العنوان كلينتون: وإعلامنا والديمقراطية
الكاتب نوال السباعي
تاريخ النشر الثلاثاء 22-سبتمبر-1998
مشاهدات 75
نشر في العدد 1318
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 22-سبتمبر-1998
أقام الغرب نظامه على خمس دعائم هي: الحق والقانون والحرية والمؤسسات واحترام الإنسان.. يمكن أن نفهمها ونتعلم منها.
مع سيل المقالات، والتنظيرات، والتحليلات، التي ملأت وسائل الإعلام المقرومة بشكل خاص عن فضيحة «كليننون- لوينسكي» وانشغال العالم بهذا المسلسل إلى درجة الاختناق، فإننا لا نستطيع أن نعزل أنفسنا عن حدث بمثل هذه الأهمية «السياسية- الاجتماعية» في عالم الأنظمة الموحدة، والهيمنة الثقافية الواحدة، ولكل «أن يتناول هذا الحدث من الزاوية التي تلقي بالضوء عليه لإيضاح كثير مما يمكن إيضاحه من المسائل المتشابكة التي تتعلق به، وبخاصة في عالمنا الإسلامي اليوم، حيث يكثر الهرج والمرج حول كل ما يقع في الغرب، مما لا يهم المواطن من قريب ولا بعيد، ولا يؤثر في حاضره ولا مستقبله.. فكيف بنا والمسألة تتعلق برئيس دولة. لا يثنيه شيء عن قصف أي موقع في بلادنا دون تفكير ولا تبرير ولا حتى رؤية!
وأولّ ما نعلق عليه تلك المواقف المشينة لبعض أجهزة الإعلام المريبة التي اتخذت سلوكًا عجيبًا من هذا الحدث، كادت أن تكون فيه مدافعة عن كلينتون، في الوقت الذي جعلته جميع أجهزة الإعلام الغربية، كما يجب أن يكون موضع اتهام وتوجس، فلقد خان الرجل وبكل بساطة المبادئ الأخلاقية المتعارف عليها ولو نظريًا اليوم بين أمم الأرض، وإن لم يكن في سلوكه قد خرج قيد شعرة عن سلوك الغالبية العظمى من الرجال في المجتمعات الغربية على وجه الخصوص.
كما أنه من جهة ثانية مثل قمة النفاق الأخلاقي المعروف لدى جملة السياسيين الغربيين الذين تقلدوا مفاتيح السلطة، فدل بذلك على المستوى من الانحطاط الذي وصل إليه، فلقد أصبح رعاع البشر أمثلة تحتذى في هذا العالم، الذي يمور بدياجير المبادئ والأفكار، ويفور من تعالي صيحات الظلم والآلام.
ولقد كشفت وسائل الإعلام الغربية عن الأقنعة التي يختفي وراءها أقطاب السلطة في معظم البلدان الغربية، وفي الولايات المتحدة على وجه الخصوص، وبخاصة عندما يتعلق الأمر بسيدة مثل «هيلاري» التي تكتمت على فضائح الزوج من أجل الوصول إلى السلطة، والتي ننزه القلم عن الخوض في تفاصيل حياتها التي وردت في أجهزة الإعلام الأجنبية، بينما جعلت منها أجهزة إعلامنا صديقة، أو قديسة!
لم يكن ما نشرته أجهزة الإعلام العربية إلا غيضًا من فيض، مما نشر في الغرب عن فضيحة كلينتون.. ولكن العجب كل العجب في السلوك الغربي الذي اتبعته بعض وسائل الإعلام في بلادنا، وما تضمنه من تشويه للحقائق، وتكتم على كثير من الوقائع، والإصرار على تقديم الفضيحة كلها على أنها معجزة من معجزات الديمقراطية الغربية التي تفتقدها بلادنا، والتي انبرى غير واحد من وجهاء وسائل إعلامنا المحلية، والعالمية للدعوة إلى استيرادها، والتأكيد على أن شعوبنا لا مخرج لها، ولا حل لمصائبها، إلا باتباعها بعد استيرادها.
فنحن -من وجهة نظر هؤلاء- شعوب متخلفة، ولا أمل لها، ولا أمل فيها، إلا أن يخلع عن كاهلها كل ما يخص هويتها ودينها وعقيدتها، ثم أن تلبس جملة وتفصيلًا هذه الديمقراطية.. التي لبسها غيرنا، ففاز وأفلح، وهل من دليل على ذلك أبلغ من قدرة الديمقراطية على تقديم رئيس أكبر دولة في العالم إلى المحاكمة ليعترف بذنبه أمام محقق مستقل وبمرأى ومسمع من هيئة المحلْفين؟ !!.
ولقد كان من المنتظر أن توجه أجهزة إعلامنا، جهودها لتقديم الحقيقة إلى المواطن العربي المنكوب، والذي يُظن فيه العجزِ عن الفهم، والوعي، والاختيار، والتمحيص.. فيشوهون الحقيقة حينًا، ويحذفون منها، أو يضيفون عليها تارة أخرى، ويدغدغون عواطف هذا المواطن تارة ثالثة، ويقولون ما يرضيه مرة، وما يعميه.. في أغلب المرات!، ولكن تأمر الجميع على هذا المواطن، وسخر الجميع من قدراته العقلية والنفسية، واستغلوا طيبة نفسه، وقدرته على الصبر، وجهله المحمول عليه قسرًا.
وبينما سكان الكرة الأرضية يستمتعون بمسلسل كلينتون ويتعلمون منه ما ينفعهم، ويفهمون من خلال تفاصيله الموقع الأمريكي الحقيقي في حياة البشرية، وأبعاد القدرة الأمريكية الحقيقية في صنع المستقبل، كان سكان عالمنا العربي، محاصرين بمسرحية الديمقراطية.. هذه الديمقراطية التي ولدت في روما الجاهلية، والتي نادت بحكم الشعب لتستطيع طبقة «المختارين» من هذا الشعب، التلاعب بالشعب، والضحك عليه واستغلاله من خلال ما ترى وتريد وترغب!.
هذه الديمقراطية التي لم تقم إلا بعد حروب طاحنة دارت رحاها على أرض القارة الأوروبية، وإن كانت جميع شعوب العالم قد جنت بسببها الهلاك، والدمار.
إن ما يسمى بالنظام الديمقراطي اليوم لم يولد من فراغ، إنه نظام سياسي يستند إلى هياكل اجتماعية، اقتصادية، وإلى عقائد وقناعات فردية وجماعية خاصة، وإلى تصورات دينية يمكنها أن تتغير وتتبدل خضوعًا لشكل الحياة الإنسانية التي تريدها تلك الطبقة المختارة من قبل الشعب، والتي ما كانت أصلًا لتصل إلى مسرح السلطة - على الرغم من أن اختيار الشعب لها. إلا لأنها تملك وحدها تلك السلطة من دون غيرها، أو بدعم من أصحاب هذه السلطة الذين يفضلون تحريك الدمى على مسرح العرائس، بينما ينفذون إرادتهم هنا وهناك.
الأنظمة السياسية الإنسانية - الاجتماعية، لا تُستورد، لأنها وليدة ظروف تاريخية جغرافية إنسانية خاصة، ولكن يمكن الاستفادة من قواعدها، وبعض تعاليمها، لأن الأمم لا تستطيع الانسلاخ عن هويتها ولو أرادت، ولأن الشعوب لا تستطيع الخروج من دينها وقناعاتها، حتى لو سامها الغالب المستعمر سوء العذاب، وحتى لو أن فئة من أبنائها حاولت اللحاق بذلك الغالب المستعمر، فإن المستعمر ذاته ينظر إلى هذه الفئة من أتباعه نظرة الاحتقار، ويستعملها استعمال الدمى التي تحرك بجهاز التحكم عن بعد.. ولقد أثبت التاريخ ذلك مرة إثر مرة.
قما المعجزة الأوروبية أو الغربية التي تخطف أبصارنا؟؟ إنها لا تنحصر في تلك الكلمة العقيمة التي ما نفتأ نرددها دون أن ندرك أبعادها التاريخية، ولكنها معجزة الدولة التي تقوم على أساس احترام الشعب، لأن الشعب الذي أنهكته الحروب الأهلية الطاحنة خلال مائتي عام، سواء في الولايات المتحدة أو «الولايات الأوروبية» التي تسير على طريق الاتحاد، قرر أن يضع حداً لفناء عنصره البشري بهذه الطريقة، فأقام دوله على خمس دعائم أساسية، يمكن أن نفهمها ونتعلم منها، سواء كانت منضوية تحت لواء ما يدعى بالنظام الديمقراطي، أم غير متعلقة به، وهي: «الحق، القانون، الحرية، المؤسسات، الإنسان».
هل يمارس الغرب الديمقراطية؟
ولا نجد تطبيقًا حرفيًا للنظام الديمقراطي في أي دولة من دول الكتلة الغربية، بل على العكس إننا نشهد انتهاكات يومية شنيعة، ولكن سر العلو الرفيع الذي أحرزته هذه الدول يكمن:
أولًا: في تسنمها ذروة الدورة الحضارية التي يشهدها العالم اليوم، بسبب قدرتها على الاستفادة المطلقة من إيجابيات الحضارة التي سبقتها قبل قرنين فقط في تسنم هذه الذروة من جهة، وفي قدرتها على الذبح، والقتل، وسرقة خيرات وعلوم شعوب الأرض من جهة ثانية.
وثانيًا: ضعف الأمة التي كانت رائدة في الدورة الحضارية السابقة وانخذال إنسانها وشعوره بالانكفاء والنقص أمام ما وصلت إليه هذه الأمة الحالية من تقدم وتطور.
وثالثًا: في التزام حكامها بما تواضع عليه مفكروها، وقياديوها، من مواثيق وعهود تحفظ لشعوبهم دوام هذا التقدم والتطور، وإقامة المجتمع في إطار دولة الحق الذي لا يعرف صغيرًا ولا كبيرًا، وإن شُوَّه هذا الحق، وانتهك، ودولة القانون الذي لا يمكن لأحد أن يتجاوزه مهما بلغت سلطته، وإن كان هناك من يحاول الالتفاف على القانون في كل مكان، ودولة الحريات المتاحة لكل إنسان ومن كل درجة ممكنة، وعلى أوسع نطاق ممكن، وإن وجد دائماً من يستغل هذه الحرية، أو لا يفهمها، أو يسيء استعمالها!.
ودولة المؤسسات الدستورية، والقضائية، والتشريعية، والتنفيذية، والإعلامية، وغيرها من المؤسسات المستقلة عن السلطة والتي تكون في خدمة الشعب ومصلحة الجميع.. وأخيرًا.. دولة الإنسان، حيث يحترم وجوده، وحقوقه، وإرادته.. وحيث يكون المحور الرئيس لاجتهاد الجميع، وحيث يعتبر الثروة الأساسية التي من دونها تنهار الدولة وتفقد وجودها.. وإن كان هناك من يرفع بعض الحيوانات الأوروبية إلى درجة أسمى من الإنسان الذي يتحدر من أصل غير غربي.
إن الانبهار أمام فضيحة الرئاسة الأمريكية الأخيرة. أصاب المواطن العربي بالشلل الفكري، وساهم معظم أجهزة إعلامنا بالطريقة التي عالجت بها القضية في إثارة نمو ذلك الشعور المرير بالعجز، أمام هذه القوى الغربية الجبارة التي وعلى الرغم من قوة سطوتها، تستطيع أن تُخضع كل أحد، حتى لو كان رئيس ما يسمونها أعظم دولة في عالم اليوم.
هذا الشعور بالعجز المرير، ولَدَ لدى الناس في بلادنا شعورًا بالنقص، والخضوع النفسي لهذا الغرب الذي ما نفتأ مبهورين أمامه، واجمين مضطرين إلى قبول كل ما يصدر عنه قبولًا أعمى.. بسبب عجزنا – وخلال ستين عامًا من شهوة التقليد، وتعطيل التفكير، والتباس الرؤية - عن أن نخطو خطوة ثابتة نحو ترسيخ دعائم إعلام مستقل متميز يضع نصب عينيه عرض «الحقائق»، ومصلحة الشعوب، دون تعويم المقولات الخاطئة، ونظريات الخضوع للغرب، ودون قراءة واعية للتاريخ.. ترينا مثلًا أن مسلسل فضائح كلينتون ليس الأول، ولن يكون الأخير في حياة الغرب السياسية والاجتماعية.. وأن علينا أن نفهم هذه الأحداث على وجهها دون انبهار، ودون شعور بالانحسار.
نوال السباعي-مدريد