفي، والرئيس المنتخب من شعبه- قد انقسموا على أنفسهم بين مؤيد ومعارض، إبراهيم روجوفا يرى أن وجود هذا الجيش خطر على العملية السلمية «التي لم تتم» تمامًا كما يفعل عرفات مع حماس، بل قد صرح مرة أخرى بأنه في حال اشتعال الموقف لن تكون حربًا، بل مذابح إبادة للكوسوفيين الألبان، بينما يرى آخرون أن وجود هذا الجيش يعطي دفعة وصحوة للشعب الألباني في كوسوفا من ناحية، ومن ناحية أخرى يضغط على الجانب الصربي من أجل الحصول على الحكم الذاتي الموعود، وقد صرح الكثيرون من المثقفين بأنهم مع فكرة الجيش «ليس لدينا ما نخسره» ویری هذا القطاع بأن الحرب قادمة قادمة، ووصل الأمر إلى أن قال السيد زين الله أجيم -وهو من مثقفي كوسوفا والذي قتل الصرب قريبًا له-: «لا يمكننا الاعتقاد بأننا يمكننا الحصول على الاستقلال دون دماء»، ويرى قطاع آخر عدم جدوى القتال المسلح ضد هذا الكم الهائل من البوليس الصربي (٤٠) ألفًا، والمليشيا الصربية المسلحة (٣٥ ألفًا).
لكن بعض الساسة الألبان والذين لم يحققوا شيئًا من خلال التوجه السلمي مع صربيا يرون أن هذا الجيش من صنيع صربيا «تمامًا كما زعم عرفات يومًا ما عن حماس والجهاد» بل ووصل الأمر ببعضهم إلى زعم أن هدف بلجراد من ذلك تشويه صورة ألبان كوسوفا أمام العالم وتصويرهم على أنهم دمويون وإرهابيون، مما يبرر استمرار الكبت وسياسة القمع، بل ووصل الأمر إلى القول بأن صربيا هي الجانب الأضعف، وأنها الطرف المعتدى عليه من الألبان المتوحشين «تمامًا كما كانت تزعم إسرائيل بعد كل هجوم تقوم به في الأراضي المحتلة على مواقع الفلسطينيين».
يحمل شعار هذا الجيش عبارتين «لله ولكوسوفا» مما يعطي انطباعًا بأنه توجيه ديني، وربما يميني، ولكنه تحالف مع الرابطة الشعبية الكوسوفية، وهي حزب يساري «قام بدعم التمرد المسلح في جنوب ألبانيا في مارس الماضي، كما ذكرت مجلة كلان في تحقيق حول جيش تحرير كوسوفا».
وفي عيد الأضحى من العام الماضي بدأت تظهر على حوائط المساجد قوائم عرفت بالقائمة السوداء، والتي تعني أن من يوجد اسمه فقد حكم عليه الجيش بالإعدام أو التراجع عن التعاون مع الصرب، ثم أعلن الجيش عن رفضه لأي اتفاقية تتم دون إرادة شعب كوسوفا، ثم زاد في عناده للساسة الألبان في كوسوفا بأن طالب المهاجرين الألبان -والذين يتبرعون بثلاثة في المائة من رواتبهم لدعم العمل السياسي والحكومة الألبانية في كوسوفا- بأن يتبرعوا للجيش الذي سيحقق التحرير كما جاء في بيان لهم.
وفي ٢٥ من نوفمبر الماضي فتح مقاتلو الجيش النار على دورية صربية، وعلى الفور وفي اليوم التالي قصفت الطائرات القرية، وداهمت المصفحات بيوت الأهالي، ولكن مقاتلي الجيش ظلوا يطاردونهم حتى اضطروهم للانسحاب ومعهم أربعة جرحى، ولكن الصرب كاليهود قاموا بإطلاق النار على المسجد والمدرسة، وأصابوا طفلًا صغيرًا، وعرفت هذه الواقعة بموقعة إسكندر بك.
يقول فهمي أجاني -نائب الرئيس روجوفا- «نحن أمام حقيقة جديدة، والمشكلة ليست في وجود الجيش لكن المشكلة في مساحة التأييد الشعبي التي يكتسبها الجيش في صفوف الشباب الألباني، أما نائب رئيس اتحاد الطلبة الألبان في كوسوفا فيقول: «الكثير من الطلبة هجروا المدرجات ولجئوا إلى الجبال».
أما حزب البرلمانيين فقد عرض الهدنة، وطالب الجيش بوقف عملياته (٣) أشهر حتى تتمكن بلجراد من اتخاذ مبادرة سياسية للحل السلمي، وقال في تصريح له نشرته جريدة الكوهايونا الألبانية: «لقد فشلت سياسة روجوفا والموقف أصبح أكثر خطورة، والشباب أحبطوا ووجدوا في جيش التحرير الأمل في إنقاذ شعبهم».
وأضاف: «إذا لم نتحرك فسندخل في صراع دموي كبير»، آدم ديماتشي رئيس حزب البرلمانيين الكوسوفي، «لكن الأمر لم يدم سلميًا لوقت طويل فقد يتحول إلى صراع مسلح، وسنساعد إخواننا في كوسوفا» ميلايم فوزي رئيس أكاديمية جامعة تيتوفا في مقدونيا، «إذا لم يتحسن الوضع سنتحول كلنا إلى مقاتلين وإذا انفجر فلن يقف الصراع عند حدود كوسوفا، بل سيمتد إلى ألبانيا وإيطاليا وصربيا واليونان»، أحد المهاجرين العائدين إلى كوسوفا، ويعلق إسكندر الكوسوفي في تصريحه «إذا قامت الحرب فنحن جاهزون ليس فقط في كوسوفا، ولكن في كل البلقان».
أين تتجه كوسوفا؟
في ١١ سبتمبر ۱۹۹۱م أعلن استقلال كوسوفا من قبل الأحزاب الألبانيةـ ثم بواسطة الاستفتاء الشعبي الذي أجري في ٢٦ - ٢٩ سبتمبر من نفس العام، وقد قرر الألبان إذا بقيت صربيا بحدودها الداخلية والخارجية دون تغيير تبقى كوسوفا دولة مستقلة ذات سيادة مع حق كوسوفا في اختيار البقاء كدولة مستقلة داخل الاتحاد على غرار الكومنولث، والخيار الثاني في حالة تغيير الحدود الخارجية ليوغسلافيا فإن الألبان في البلقان سيشكلون دولتهم المتحدة على أساس عرقي مادامت قد قامت دولة عرقية أخرى مثل صربيا، وكرواتيا، ومقدونيا. وعقب ذلك أجريت انتخابات برلمانية في مايو ۱۹۹۲م وانتخب برلمان ألباني خالص أكد حق كوسوفا في الاستقلال، وانتخب إبراهيم روجوفا رئيسًا لكوسوفا، وتم تشكيل حكومة في المنفى، على إثر ذلك اعترفت ألبانيا بالحكومة الجديدة، ولم يعترف بها سوى ألبانيا.
على هذه الخلفية السياسية والتي يبدو أنها كانت بإيعاز من الولايات المتحدة الأمريكية ظن المواطنون الألبان في كوسوفا أن يوم الفرج قريب، وكانت تصريحات الأمريكيين والأوروبيين تعطي بصيصًا من الأمل في وضع نهاية لمأساة شعب كوسوفا، لكن مع اندلاع الحرب في البوسنة، وتورط صربيا في البوسنة ومحاولتها التي نجحت إلى حد ما للتوسع على حساب المسلمين وأراضيهم هناك، ومع تداعيات الحرب وقمة دايتون بات واضحًا أن العالم أغمض عينيه عن كوسوفا كمكافأة لصربيا نظير التخلي عن أطماعها في البوسنة.
لكن القصة بدأت قبل ذلك، وفي مؤتمر لندن عام ۱۹۹۰م الذي ناقش مستقبل يوغسلافيا-حين تجاهلت أوروبا استقلال كوسوفا، وأنها وحدة مستقلة داخل الاتحاد اليوغسلافي، ونصت على حق تقرير الشعب في كوسوفا لمصيره، وهو الأمر الذي شجع الصرب على الدخول إلى كوسوفا وضمها قبل حرب البوسنة، ولم يتحرك العالم رغم أنه احتلال لدولة ذات سيادة.
الجميع يؤكد أن كوسوفا والمنطقة على وشك حرب جديدة، خصوصًا بعد فشل الحلول السياسية، ورفض الصرب لكافة الأطروحات والمبادرات السياسية وآخرها المبادرة الفرنسية الألمانية، والتي نصت على مباحثات مباشرة بين الصرب والكوسوفيين بحضور طرف ثالث محايد ومرشح لهذا الدور أمريكا، والتي تبذل جهدًا خارقًا لاحتواء الأزمة قبل اشتعالها، ولكن دون حصول الألبان على الاستقلال، والتي ترى أمريكا -مثل بقية دول أوروبا- أن استقلال كوسوفا يعطيها الفرصة للاتحاد مع ألبانيا، والعودة إلى حدود ما قبل عام ١٩١٢م، وتجمع أكثر من خمسة ملايين مسلم في دولة واحدة قد تمتد إلى مقدونيا، والتي بها أكثر من (٤٠٪) من الألبان أو الجبل الأسود أو صربيا، والثلاثة بهم أكثر من مليون ألباني، وباختصار مسلم، ونظرة على الدول الأوروبية في كوسوفا يتبين ما يلي:
١ - ألبانيا: هي الدولة الأم والتي كانت تمتد حتى ما بعد سكوبيا عاصمة مقدونيا شرقًا، وحتى ما بعد يانينا اليونانية حاليًا جنوبًا، وأجزاء من صربيا والجبل الأسود، بالإضافة إلى کوسوفا حتى عام ۱۹۱۲ - ۱۹۱۳م كانت مساحة ألبانيا أكثر من (١٠٠) ألف كم2، لتختصر إلى (٢٨) ألف كم 2، ولتعطي اتفاقية لندن ۱۹۱۲ - ۱۹۱۳م أكثر من خمسين بالمائة من مساحتها إلى مقدونيا وصربيا والجبل الأسود، و(10%) لليونان، تنظر ألبانيا في إقليم كوسوفا على أنه جزء مقتطع، لكن -رغم ذلك ورغم القومية والوطنية التي عرفت عن أنور خوجا ديكتاتور ألبانيا الأشهر- إلا أنه لم يفتح فمه طوال خمسين عامًا ليطالب بكوسوفا.
لم تتحرك ألبانيا إلا بعد استفتاء ۱۹۹۱م، واعترفت بدولة كوسوفا في عصر رامز عليا، وأعلنت الحكومة الديمقراطية الأولى في ألبانيا عام ١٩٩٢م أنها على استعداد للاتحاد مع كوسوفا، ويبدو أن الغرب قد تخوف كثيرًا من هذه التصريحات، والتي ظلت عالقة بذهن الغرب وأمريكا، وحاولت أمريكا في عام ١٩٩٢م أن تشجع ألبانيا وصربيا على الحوار، وبالفعل ففي هذا العام قام المليونير الأمريكي والصربي الأصل -وهو في نفس الوقت رئيس وزراء صربيا- بزيارة إلى ألبانيا، وألتقى خلالها إسكندر ميكسي، ودار الحوار حول سبل دعم العلاقات الاقتصادية بين البلدين، ولكن ألبانيا برئاسة بریشا كانت ترى أن كل الطرق للتصالح تمر عبر كوسوفا.
ولكن بعد أحداث مارس من العام الماضي وبعد وصول الاشتراكيين للحكم قد تغيرت الأوضاع بالنسبة لكوسوفا، فقد أعلنت الحكومة أن كوسوفا ليست أرضًا ألبانية، وأن كل ما تطالب به من حق تقرير المصير، وأحيانًا حقوق الإنسان وحق التعليم، وقد بدا ذلك واضحًا بعد أن دفع رئيس وزراء ألبانيا للقاء الرئيس الصربي ميلوسوفيتش في كريت العام الماضي «نوفمبر»، وبعد إلحاح وضغط أمريكي تم وضع كوسوفا على جدول الأعمال، ولكن المفاجأة هي تصريح الرئيس الصربي: «كوسوفا أرض ومسألة صربية داخلية، ولا نسمح بالتدخل».
انقسم الرأي العام في ألبانيا على نفسه بين مؤيد لدعم كوسوفا، وبين معارض بحجة أن ألبانيا في ظروف سياسية واقتصادية لا تسمح لهم بعمل أي شيء، بل وصل الأمر إلى قول البعض «حتى إذا حارب الكوسوفيون فلن نحارب معهم تكفينا همومنا».
ويبقى القول إن الحكومة الألبانية الحالية تعاني ضغطًا لرفع يدها عن دعمها لكوسوفا وبسرعة لإنهاء هذه القضية، والاتجاه نحو التعاون الإقليمي مع الصرب واليونانيين والبلغار كمخرج وحيد من أزمتهم.
٢ - صربيا: لا شك أن صربيا هي المستفيد الوحيد من الوضع الحالي، وأي وضع يستجد في البلقان؛ وذلك لأنها -وبسياسة وضع اليد- تستطيع أن تفرض كل شروطها، ويكفي أن نعلم أن الوضع الأمني والعسكري لصربيا في كوسوفا يترسخ يومًا بعد يوم، ومن الأخبار القادمة من كوسوفا هذه الأيام ما يفيد بأن الصرب يقومون بحفر خنادق وتجهيز مواقع حول بعض المدن الكبرى في كوسوفا تحسبًا لأي تغييرات عسكرية من أي جانب، أو استعدادًا لعمليات عسكرية هناك، الأمر الذي حدث مع سراييفو من قبل، عقب هذه الأعمال قام الرئيس المقدوني جليجوروف بتصريح لم يفهم معناه إلا فيما بعد، قال فيه: «ستسمح مقدونيا للمهاجرين الألبان في كوسوفا بالمرور عبر أراضيها إلى ألبانيا في حالة اندلاع حرب في كوسوفا» الأمر الذي يعني أن صربيا تستعد فعلًا لهذه الحرب خصوصًا مع زيادة أعمال المقاومة المسلحة من جانب جيش التحرير الكوسوفي.
تردد صربيا بأنها مع الحل السلمي للمشكلة، ولكن في إطار تسوية الأوضاع وتعديل ملف حقوق الإنسان، ولكن لا شيء بعد ذلك، وقد أعطت الدبلوماسية الصربية إشارات خضراء لحوار ثنائي وبوجود طرف ثالث تفضل أن يكون اليونان.
٣ - اليونان: خصم عنيد، وجار مشاغب لألبانيا، وحليف لصربيا في حرب البوسنة وكل الحروب، وتمثل معها الطوق الأرثوذوكسي الذي يحاصر المسلمين في ألبانيا وكوسوفا، تحمل بطاقة عضوية كل المنظمات الأوروبية تقريبًا (الاتحاد الأوروبي - البرلمان الأوروبي - المجلس الأوروبي - منظمة الأمن والتعاون الأوروبي - حلف الأطلنطي) وهي تطمح في تشكيل كيان اقتصادي سياسي في جنوب البلقان، تكون هي على رأسه، وكانت قمة كريت في نوفمبر الماضي خطوة على الطريق، وتطمح في لعب دور لحسم الصراع في كوسوفا لصالح صربيا، وكانت قد عرضت مؤخرًا وساطتها بين الصرب والكوسوفيين، الأمر الذي وضع الحكومة الألبانية في حرج، ولم يعلق المسؤولون الألبان سلبًا أو إيجابًا على المبادرة خوفًا من غضب اليونان، والتي تتبنى الحكومة الحالية، وتحاول أن تقدمها للمجتمع الأوروبي على أنها أكثر تسامحًا، وخصوصًا مع صربيا، وأنها تختلف عن الحكومة السابقة، وإذا نجحت اليونان في مساعيها من أجل لعب دور في المسألة الكوسوفية فإن قضية كوسوفا تكون قد حسمت وللأبد لصالح الصرب، وبذلك يقوى الطوق الأرثوذوكسي في البلقان، ولا يعد لتركيا أي دور تلعبه لا في البوسنة ولا في ألبانيا ولا كوسوفا، وهو ما يعني خللًا في ميزان القوى في المنطقة.
٤ - ألمانيا وفرنسا: تحاول ألمانيا منذ حرب البوسنة أن يكون لها دور فاعل في البلقان، وهي من خلال دعمها لكرواتيا وسلوفينيا قد أوجدت لنفسها موضع قدم في البلقان، وهي تحاول من ناحية أخرى التدخل في الصراع في كوسوفا من أجل حل مشكلة أكثر من (٢٠) ألف لاجئ كوسوفي يعيشون على أرضها بصورة غير قانونية، الأمر الذي يمثل عبئًا عليها خصوصًا مع ارتفاع معدل البطالة في ألمانيا، وزادت المظاهرات هناك للضغط على المستشار كول.
ومن خلال تحركات الرجل الثاني كينكل تحاول ألمانيا لعب دور لإنهاء الصراع، وقد عرضت مبادرة بالاتفاق مع فرنسا تقضي ببدء حوار مباشر مع وجود طرف ثالث، كما تقدمت بمبادرات ومناشدات عدة لصربيا من أجل تخفيف حملة العنف، وتعديل وضعية الألبان في كوسوفا، ويبدو أن الحل الألماني يصب في نفس الاتجاهات الأخرى بضرورة تعديل ملف حقوق الإنسان وحق تقرير المصير، ولكن دون انفصال كوسوفا، كما تمثل كوسوفا أرضية جيدة للتعاون الاقتصادي وإعادة تعميرها، الأمر الذي ترغب فيه ألمانيا بشدة، ويبدو أنه مستحيل في الوقت الحالي ودون الوصول لحل للمشكلة.
على جانب آخر فإن فرنسا تعمل بشكل كبير لحل المشكلة لإبراز دورها في البلقان خصوصًا بعد أن شاركت بقواتها في القوات الدولية في أحداث ألبانيا الأخيرة، كما قامت بدعوة رئيس ألبانيا إلى الملتقى السنوي للدول الناطقة بالفرنسية «القرانكوفونية» في فيتنام العام الماضي.
5 - الدول الإسلامية: وللحق فإنها ومن خلال منظمة المؤتمر الإسلامي لعبت دورًا في المحافل الدولية لدعم كوسوفا، ودائمًا ما كانت تصوت لصالح قرارات تقرير المصير وإدانة العدوان الصربي.
٦- أمريكا: جوكر حل الصراعات في العالم، وخصوصًا في البلقان، وهي تحاول بكل قوة الضغط أو هكذا يبدو لإنهاء المشكلة تتويجًا لجهودها في البوسنة، والتي انتهت لصالح الصرب والكروات، ومن خلال جولات جلبارد المبعوث الأمريكي في البلقان والسفيرة الأمريكية في ألبانيا، يمكن القول إن الحل الأمريكي المقترح يبدو الأكثر قبولًا لدى الحكومة الألبانية، وبقي قبول صربيا للمقترحات الأمريكية، والتي من بينها نزع سلاح كوسوفا، مع إعطائها صيغة استقلالية دون الانفصال.
وتبقى كل الحلول أو الطريق إليها رهن القوة والتعنت الصربية والدول الحليفة لها، ومحاولاتها المستمرة للقضاء على أي تواجد إسلامي أو على الأقل تحجيمه في البلقان.