; كلمة للمستقبل | مجلة المجتمع

العنوان كلمة للمستقبل

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 02-يناير-1973

مشاهدات 24

نشر في العدد 132

نشر في الصفحة 25

الثلاثاء 02-يناير-1973

نعم.. حضارة أوروبا حضارة ضياع. ونعم: خلال قرن واحد من الزمان جَرَّت هذه الحضارة على الإنسان حروبًا مدمرة لم يشهدها تاريخه من قبل.

ولقد حشدت هذه الحضارة في طريق الإنسان وفطرته آلافًا من أشواك الضياع وصخور الهبوط، وهبطت قيمة الإنسان نفسه؛ فتحول جزء منه إلى سلعة تُبَاع وتُشْتَرَى، وجزء آخر تحول إلى قطعة مشردة تُدمِن المخدرات، وجزء آخر حطمت قواه الحروبُ التي ما عرف التاريخ مثلها.

نعم: هذا صحيح وأكثر منه صحيح... لكن ما إمكانية إغراء الناس بالانصراف عن هذه الحضارة؟ أعني: عن هبوطها وإسفافها.

ومن الجلي أن ثمة جوانب في الحضارة الحديثة لا يمكن للناس أن يستغنوا عنها، ولقد ارتبطت الحضارة الحديثة في أذهانهم بها.. فهم ليسوا على استعداد لترك استعمال السيارة والطائرة والهاتف والراديو وغير ذلك من الأدوات التي اعتقدوا أنها من صنع هذه الحضارة وحدها، وإغراء الناس بحضارة أخرى يوحي لهم على الفور بضرورة العودة إلى الجمال والخيول وقطع أسلاك التليفونات!

لكي تقاوم حضارة الضياع لابد من رسم ملامح حضارة تُرى، ليس بالكلمات المطاطة الخطابية، ولكن بتقديم صورة حقيقية مقارنة.. لمجتمع حضارة الإسلام الحقيقية.

وبتقديم نموذج حضاري بسلوكنا الفردي لنبدأ في تقديم صورة- ولو صغيرة جدًا- لمجتمع الحضارة الصحيحة.. مجتمع سلام عن طريق تكوين مجتمع إسلامي.. بالدعوة والحوار والتخطيط السليم الذي لا يهدم وإنما يبني، ولا يتحدى أحدًا، وإنما ينفع الجميع، وينطلق من دائرة الجميع ليعود في النهاية إلى نفس الدائرة.

أما حضارة الضياع.. فلن تسقط بالصراخ والعويل والكلمات الكبيرة.

شيء من التوازن

هل أصدقك وأنت تتكلم أم أصدقك وأنت تعمل؟!

إن بعض الناس تتناقض أفعاله مع أقواله تمامًا.. وبعض الصحف تتكلم عن قضايا العالم العربي وكأنها حارسة مستقبله وراعية خطاه، بينما هي أكبر معاول هدمه. إن التضاد بين العمل والقول من أخطر ما أُصِيب به العالم الإسلامي كله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف: 2-3).

فإذا كان المرء مؤمنًا فهل يرضيه أن يكون سلوك حياته من أكبر الأشياء البغيضة إلى الله؟! وإذا كان غير ذلك- وهو الأعم- فليس من حقه أن يسخر بعقولنا؛ ليقل الماديون إنهم ماديون صراحة، وليقل الموالون لبلاد أو أنظمة أو مذاهب أخرى إنهم موالون لهذه الاتجاهات ولهذه النظم، ولتقل الصحيفة التي تُوَظَّف أساسًا للقضاء علينا إنها موظفة.. لهذا فقط! نحن لا نريد إلا «التوازن»!

هكذا علمنا تاريخنا

الجاهلية تبحث عن نفسها

في يوم بُعَاث اقتتل الأوس والخزرج، وكان الظفر للأوس على الخزرج.. وكان ذلك في العام الخامس قبل الهجرة.. وانتهت الجاهلية بأيامها.. وبأوسها وخزرجها المتصارعين، وظهر عهد إسلامي أصبح فيه الأوس والخزرج (أنصارًا) وأصبح القتال لا لحمية ولا لقبيلة ولا لخلة من خلال الجاهلية!

لكن واحدًا من اليهود ساءه أن يظل الأنصار أنصارًا، وكان هذا اليهودي المسمى شَاس بن قيس مارًّا على نفر من أصحاب الرسول عليه السلام.. من الأوس والخزرج «الأنصار».. فساءه ما بينهم، فأمر شابًا أن يجلس بينهم ويثير الفتنة بينهم...

وتكلم القوم وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثبوا، بعد أن قال بعضهم: "إن شئتم رددناها الآن جذعة"!

ثم تطورت الأمور وتواعدوا، وعلم الرسول عليه السلام بالأمر فكبح جماح الجاهلية التي تحركت وخاطب الأنصار: «الله.. الله.. أَبِدَعْوَى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام، وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية...إلخ».

إن الجاهلية تصور، وغريزة فاسدة، وسلوك، وهذه الثلاثية لا تزال تبحث عبر التاريخ عن نفسها سواء في التصور، أو الغريزة، أو السلوك. وقد لا تجتمع هذه الثلاثية، لكن واحدًا منها غالبًا ما يبرز عبر مراحل التاريخ..

وليس المهم أن تبرز الجاهلية.. فمن حقها أن تبحث عن نفسها.. لكن المهم أن تجد في وجهها كلمات الرسول عليه السلام الخالدة.

الخطر من هنا: فيتنام وأمريكا

في المفاجأة الأخيرة التي فاجأت بها أمريكا العالم عبرة للعالم العربي... فأمريكا تبحث عن شيء واحد فقط: أمريكا تبحث عن أمريكا! تتاجر بكل شيء، وتخرق كل القوانين، وتحارب العالم كله من أجل أمريكا ومستقبل أمريكا ومصالح أمريكا كدولة أولى في العالم.

إن القول عن سيطرة يهودية على أمريكا قد يكون صحيحًا إلى حد ما، لكن الأصح من ذلك أن أمريكا على استعداد في لحظة ما أن تبيع اليهود بثمن بخس، إذا أحست بأن امتداد تفوقها ورفاهية شعبها لا بد لهما من ذلك.

لقد مكثنا سنوات طوالًا نتحدث عن الارتباط العضوي بين أمريكا وإسرائيل، والصحيح أن هناك ارتباطًا عضويًا بيننا وبين عدم محاولة الفهم!

أمريكا لا تصفي مشاكلها من أجل أن تتفرغ للعرب، وأمريكا لا يحركها للاتجاه الصهيوني مصالح الصهيونية وحدها، وإنما مصالحها التي نجحت الصهيونية في أن تصوّر لأمريكا أنها مرتبطة بها.

وبدلًا من الوقوف مكتوفي الأيدي أمام مسلمة الارتباط العضوي بين أمريكا والصهيونية، بدلًا من هذا يجب أن نتقدم لفعل أي شيء.. وبأيدينا من الإمكانات ما يسمح بفعل أكثر من شيء.. وليس شيئًا واحدًا؛ بأيدينا مصالح حيوية.. لأمريكا.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

4493

الثلاثاء 24-مارس-1970

فلسطين