; كما بندول الساعة.. مسعود يتقدم نحو كابل وطالبان في موقف حرج | مجلة المجتمع

العنوان كما بندول الساعة.. مسعود يتقدم نحو كابل وطالبان في موقف حرج

الكاتب مطيع الله تائب

تاريخ النشر الثلاثاء 29-يوليو-1997

مشاهدات 97

نشر في العدد 1260

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 29-يوليو-1997

فيما تستمر المعارك بين طالبان وقوات الجبهة المتحدة في الشمال الأفغاني في أكثر من موقع، نشطت الدبلوماسية الباكستانية تجاه أفغانستان من جديد، حيث تعتزم حكومة نواز شريف عقد مؤتمر في العاصمة الباكستانية إسلام أباد يجمع الفرقاء الأفغان مع جيرانهم المباشرين وبإشراف روسي أمريكي، ولتحقيق هذا الغرض بدء وكيل وزارة الخارجية الباكستانية لشؤون أفغانستان افتخار مرشد جولة مكوكية خلال شهر يوليو زار خلالها كلًا من مدن قندهار ومزار شريف أكثر من مرة والتقى بقادة طالبان وكذلك قادة الائتلاف المعارض، كما زار وزير خارجية باكستان جوهر أيوب روسيا ودول آسيا الوسطى لنفس الغرض، الأمر الذي يعكس حرص إسلام أباد على عقد هذا المؤتمر الإقليمي المزمع عقده قريبًا، والسؤال الذي يطرح نفسه في كل هذه التحركات ما الذي دفع باكستان باتجاه الحل السلمي بعد اعترافها بحكومة طالبان؟ 

توازنات صعبة

يشعر كثير من ساسة باكستان ومراقبي الأوضاع الأفغانية أن اعتراف إسلام أباد بحكومة طالبان في 25 مايو الماضي أثناء تقدم قوات طالبان في الشمال الأفغاني، اتسم بشيء من الاستعجال، وكان على باكستان أن تنتظر مثلما انتظرت كل هذه الفترة حتى يزول الغبار عن المشهد في الشمال الأفغاني ثم تقدم على خطوة كبيرة مثل الاعتراف الرسمي بحكومة طالبان، ولم تنقض أيام حتى انقلبت الأوضاع وانهزمت قوات طالبان في الشمال وتكبدت خسائر فادحة، وكان هذا خيبة أمل كبيرة بالنسبة لمصممي السياسة الخارجية في باكستان. 

وكانت آثار الاعتراف الرسمي بطالبان سلبية على باكستان في اتجاهين: الأول على المستوى الإقليمي، والثاني: على المستوى الأفغاني نفسه، فأما إقليميًا فقد أوجدت أحداث الشمال وزحف الطالبان نحو المناطق الشمالية مخاوف عديدة في دول آسيا الوسطى وإيران، وأكدت إسلام أباد باعترافها المبكر بطالبان أنها تقف وراء هذه الحركة، الأمر الذي كان له أصداء سلبية في عواصم آسيا الوسطى وطهران وموسكو وحتى بكين، وكانت إسلام أباد تعتقد أن سيطرة طالبان الكاملة على جميع الأراضي الأفغانية تضع هذه الدول أمام الأمر الواقع وتضطرهم للتعامل مع الواقع الجديد، وتدرك باكستان جيدًا أنها وبعد خسارتها (الأمل في قوة طالبان - على الأقل حاليًا - في الاستيلاء على الشمال ودحر معارضيها هناك) تدرك بعد هذا كله أن توتر علاقاتها مع دول آسيا الوسطى وإيران والصين يمس أمنها القومي واقتصادها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، كما تدرك أن خلافاتها مع القوى الإقليمية يتم استغلالها من قبل الهند سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، الأمر الذي حاولت إسلام أباد حتى الآن - قدر الإمكان - تفاديه، وفي حالة مواجهة باكستانية مع هذه القوى لا شك أن الهند هي التي تحصد ثمارها لصالح أغراضها في عزل باكستان سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا. 

وعلى المستوى الداخلي كانت الضربات التي تلقتها حركة طالبان في الشمال الأفغاني أواخر مايو وكذلك في شمال كابل في 20 يوليو الجاري، قوية بحيث أنهت المبادرة العسكرية من يدها وجعلتها في موقف دفاعي تحتاج إلى مزيد من الوقت للملمة صفوفها وإعادة ترتيب أوراقها سياسيًا وعسكريًا. 

وكان الاعتراف الباكستاني بحكومة طالبان قد دمر جسور التفاهم بين إسلام أباد وبقية الأطراف الأفغانية المتواجدة في الشمال المتمثلة في الجبهة المتحدة الإسلامية القومية، وهذا بحد ذاته ليس لصالح باكستان نظرًا لحرص إسلام أباد على الاحتفاظ بجميع الخيوط الأفغانية بيدها واستخدامها في الوقت المناسب مادام التفرد بحكم أفغانستان ليس في مقدرة أحد من الأطراف المتحاربة. 

جهود باكستانية مكثفة لعقد مؤتمر للسلام في أفغانستان هل تخشى انهيار طالبان؟

وإذا أضفنا إلى ما ذكرنا حرص رئيس وزراء باكستان محمد نواز شريف على التخلص من أزمة أفغانستان التي تشكل همًا إضافيًا على همومه الاقتصادية والاجتماعية التي أعطاها أولوية في المعالجة، نستطيع أن ندرك دوافع إسلام أباد لعقد مؤتمر إقليمي يبحث في حلول الأزمة الأفغانية.

ويرى بعض المراقبين أن جهود باكستان هذه تمثل رغبة في تجميد الوضع العسكري على صورته الحالية وكسب مزيد من الوقت لطالبان حتى تلتقط أنفاسها وترتب أوضاعها من جديد، كما أن قضية المفاوضات ووقف إطلاق النار تعرض ائتلاف الشمال إلى خلافات، إذ إن الائتلاف الشمالي يعاني من أزمة الثقة بين أعضائه ولا سيما القائد أحمد شاه مسعود والجنرال عبدالملك. 

ومن هذا المنطلق بدأت الاتصالات الباكستانية بأطراف المعارضة الأفغانية في 18 يونيو الماضي في دبي، حيث التقى افتخار مرشد مع مندوبي الجبهة المتحدة الإسلامية القومية، ثم جاءت الخطوة التالية في زيارة مرشد لمدينة مزار شريف في أول يوليو الجاري ثم زيارة أخرى في 12 يوليو التقى خلالها بقادة الشمال جميعًا، وكان لقاءه بمسعود في ولاية تخار أبرز نقطة خلال زيارته تلك، وكان مسعود قد صرح عقب اللقاء بأنه مستعد للمفاوضات، وأشاد بجهود باكستان لعقد مؤتمر إقليمي يبحث إعادة السلام في أفغانستان. 

رياح السلام وسعير الحرب 

تفاءلت الأوساط الباكستانية فيما يتعلق بعقد المؤتمر بعد تصريحات مسعود الإيجابية تجاه باكستان لأول مرة منذ ثلاث سنوات، غير أن العقبة الرئيسية التي تعرقل جهود باكستان وأي جهد مماثل لإعادة السلام هو أن الأطراف الأفغانية لا تجلس على طاولة المفاوضات وهي في الموقف القوي وتضع لذلك شروطًا تكون أحيانًا تعجيزية بالنسبة للطرف الآخر، وحاليًا تواجه جهود إسلام أباد حالة مثل هذه، إذ تقترح حركة طالبان إطلاق سراح قادتها المحتجزين في الشمال ضمن 3600 أسير من الحركة هناك كشرط أولي للمفاوضات وهذا ما لا تقبله الأطراف الأخرى، كما أن الائتلاف في الشمال يطالب بانسحاب طالبان من العاصمة كابل،  ووضعها تحت إشراف دولي، وهو ما لا تقبله طالبان.

وفي حين يزور افتخار مرشد مدينة قندهار معقل طالبان للبحث عن مخرج نحو عقد المؤتمر شهدت الخريطة العسكرية للأطراف تغيرات جديدة قد تعرض جهود باكستان للخطر أساسًا وهو أن القوات الموالية للقائد مسعود استطاعت يوم 20/7 الجاري التقدم نحو العاصمة كابل واستولت على مدينة تشاريكار عاصمة ولاية براون ومطار بجرام الاستراتيجي، كما ادعت مصادر مسعود قتل 700 من أفراد طالبان وأسر مئات آخرين، ومازال الوضع غامضًا شمال كابل حتى كتابة هذا التقرير. 

وإذا استطاع مسعود العودة مرة أخرى إلى العاصمة كابل، وإخراج طالبان منها أو على الأقل السيطرة على شمال العاصمة وحصارها، فالوضع قد يتغير مما يتطلب إبداء مرونة أكثر من قبل طالبان أو استمرار المعارك من جديد.

وأيًا كانت الصورة الأخيرة التي يكون عليها المشهد الأفغاني خلال الأيام القادمة، فإن باكستان تشعر برغبة شديدة في الخروج من عنق الزجاجة الأفغانية عبر موازنات صعبة تعيد السلام إلى أفغانستان وتحقق لباكستان مصالحها الاقتصادية والأمنية والسياسية. 

 

الرابط المختصر :