العنوان كلمة للمستقبل - المدرسون
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 05-ديسمبر-1972
مشاهدات 91
نشر في العدد 128
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 05-ديسمبر-1972
طريق المستقبل
● كلمة للمستقبل
المدرسون!
المدرسون والمدرسات من جملة المشكلات التعليمية الكبرى، إذ هم وهن عماد العملية التعليمية، وبالحصول على نماذج طيبة متفاعلة مع المادة العلمية المتخصصة فيها يمكن أن تتقدم الأمم وترقى.
مدرس الطبيعة المتخرج من كلية الزراعة ومدرس الرياضيات المتخرج من كلية التجارة ومدرس التربية الإسلامية المتخرج من كلية الآداب ومدرس التاريخ المتخرج من قسم الجغرافيا، أو الإنجليزي المتخرج من قسم بعيد عن الإنجليزية.
كيف نرجو من كل واحد من هذه النوعية أن يجيد ويتفاعل مع فن، لم يقدر له أن يؤهل فيه التأهيل الكامل، وبينما يتخصصون في كل بلدان العالم المتقدم تخصصات دقيقة، نأتي نحن لنوسد الأمر لغير أهله، لنزج في العملية التعليمية بنوعيات صلتها بالمادة التي يدرسها كصلة أي مثقف عام.
إن الفتاة الحاصلة على الثانوية العامة «العلمانية» والتي دخلت كلية الآداب، وسارت فيها سيرًا «علمانيًّا» ولم تفتح مصحفًا في حياتها، بل لم تصل صلاة واحدة في حياتها، ولم تعرف نفسها أبسط قواعد دينها، لم تعرف الطهارة والصلاة والزكاة مثلًا، هذه الفتاة، كيف نأتي بها لنعطيها تدريس مادة التربية الإسلامية، وهي آخر من يعرف شيئًا أو تتصل روحه وعقله بمادة التربية الإسلامية.
إن أهم قضية في العملية التعليمية هي وضع المعلـم المناسب في المكان المناسب، بعد اكتشاف المكان الذي يمكن أن يقع فيه، واكتشاف خلفيته الثقافية.
أما والأمور تسير ارتجاليًّا في العالم العربي فإنه لا يمكن الحصول على حصاد كريم، لأننا لا نستطيع أن نجني من هذا الشوك العنب.
هذه كلمة للمستقبل.
شيء من النظام
حملات ومواكب الحج تحتاج إلى نظام ومزيد عناية بالحجاج، إن على أصحاب هذه الحملات أن يشعروا بأنها رسالة يؤدونها، وليست مجرد وسيلة للكسب. وبالتالي عليهم أن يولوا الحجاج من طعام وأدوات مبيت وأدوات صحية، ومن كل وسائل الراحة، ما يكفل لهم التفرغ الكامل للعبادة، ويقيهم منغصات الطريق.
ومع أن هذه الحملات مظهر كريم، وهي أسلوب يسهل على كثير من الناس أداء فريضة الحج، إلا أنها -في ظل الفوضى التي تسود بعض الحملات- تتحول إلى عمل دنيوي، بل تسيء إلى الذين لا يقصدون إلا وجه الله وأداء الفريضة وتفسد عليهم فريضتهم.
ولن يتعدى الأمر أكثر من بعض النظام والاهتمام والتضحية من أصحاب هذه الحملات كي تؤدي هذه الحملات أغراضها على الوجه الأكمل، ويكسب فيها أصحابها، ربح الدنيا وربح الآخرة، فقط شيء من النظام.
الخطر من هنا
لدينا طاقات
العالم العربي زاخر بالطاقات حافل بالإمكانات المادية والطبيعية والبشرية.
فماذا ينقص العالم العربي كي يسير في الاتجاه نحو الحضارة؟ إنه لا ينقصه إلا عامل واحد، العامل الروحي.
الروح هي التي ستنفخ في هذه الطاقات الراكدة كي تتحرك وهي التي ستعيد إلى هذه الروح انتشاءها وشعورها بالواجب والحياة، وستخلق فيها الحافز النبيل، وستهيئ لها مجالات أرحب تتعلق بالإنسان والكون، ستريها الكون بمرآة فعالة نشيطة، وستشعرها برسالة إنسانية نحو الإنسان، ورسالة كونية نحو الكون، وبرسالة دينية نحو خالق الكون ونحو الإنسان والكون.
بلا روح، إنه عالم ميت يتحرك في آلية صماء، لا يلتذ ومن هنا تأتي خطورة العالم بشيء، يحس بأنه جهاز في آلة متحركة لا بد أن تدور، إن عالمًا بلا روح هو عالم الجفاف والركود على الرغم من كل ما يعج به من صخب، إنه عالم يرقص مذبوحًا ويتمايل لكن ليس من هزة الطرب، يغني، لكنه في الحقيقة ينوح، ويمثل، أنه في واد وروحه وقلبه في واد آخر، إن الروح لا تقف عقبة في وجه أي نشاط، بل على العكس، إنها تساعد كل نشاط.
بينما الحياة بلا روح، حياة خشبية لا تليق بالإنسان، بل لا ينسجم معها الإنسان.
إنها حياة يهدد الإنسان فيها كل يوم ألف مرة بالضياع، ويحس فيها كل يوم بأنه يفقد تيار الحياة، أو بأنه على استعداد لأن يفقده لأنه من قبل قد فقد معناه وطعمه.
هكذا علمنا تاريخنا
لم يكن الخلفاء الصالحون يتعالون على النصيحة، بل كانوا يطلبونها من العلماء والعباد الحقيقيين، وكانوا يكافئون عليها، ويخضعون لها، هكذا علمنا تاريخنا
كان هارون الرشيد -رضي الله عنه- يطلب الوعاظ، وكان سريع الدمعة، كثير البكاء، وربما أرق الليلة بأكملها في حكمة سمعها أو بيت من الشعر أثر فيه.
وكان عمر بن الخطاب يقول: لا خير فيكم إذا لم تقولوها «كلمة الحق» ولا خير فينا إذا لم نسمعها.
وعلى نهجه كان خامس الراشدين عمر بن عبد العزيز:
وكان عز الدين بن عبد السلام يخيف الظاهر بيبرس، وكانت كلمة عز الدين بن عبد السلام الذي لقب بسلطان العلماء مسموعة في مصر أكثر من كلمة الظاهر بيبرس البطل الثاني في موقعة عين جالوت الشهيرة، وعندما كان نعش عز الدين بن عبد السلام يتجه بالجثمان الطاهر إلى مثوى صاحبه الأخير، وكان الظاهر بيبرس يقف في شرفته، فلما رأى النعش قال:
الآن استقر ملكي بمصر، لقد كان للعلماء هيبة ومكانة سمحت لهم بأداء دورهم في خدمة الأمة وفي قيادتها إلى صلاح دينها ودنياها، أما الأمة التي تذل مفكريها، وتهين علماءها، وتضعهم تحت طائلة الحاجة، وتستعمل معهم وسائل الإرهاب، وتسخر بهم وتجعل من كلماتهم فكاهات ومن أقوالهم قصصًا مسلية، هذه الأمة، أمة تمشي بلا قيادة حقيقية.
وأمة بلا قيادة، لا يصلح أمرها.
لا يَصلُحُ الناسُ فَوضى لا سَراةَ لَهُم
وَلا سَراةَ إِذا جُهّالُهُم سادوا
هكذا علمنا تاريخنا.
مطلوب.. مؤلف لهذا الكتاب
لقد قدم التاريخ مجموعة من إطارات الحضارة قبلنا ثم -كحلقة وسط- في دورة التاريخ، تقدمنا نحن، نحن حضارة القرآن، حضارة لا إله إلا الله، محمد رسول الله، حضارة العقل والقلب والمادة والروح، وظللنا نتقلب في مدارات التاريخ وظهرت في مقدمة الصف الأول حضارات أخرى، غيرنا، حضارات - بلا شك، قدمت للإنسان أشياء في عالـم المادة.
قدمت له الطائرة والراديو والتلفاز واللاسلكي والقنابل النووية والذرية، وقدمت له المسهلات الكثيرة، وكذلك قدمت له ألوانًا من التصور وألوانًا من السلوك.
والحصاد الأخير للحضارة هي الكلمة الفاصلة التي تعطيها حقها، وتزنها بالميزان السليم؛ ما خصائص حضارتنا؟ نحن الحضارة الإسلامية التي كان واضع بذرتها الله -سبحانه، وكان منفذها الأول على الأرض أفضل من عرفت البشرية محمد بن عبد الله -عليه الصلاة والسلام.
إن خصائص ومقومات هذه الحضارة التي ننتمي إليها موضوع طيب وطريف يحتاج إلى أدوات كثيرة، إلى قلم ممتاز، ولذا، نحن نطرحه هذا الأسبوع ليكون الكتاب المطلوب تأليفه.
ومنا لمؤلفه التحية، وأمنياتنا له بالتوفيق.