العنوان كلما ازداد علم العبد زاد تواضعه.. لغة العصر
الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر السبت 16-أغسطس-2008
مشاهدات 58
نشر في العدد 1815
نشر في الصفحة 50
السبت 16-أغسطس-2008
من استخدم علمه في إيذاء الناس والتجسس عليهم كان وبالاً عليه في الدنيا والآخرة.
أمتنا أمرت بإعداد نفسها وتسليحها بأنواع القوى المختلفة لتكون مرهوبة الجانب قوية الجناح .
لمستخدم الإنترنت: احذر أن تنزلق قدمك في أرض الرذيلة.
هو لغة العصر السائدة الرائج تجارتها، من جهله وجهل أحكامه كان في عداد الأميين فقد صار تعلمه ضرورة من الضرورات التي لا غنى عنها في مدارسنا ومعاهدنا، وفي معاملنا ومكاتبنا، وجامعاتنا ومستشفياتنا من جلس إليه ظن أنه ساحر، وما هو بساحر! ومن تعرف عليه ألفه وأنشأ معه صداقة حميمة وصحبة طويلة.
ومن تحدث معه رأى فيه عالماً كبيراً، ومعلماً فصيحاً، وموسوعة كبيرة من العلم والمعلومات، فسبحان من علم الإنسان ما لم يكن يعلم، وهداه لما ينفعه سبحانه ﴿عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق:5).
إنه الكمبيوتر وما يلحق به من شبكات الإتصال، التي تصلك بالآلاف من الناس، بل والملايين في لحظات معدودات وأنت جالس على كرسيك، تتحرك به يمنة ويسرة !!
مواكبة العصر
والكمبيوتر كغيره من الأجهزة الحديثة التي يبغي منها الإنسان سعادته، وينشد فيها راحته وقد دخل الآن معظم البيوت وقبع فيها، شأنه في ذلك شأن إخوانه السابقين من مذياع، ومسجل، وتلفاز، ودش، إلا أنه فاق الجميع بمهارته وقدرته على مواكبة العصر وسرعته في إيصال المعلومة وخدمته التي لا تتوقف ليل نهار حيث صار جهازاً صغيراً بحجم الكف والحق ببعض أنواع الهواتف النقالة ولم يقتصر وجوده متربعاً على المنضدة الخاصة به في البيت بل تعدى ذلك إلى أماكن وأجهزة أخرى وهو أيضاً ساعي بريد نشيط مدرب يعرف الطريق، ولا يتعب كثيراً في البحث عنه بعد أن حدثت الثورة المعلوماتية الكبيرة التي لم تكن في أي عصر قبلنا، فدخل الإنسان بذلك التقدم الهائل في مجال لم يسبقه إليه أحد.
والآن بعد أن التحقت به شبكات الاتصال (الإنترنت) التي طوت لنا الأوقات، وإختزلت المسافات، وتخطت سرعتها سرعة الطائرات.
فجعلت من العالم بأسره قرية صغيرة بل غرفة يجوبها المرء منا في لحظات معدودات كلمح البصر! فسبحان من حبا الجنس البشري بالعقل الذي به يفتش، ويبحث عما ينفعه.
أمة اقرأ
إننا إذا أبصرنا بعين العدل ونظرنا بمقياس الحقيقة إلى معظم المخترعات الحديثة والتي أحدثت الثورة التكنولوجية وبحثنا عن موقعنا كمسلمين فيها نجد أننا مقصرون حتى في الصناعات التي سبقت هذا العصر، من سيارات وطائرات وأجهزة منزلية فنحن في مقام المستورد الأول، والمروج النشط للسلعة والمستهلك لها دون أن يكون لنا قصب السبق في نشأتها، وكما يقال من الإبرة حتى الصاروخ ونحن أمة اقرأ التي أمرت أن تتسلح بالعلم كل العلم الذي يرقى بالروح ويحفظ البدن وينفع النفس فيثمر فيها الخشية لله كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعلماًءُ ۗ﴾ (فاطر :28)، وأمرت أيضاً أن تنبذ الضعف والعجز فقال: المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير أحرص على ما ينفعك وإستعن بالله ولا تعجزه.
إعداد القوة
وأمرت كذلك بإعداد نفسها وتسليحها بأنواع القوى المختلفة لتكون مرهوبة الجانب قوية الجناح، فلا يطمع فيها طامع ولا يقرب منها عدو، ولتستغني بذلك، فلا تمد يدها لأحد، أو تكون عالة عليه، يلقي إليها بالفتات البالي بل تكون هي اليد العليا لما تميزت به من قوة فقال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ ( الأنفال :٦٠) كل هذا يتطلب من المسؤولين جهداً كبيراً في تنمية المواهب والبحث عن العقول المفكرة الموهوبة منذ الصغر، وتشجيعها للبحث العلمي وفتح مجالاته أمام الجميع، وزيادة الميزانية الخاصة لهذا البند الضروري المهم، وجعل ذلك من الأولويات، كما أنه من الضروري الإستفادة من العقول المهاجرة من أبناء أمتنا إن لم يكن بالإمكان استرجاعهم إلى وطنهم الأم، وفتح أبواب البحث أمامهم والإهتمام ببراءة إختراعاتهم ولو كانت بسيطة، فهذه هي البداية.
سلاح ذو حدين!!
من وسع الله عليه واقتنى هذا الجهاز فليعلم أنه سلاح ذو حدين، ففيه الطيب النافع، وفيه الضار الخبيث فليحذر من أن تنزلق قدمه في أرض الرذيلة، ويشيع حب الفاحشة في نفسه خاصة في شبكات الإنترنت، والمواقع الإباحية السهلة المنال والتي تصيد فريستها بنقرة لطيفة على زر صغير في هذا الجهاز وإحذر هذا الإدمان التكنولوجي المتمثل في الجلوس أمام شاشته وشبكته لفترة طويلة ولو كان شيئا مباحاً، فإن الإسراف مذموم وما من إسراف في جانب إلا ومعه حق مضيع ولا يأخذك العجب من ذلك القول فكم من أناس زلت بهم الأقدام.
وكم من زوجات يشكين بعد الأزواج وأزواج يعانون من نفور الزوجات والسبب معروف قد يكون من أثر المعاصي بسبب الدخول على المواقع المنكرة، وقد يكون نتيجة الإسراف وسرقة هذا الجهاز لوقت الزوج أو الزوجة والأبناء فتضيع معه الحقوق وتسقط الواجبات.
تعامل مع الكمبيوتر ولا تهمل الكتاب
وعلى الجانب الآخر، نرى من باب الإنصاف الوجه الآخر والمشرق لهذا الجهاز فتجده يوفر الوقت والجهد، ويوصل المعلومة للعقول بسرعة وتستخدمه الدول في كافة الاحتياجات فيمدها بما ترى من معلومات أدخلها العقل البشري المعجزة في هذه الأجهزة فسبحان الله خالقه وهاديه، كما أن بإمكانك أن تجد فيه ضالتك من علم نافع بشرط أن تأخذه من منابع موثوقة مشهود لها بالصلاح ويستطيع أن يتعلم أولادك من خلاله الأساليب الحديثة للبحث العلمي، وأن يستعينوا به في دراساتهم المختلفة، وقد دخل بحمد الله إلى قاعات المدارس ودور العلم، وأصبح على كل طالب علم محو أميته فيه، بمعرفة كيفية التعامل معه والإستفادة منه.
ومع كل ما ذكرنا عن إيجابيات هذا الجهاز المتميز إلا أنه لا غنى لنا عن الكتاب في طلب العلم فهو الأساس، ولا عن التلقي من العلماًء خاصة في ما لا يعرف إلا بالتلقي كتعلم القرآن الكريم والعلوم الشرعية ولا يلغي وجوده الصلة والحلقة الموصولة بطالب العلم ومعلمه وأستاذه.
اشکر نعم الله وتواضع له
من نظر إلى هذا الجهاز تذكر قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (سورة العلق: 5) وعلم علم اليقين أن من أراد أن يكون علمه مباركاً فليكن باسم الله، وفي سبيل الله، موقناً أنه مهما بلغ علمه فعلم الله أوسع، قال تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (يوسف:76) وكلما إزداد علماً زاد تواضعاً لله وذلاً له فهو واهب العلم، وقد يسلبه من المرء في أي لحظة، وقد يحرمه من عقله الذي به يفكر في طرفة عين، أما من طغى وتكبر وظن أنه بلغ من علمه المنتهى وأن بيده ملكوت كل شيء فقد جعل من نفسه لله ندا واستخدم علمه في إيذاء عباد الله، والتجسس على أعمالهم وعد أنفاسهم، كان علمه وبالاً عليه في الدنيا والآخرة، وصار مازورا غير مأجور.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل