; كلمة النائب/ يوسف العظم في مجلس النواب الأردني | مجلة المجتمع

العنوان كلمة النائب/ يوسف العظم في مجلس النواب الأردني

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 29-مايو-1984

مشاهدات 58

نشر في العدد 673

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 29-مايو-1984

عقد مجلس النواب الأردني يوم الثلاثاء ١٥ مايو الجاري بحضور رئيس الوزراء أحمد عبيدات والوزراء جلسة «مصارحة ومكاشفة» بين الحكومة وممثلي الشعب. وقد عقدت هذه الجلسة استجابة لرغبة عشرين نائبًا كانوا قد قدموا للحكومة مذكرة بذلك في جلسة مجلس النواب ليوم ١٩٨٤/٤/٢٣ م. تلاها النائب يوسف العظم:

وننشر هنا كلمة السيد العظم مختصرة، نظرا لشمولها وصراحتها من جهة، ولأنها تطرح أفكارًا تعتبر مؤشرًا على تطور في الفكر السياسي للكتلة الإسلامية في مجلس النواب الأردني بشكل خاص والإسلاميين عمومًا. وهي بهذا الخصوص تشكل وثيقة تستحق الدراسة من قبل جميع المتابعين لأنشطة الحركة الإسلامية ومواقفها السياسية.

استمرارًا للموقف الذي أعلنته في جلسة الثقة بالحكومة الموقرة حيث طالبنا بإلغاء قانون الدفاع الذي وضع عام ۱۹٣٥م، وإلغاء الأحكام العرفية والمحاكم العسكرية أو اللجوء لها في أضيق نطاق بعد إخضاعها لمقاييس العدالة والأعراف القانونية المختلفة القائمة على حرية الدفاع، وإبداء الرأي واستئناف الحكم الذي لا يجوز أن يكون قطعيًّا غير قابل للطعن معصومًا غير قابل للاستئناف.

ومن منطلق الحرص على أمن هذا البلد واستقراره وكرامة المواطن وحياته في أطر من الأمن النفسي والرعاية الصحية والضمان الاجتماعي، وغير ذلك مما يتعلق بعيشه وحياته وعمله وممارسة حريته المسؤولة الراشدة التي تتمثل في أمر الله لعباده أن يعبدوه دون سواه وهو الذي وفر لهم الأمن النفسي والأمن الغذائي معًا: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾. (سورة قريش كاملة)

وفي ظل حديث الرسول العظيم معلم البشرية صلوات الله وسلامه عليه مبينًا قيمة الأمن نفسيًّا وصحيًّا وغذائيًّا في آن واحد: «من أصبح آمنًا في سربه معافى في بدنه، عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها» ومع المسيرة المباركة الراشدة في موقف من مواقف عمر مخاطبًا فاتح مصر عمرو بن العاص: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟».

وفي فهم متكامل لهذا الفهم العظيم الذي أوقف فيه عمر رضوان الله عليه حد السرقة في عام القحط والجدب عام الرمادة أخذًا بالقاعدة الشرعية ادرؤوا الحدود بالشبهات، وانسجامًا مع ما ورد في الفصل الثاني من الدستور الأردني بعنوان- حقوق الأردنيين وواجباتهم- وتحت المواد التالية: ٦، ۷، ۸، ۹، ۱۰، ۱۱، ۱٥، ۲۲.

من هذه المنطلقات جميعًا أقف اليوم في جلستنا هذه لمخاطبة رجل دولة، لأخاطب فيه ضميره وأضع بين يديه وأيدي زملائه حقائق ناصعة ومطالب عادلة لا يختلف اثنان على أنها حق لكل مواطن، وذلك في المجالات والميادين التالية:

حرية التنقل والسفر:

١- أن يكون من حق كل مواطن أردني الحصول على جواز سفر ينتفع به في حله وترحاله على أن يحافظ على سمعة بلده وأهله والشعب الذي ينتمي إليه، فإن أساء التصرف أو أوقع الأذى بأحد من أبناء أمته وأبناء شعبه، أو استعمل جواز سفره لأغراض تسيء إلى شرف بلده وسمعة الشعب الذي هو منه قدم لمحاكمة عادلة توقع به العقوبة التي يستحق.

٢- ألا يحجز جواز السفر الممنوح لصاحبه لمجرد فكر يحمله أو رأي سياسي معارض يراه، فإن تآمر على بلده أو تعاون مع أعدائه قدم لمحاكمة عادلة توقع به العقوبة التي يستحق.

٣- ألا يمنع مواطن أردني من السفر إلى خارج بلده طلبًا للعلم أو الرزق وأن يعمل فيما يعود على بلده بالخير والعطاء، وأن يسمح له بالعودة إلى بلده متى شاء لا يصادر منه جواز سفره ولا تحجز له حريته فإن أساء لبلده فالمحاكمة العادلة كفيلة بإظهار انحرافه وإيقاع العقوبة به مما يؤدب الآخرين، ويبصره بما وقع فيه من خطأ وانحراف عن جادة الصواب.

حرية العمل والكسب:

إذا كانت المادة السادسة من الدستور الأردني تنص على أن من واجبات الدولة أن تكفل العمل للمواطن، فإننا نطالب ألا يمنع المواطن من العمل الشريف إذا وجده لينفق منه على عياله وأسرته، ولا يجوز منعه من العمل بحال من الأحوال لمجرد فكر يحمله أو رأي يخالف به ومسؤولاً أو مؤسسة طالما يحافظ على أمن هذا البلد. ولا يعيث فيه فسادًا، فإن عمل على نشر الفوضى وودعا إلى تخريب أو عنف أو إيقاع الأذى بالآمنين قدم إلى محكمة عادلة خاضعة لمقاييس العدالة المتعارف عليها في المحاكم من قبول الطعن والاستئناف والمرافعة والرد مما يعطيها صفة المحكمة العادلة.

شهادة حسن السلوك:

أن يمنح المواطن شهادة حسن السلوك التي تخوله أن يخرج بها وينتفع بالحصول عليها للعمل في البلد الذي يتطلب العمل فيه الحصول على مثل تلك الشهادة، فإن أساء حامل شهادة حسن السلوك لأمن بلده، وتآمر عليه أو قام بعمل يمس بشرف المواطنة قدم المحكمة عادلة تبين له خطأه وتوضح له سوء فعلته.

الحبس الإداري:

لا يجوز حبس مواطن دون حكم قضائي، ولا يجوز أن يحبس مواطن أو تحجز حريته إلا وفق أحكام الدستور وبمقتضى قانون، وعليه فإن الأحكام الإدارية كثيرًا ما تأتي أحكامًا جائرة في غير ما يحقق المصلحة العامة ويشيع الأمن ويبعث على الطمأنينة والاستقرار.

إننا حين نطالب بالإفصاح عن مثل هذه القضايا وتوضيح بعض المواقف، والتثبت مما يقع حقًّا أو يشاع بهتانًا، مما يستدعي مشاركة هذا المجلس الكريم في الاطلاع على بعض الأمور المستهجنة التي قد تقع أحيانًا بصورة فردية في بعض المؤسسات من أشخاص يصيبون ويخطئون ويحسنون ويسيئون، لا بد من تبني سياسة واضحة المعالم نبيلة الغاية سليمة الوسائل محددة الأساليب، مؤكدين أن إخواننا في الحكومة الموقرة يشاركوننا الرأي والشعور والحرص على توفير ما يمكن توفيره للمواطن في مجالات الأمن النفسي والغذائي والصحي والاجتماعي، مما يجعله مقبلاً على بلده غير مدبر عنه محبًّا لشعبه ومؤسساته المختلفة غير حاقد عليها، مقدمًا جهده وعلمه وعمله وماله ودمه حين يدعوه الواجب، وتقتضي المصلحة العامة وخدمة الأمة أن يقدم به وأن يرخصه في هذا المجال!

لجنة برلمانية للاطلاع على أوضاع المعتقلين والموقوفين حيثما كانوا:

تختلط الحقائق بالشائعات حين يتحدث الناس في الشارع أو البيوت أو الملتقيات المختلفة عن عدد السجناء والمعتقلين السياسيين ويختلط الحابل بالنابل، وتذاع أرقام تقل أو تزيد يخفف منها أو يبالغ فيها عن عدد المعتقلين السياسيين والموقوفين.

والسبب في ذلك هو عدم اطلاع جهة شعبية غير رسمية على عدد أولئك الموقوفين والمعتقلين بصورة حقيقية علمية موضوعية تحدد العدد دون تقليل الرقم أو المبالغة فيه، وإظهار الحقيقة لتلك الجهة الشعبية تبين الحياة التي يحيونها وأسلوب المعاملة التي يلقونها دون مبالغة أو تهويل أو تزييف من هذه الجهة المغرضة أو تلك:

ولهذا وعلى غرار ما تقوم به مؤسسة الصليب الأحمر الدولية من زيارات للسجناء وتفقد أحوالهم، اقترح تشكيل لجنة برلمانية تقوم بزيارة السجناء على اختلاف تهمهم والمعتقلين والموقوفين والاطلاع على أوضاعهم كمًّا وكيفًا ودراسة أحوالهم مع الجهات المعنية المختصة تمهيدًا للإفراج عمن لم يقوموا بأعمال مخلة بالأمن أو تصرفات من شأنها إيقاع الأذى بالآمنين من المواطنين.

تعدد الأحزاب:

قناعة مني بأن الإسلام دومًا هو الأمثل، وأن عقيدته دومًا هي الأقوى وأن منهاجه هو المنهاج الشامل المتكامل الذي يغنينا عن استيراد مبادئ وأفكار دخيلة، وإيمانًا مني بحرية الفكر وإبداء الرأي فإنني أرى أن يفسح المجال لتشكيل الأحزاب السياسية التي تمثل مختلف الأفكار والآراء، حتى تلك التي كشف شعبنا زيفها وعرفها على حقيقتها، من ماركسية واشتراكية وديمقراطية وتقدمية وغيرها من الشعارات الرنانة والعناوين البراقة، والذي أراه ألا تحارب تلك الأفكار بالقهر والاضطهاد بل بالفكر المنير والرأي السديد والمنهاج المتكامل الأمثل ولن نجد ذلك كله في غير الإسلام.

إن إتاحة الفرصة لمثل هذه الشعارات التي فشلت على امتداد الساحة العربية أن تعيش في النور والهواء الطلق سيؤدي حتمًا إلى معرفتها وتقويمها وتلاشيها لأنها أفكار لا تعيش إلا في الظلام ولا تحيا إلا في الدهاليز ولا تعيش إلا في زنازين الاضطهاد مما يثير الإشفاق على حامليها ويحرك العطف على دعاتها ويظهرهم بمظهر الوطنيين الذين تضطهدهم السلطة الحاكمة فتقوى شوكتهم ويزداد انتشارهم.

إن إضاءة مشاعل الحرية في بلدنا وفتح باب الشورى على مصراعيه والعمل على فتح حوار هادف مسؤول بين جميع أبناء الأمة مهما تباينت آراؤهم، حكامًا ومحكومين وبين المؤسسات المسؤولة في بلدنا تشريعية وتنفيذية ثقافية وسياسية واجتماعية واقتصادية وعسكرية وأمنية وقانونية، كفيل بأن يعري الأفكار الدخيلة الوافدة ويبين زيفها وزيف انتماء معتنقيها ومدى صلتهم بهذه الأمة الأصيلة الخالدة، أو انقطاعهم عنها واجتثاثهم من الجذور.

ولذا فاني أطالب وبإصرار وأضم صوتي لصوت من يطالبون بإتاحة الفرصة لحملة تلك الأفكار ودستور هذا البلد ليعرفوا وتعرف الأمة معهم مقدار حجمهم الحقيقي على ساحة بلدنا بصورة خاصة والساحة العربية بصورة عامة. ونحن واثقون أنه لا يمكن لمثل هذه الأفكار أن تعيش في عالم للإسلام فيه وجود، والإيمان فيه حضور إلا في حالتين:

الحالة الأولى:

أن تدعم هذه الأفكار بحزبية مسلحة تزودها السلطة الحاكمة بالحديد والنار لتخرس المعارضة وتكتم أفواه من يخالفهم الرأي فتنصب لهم المشانق وتوسع لهم ساحات الإعدام وتكثر لهم من عدد الزنازين أو القبور الجماعية تدفنهم فيها وهم أحياء.

الحالة الثانية:

أن تقوم السلطة باضطهاد أصحاب هذه الأفكار وتزج بهم في السجون والمعتقلات دون حوار أو مناقشة فكرية حرة هادفة، لتقرع الحجة بالحجة والرأي بالرأي والفكر المظلم المستورد بالفكر المستنير الأصيل، وفي غير هاتين الحالتين دعوهم يعملوا وأطلقوا سراحهم يهتدوا أو يضمحلوا.

حصر الحاجات الضرورية وتحديد أسعارها:

لقد قدمت اقتراحًا برغبة لمعالي رئيس المجلس حول هذا الموضوع الذي يوفر للتاجر ربحًا، وللمواطن الأمن الغذائي والطمأنينة النفسية في كل ما يخص حياته ومعيشته من ضرورات تشمل المواد الغذائية والملابس والأحذية والقرطاسية والأدوات المنزلية والأدوات الكهربائية الضرورية وغيرها، وهو أمر لو أقدمت عليه الحكومة مشكورة فإن مردوده سيكون كبيرًا، وأثره سيكون عميقًا في مجال الاستقرار بين أبناء أسرتنا الواحدة التي باتت نهبًا للجشعين المستغلين في غيبة من تحديد الأسعار وحصر الحاجات الضرورية التي لا بد أن تحدد أثمانها.

حرية الصحافة:

لقد قدم لمجلسكم الكريم هذا عدد من إخوانكم موقعين على طلب بتعديل مادة في قانون المطبوعات تخول الحكومة حق إغلاق الصحيفة دون إبداء الأسباب ودون مناقشة للصحفي أو بحث في أمر مخالفته وهو أمر ما تحسبه يقوم على روح الشورى أو ينبثق من مفاهيم العدالة والحرية والمأمول أن يعطى للصحافة الحرية في أن تعالج القضايا التي ترى أن من مصلحة الأمة معالجتها وأن يتاح للصحافة طرح القضايا والمشكلات والبحث في حلها بروح من الإيمان برسالة هذه الأمة والتجرد والموضوعية.

ومن الإنصاف أن نقول: إن صحافتنا بدأت تتجه اتجاهًا فيه إحساس بالمسؤولية وتقوم بنشر كثير مما لا تجرؤ صحف في بعض البلاد الأخرى أن تتعرض له أو أن تخوض فيه، ومع ذلك فإن صحافتنا ما زالت تحبو وتزحف نحو الباب الذي يجب أن يفتح لها على مصراعيه لتلج في ساحة الحوار الهادف وتدخل ميدان الحرية المسؤولة.

وأبسط مثل على ذلك أن صحافتنا لم تتعرض بإسهاب وشمول حتى الآن لمناقشة ما يجري في المغرب الذي أتاح لليهود أن يعقدوا على أرضه مؤتمراتهم، يشارك فيه عدد من أعضاء الكنيست اليهودي، مما يوحي بإعداد طبخة مشبوهة على غرار كامب ديفيد الذي بدأ يتآكل ويهترئ.

ومما يحز في النفس أن يعقد في المغرب العربي مؤتمران في آن واحد أحدهما يمثل الشعب الفلسطيني المنكوب على أرض الجزائر، والثاني يمثل المنظمات الدولية اليهودية على أرض المغرب وهو شق من المعادلة نستنكره أشد الاستنكار ونرفضه كل الرفض أن يقع في الديار المغربية الشقيقة التي تضم في ربوعها لجنة إنقاذ القدس كما يقولون!

إننا حين نطالب بمثل هذه المطالب العادلة لا ننطلق من ولاء خارج بلدنا هذا، ولكننا نطالب بمثل هذا الخير وتوفير مزيد من أجواء الحرية لأمتنا ومواطنينا نطالب بمثل هذا الخير وتوفير مزيد من أجواء الحرية لأمتنا ومواطنينا من منطلق حبنا لبلدنا الحبيب، وتمسكنا بروابط الأخوة وأواصر المودة بين أبناء أسرتنا الواحدة.

 

الرابط المختصر :