العنوان إلى من يهمه الأمر ...كفى حربًا أيها المتقاتلون
الكاتب د. إسماعيل الشطي
تاريخ النشر الثلاثاء 04-مارس-1986
مشاهدات 57
نشر في العدد 757
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 04-مارس-1986
بكل ثقة أقول أن الحرب الإيرانية- العراقية قدمت للدول الاستعمارية خدمات عظيمة لم يقدمها أي حدث سابق في المنطقة.. وبكل ثقة كذلك أقول إن الحرب الإيرانية- العراقية أضرت بالأمة الإسلامية ومصالح شعوب المنطقة مالم يضر أي حدث منذ زمن بعيد.. والذين يصرون على استمرار الحرب إنما يصرون على استمرار خدمة الاستعمار والإضرار بمصالح الشعوب الإسلامية بقصد منهم أو بدون قصد.
إن هذه الحرب ساهمت في تسويق منتجات مصانع الأسلحة المدمرة التي تنتجها الدول الاستعمارية الكبرى وحركت الركود الذي طرأ على هذه الصناعة برهة من الزمن.. وضمنت دخلًا ثابتًا لهذه المصانع من أجل تطوير أسلحة الدمار.
- إن هذه الحرب استنزفت أرصدة الشعب الإيراني المدخرة لتنمية البلاد، والتي كان يأمل من ثورته أن تستثمر أمواله في البناء بدلًا من الدمار، كما أنها امتصت أرصدة الشعب العراقي وشعوب المنطقة المساندة لكي تعود عائدات نفط المنطقة من جديد إلى الدول الاستعمارية.. بل أنها أنهكت اقتصاد الدولتين المتحاربتين وأثرت على اقتصاد الدول المجاورة.. إن هذه الحرب عطلت مشاريع التنمية ليست على مستوى بناء العمران فحسب، بل على مستوى بناء الإنسان.
- إن هذه الحرب أزهقت أرواح مئات الألوف من المسلمين من شعبي العراق وإيران.. ودمرت عشرات المصانع، والجسور والطرق والمدارس.. وحولت كثيرًا من القوى العاملة إلى معوقين أو مشلولين.. وتركت في كل أسرة رزية ومصيبة.
- إن هذه الحرب أتاحت لأساطيل الدول الاستعمارية أن تتحرك نحو الخليج، وهيأت المبررات القوية لاقتحام المنطقة، وهذا مالم تكن تحلم فيه الدول الاستعمارية وقد أتاحته لها هذه الحرب.
- إن هذه الحرب صرفت القوة العسكرية الإسلامية عن مواجهة العدو الحقيقي.. بل إنها أنهكت اثنين من أقوى جيوش المنطقة وبددت أي أمل في أن تتدخل هذه الجيوش لمواجهة العدو اليهودي على مدى عشر سنوات مقبلة على الأقل.. وأتاحت للعدو اليهودي يعبث بالمنطقة كيفما شاء مادامت جيوش المسلمين منشغلة بالحروب فيما بينها..
- إن هذه الحرب ساهمت في تخفيض أسعار النفط وهو الكنز الذي وهبه الله لهذه المنطقة وجعله نبض الحضارة الغربية المعاصرة.. فالدول المتحاربة معنية بالحصول على أية مبالغ وبأية طريقة لتغطية أسعار الأسلحة التي تشتريها.. والمحارب لا يهتم لشؤون الاقتصاد والأسعار ما دام محتاجًا للسلاح.
- إن هذه الحرب تستنزف أضعاف ما صرفته في المعارك من أجل إعادة التعمير وتضميد الجراح وكذلك عملية إعادة التعمير ستصب مزيدًا من أموال المسلمين في جيوب الدول الاستعمارية الكبرى التي تحتكر الصناعات..
- إن هذه الحرب كلها شر ولا خير فيها من أي جانب نظرنا إليها لقد مرت ست سنوات دامية أكلت الأخضر واليابس وطحنت بين رحاها جيلًا من الناس في دولتين مسلمتين من أجل أوهام وأحلام كاذبة..
- إن هذه الحرب لا تخدم الإسلام ولا علاقة للإسلام بها من قريب أو بعيد وهي تتم في إطار اللعبة الدولية ومردودها على أعداء الإسلام أكبر بكثير من مردودها على الإسلام نفسه.
والاستمرار بهذه الحرب ليس جهادًا في سبيل الله، بل هي جهاد في سبيل الشيطان الأكبر أميركا وروسيا.. ولو كانت جهادًا في سبيل الله لاستطاعت أميركا وروسيا أن توقفانها بسهولة.. ليس بالتدخل المباشر، إنما بقفل أبواب سوق السلاح في وجه الدولتين المتحاربتين.. وإذا كان السوق السوداء للسلاح يحوي على ذخائر وأسلحة متعددة وهائلة إلا أنه لا يحوي على الأسلحة الحاسمة في المعارك كالطائرات والصواريخ..
إن المسؤولية التاريخية لهذه الحرب - ولنقل مسؤولية هذا الجرم- تقع بالدرجة الأولى على الجانب المصر عليها والذي لا يريد التفاوض أو إنهاء القتال.. وإن التاريخ سوف يلعن من صنع هذه الحرب ومن استمر في إشعالها وسوف يتحدث التاريخ عن الذين مكنوا لإسرائيل في هذه المنطقة وخدموا الاستعمار -بشكل لم يكن يحلم به- كما يتحدث عن الذين مكنوا للتتار في نفس المنطقة.. وسيلعنهم المسلمون كما لعنوا الذين مكنوا للتتار.. وإذا كانت صناعة الحدث اليوم - سهلة فإن تبريره – غدًا- مستحيل ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف:21).. والله الموفق.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل