; كمال السنانيري والحقيقة المختنقة | مجلة المجتمع

العنوان كمال السنانيري والحقيقة المختنقة

الكاتب أحد الغرباء

تاريخ النشر الجمعة 16-أبريل-1982

مشاهدات 63

نشر في العدد 565

نشر في الصفحة 22

الجمعة 16-أبريل-1982

في 10 مارس 1982م أثار الكاتب الكبير للمرة الثانية مأساة كمال السنانيري، وبناء على ما لديه من معلومات أشار في المرة الأولى إلى شبهة الانتحار، وفي المرة الثانية -وبناء على اتصالاته الموسعة- أكد تقريبًا فكرة الانتحار، وبالطبع كان المصدر الأساسي للكاتب الكبير وزارة الداخلية التي أحالته فيما بعد إلى تقارير النيابة والطبيب الشرعي، وبالنسبة للنيابة فاعتمادها أساسًا على تقارير الداخلية، وبالنسبة للطبيب الشرعي فذكاؤه وحرصه على لقمة العيش يحولان دون الخروج على هوى أجهزة الأمن...

إن تقارير الداخلية تقول: إن وفاة السنانيري كانت في يوم الخميس 8 من المحرم سنة 1402هـ الموافق الخامس من نوفمبر 1981م، والسؤال الذي يفرض نفسه دون انتظار للإجابة عنه: لماذا تكتمت وزارة الداخلية نبأ وفاة السنانيري أو انتحاره- على حد زعمها، حتى سمح -وبعد خمسة أشهر- للأستاذ مصطفى أمين أن يثير المسألة في فكرته بجريدة الأخبار؟ لقد توفي مثلًا في المعتقل وزير سابق، وفي نفس اليوم نشرت الصحف نبأ وفاته، والكاتب الكبير يكتب دائمًا عن حق الشعب في أن يعرف كل شيء، فلماذا لم يسأل المسئولين عن سر هذا التكتم، لقد سمعت النبأ في حينه، ولكن قرأت التفاصيل في صحف غير مصرية ومنها مجلة «الرائد» الهندية في شهر نوفمبر الماضي، أليس هذا عجيبًا؟

ونحن نتساءل بدورنا: 

لماذا الاهتمام -أخيرًا- بإبراز فكرة أن السنانيري انتحر؟ هل للرد مثلًا على الهمس الذي يؤكد أن السنانيري مات نتيجة للتعذيب الوحشي الذي وقع عليه وأن وراء التعذيب مسئولًا كبيرًا عن الأمن، وله سوابق مشينه في تعذيب الإخوان بل وله ضحايا منهم، يشهد بذلك معتقلا القلعة وأبي زعبل؟

أذكر أن الأستاذ التابعي -غفر الله له- كتب في نوفمبر 1954م يقول: إن رسالة قد وصلته بتوقيع «أخت مسلمة» -وبلغة ركيكة مليئة بالأخطاء اللغوية- تتحدث عن ألوان التعذيب التي يلقاها المعتقلون الإخوان في القلعة والسجن الحربي، ثم سرد كل ألوان التعذيب الوحشية، وكأنه شاهد عيان، وقال الذين يحسنون الظن بالتابعي: إنه لباقة منه، أن استطاع أن يكشف للرأي العام المصري عن أساليب التعذيب بطريقته، وإنكاره في مقاله أن يكون هناك تعذيب قد وقع لا يغير من الأمر شيئًا، وقال الذين يسيئون الظن بالتابعي: إنه لم يكتب مقاله إلا بوحي من أجهزة الأمن، بهدف إحداث إرهاب للشعب -بوجه عام- وللإخوان مطلقي السراح بوجه خاص..

وأعتقد أن الذين يحسنون الظن بالكاتب مصطفى أمين، يرون أنها جرأة من الكاتب لم يسبق إليها، وهؤلاء يرون أن حاضر الكاتب غير ماضيه، وأن سنوات السجن التي قضاها نتيجة مؤامرة لُفّقت له ونُسبت إليه، قد غيّرت منه كثيرًا، أما الذين يتريثون في حسن الظن بمصطفى أمين، يرون أن ما كتبه كان بوحي من أجهزة الأمن للرد على موجة الهمسات التي تدور بشأن تعذيب المعتقلين في الآونة الأخيرة، هذه ناحية، والناحية الأخرى تشويه مكانة الدعوة الإسلامية، إذ ينتحر واحد من طلائعها...

لقد حُكم على كمال السنانيري سنة 1954م بالسجن المؤبد، وظل زهاء عشرين عامًا ثابت الإيمان قوي العقيدة والعزيمة، كان في استطاعته أن يسترد حريته بعد ثلاثة أعوام من سجنه لو أنه كتب ورقة من سطرين يقر فيها بتأييد عبد الناصر، لكنه آثر- وهو الشاب الفتي وفي أوائل حياته أن يثبت على مبدئه، كان دائمًا يتمثل كلمات الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص: «لئن ألقى الله مؤمنًا مهزولًا خير من أن ألقاه منافقًا سمينًا». 

فهل مثل هذا الأخ المؤمن يقدم على جريمة الانتحار، وقد كان من المتحفظ عليهم قبل مصرع السادات، وكل تهمته عمله في مجلة الدعوة، ولو كان قُدِّر له أن يعيش، لكان أُفرج معه مع محرري الدعوة.

***

ولنعد إلى كلمة الكاتب الأستاذ مصطفى أمين في 10/3/1982م، قال: أهتم بكل شكوى تعذيب؛ لأنه لا يعرف عذاب التعذيب وهوانه إلا من يكابده وقد عرفت التعذيب... ولأنني أومن بحقوق الإنسان -أي إنسان- سواء اتفقت معه في الرأي أم اختلفت، ولهذا اهتممت بشكوى تعذيب محمد كمال الدين السنانيري بأنه عُذِّب حتى الموت... وذهبت إلى وزير الداخلية فأكد أن المعتقل انتحر وأن النيابة أثبتت انتحاره، وطلب مني أن أسأل النائب العام الذي أكّد لي هو أيضًا انتحار المعتقل، وطلبت من النائب العام أن أطلع على تقرير النيابة.. ثم تقرير الطبيب الشرعي.. إلى آخره». 

والمهم تقرير الطبيب الشرعي، الذي جاء فيه:

«وجود أثر لحز حيوي حديث يحيط بالعنق... حدث نتيجة الضغط على العنق باستعمال جسم لين، ووجود إصابة حيوية حديثة بمؤخر يمين الرأس حدث من المصادمة.. بجسم صلب، كما وجد حز حيوي يحيط بأسفل الساعد الأيسر نتيجة الضغط على هذا الموضع بجسم لين.. وكانت طبيعة الحز المشاهد بالعنق، وعلامات الاسفكسيا العامة المشاهدة بالجثة تفصح عن أن الوفاة قد نشأت من اسفكسيا الشنق، ويجوز حصول ذلك بصفة انتحارية.. وأن وجود اليدين مقيدين خلف الظهر لا تنفي واقعة الانتحار... حيث إنه من الممكن أن يقوم المذكور بعمل جميع الإجراءات اللازمة لعملية الشنق، ويمكن بعد ذلك أن يقوم بسهولة بتقييد يديه خلف ظهره بمثل المنديل المضبوط، وذلك لكي لا يستطيع القيام بأية محاولة لإنقاذ نفسه لحظة التنفيذ».

هل ما يقوله الطبيب الشرعي معقول إلا إذا ألقينا عقولنا، أو اعتبرنا الأخ كان يلبس خاتم سليمان كما تصوره الأساطير؟ أما العبارة التي وجدت محفورة على باب الزنزانة، «هذا أفضل من الإضرار بغيري» فليست مشكلة، وتعرف ذلك أساليب أجهزة الأمن، ثم إن التحقيق الذي أجري معه كان تحقيقًا عاديًّا للغاية، شأنه شأن سائر التحقيقات التي أجريت مع غيره وأخلي سبيلهم. 

في محنة 1954م استشهد من التعذيب عدد كبير، دفنوا خفية في أعماق الجبل، وقد أشاع جهاز المباحث أن الشهداء هربوا، وفي صفاقة لا حدود لها، كانوا بين الحين والآخر يفاجئون أسر الشهداء بحثا عن الهاربين الذين دفنوهم بأيديهم مكفنين في بطاطينهم، بل كان محمد شفيق طبيب السجن الحربي وهو شقيق المليونير على شفيق الذي لقي مصرعه في لندن، هذا الطبيب الذي أقسم اليمين. كان يشير إلى الجلادين الصغار بإنهاء حياة الإخوة الذين لاقوا من أبشع ألوان التعذيب ما جعل الأمل في شفائهم من المحال.. نفس الطبيب كان يسرق أدوية المرضى الوافدة إليهم من ذويهم ثم يعود فيبيعها لهم...

ثم ماذا نقول؟

نقول: إن الشمس لا بد أن تشرق ثانية لتكتسح الضباب الذي جثم على مصر زهاء ثلاثين عامًا، ويومها لن يصدق جيل الشباب ما سجّله التاريخ الصحيح عن أحلك فترة عاشتها مصر، سيعتبره مجرد أساطير.. وإن غدًا لناظره قريب.

ورحم الله الأخ الشهيد محمد كمال الدين السنانيري

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

636

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الحركة الإسلامية في الهند

نشر في العدد 11

213

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية