; كفاح الشعب الجزائري.. دور جمعية علماء المسلمين الجزائريين | مجلة المجتمع

العنوان كفاح الشعب الجزائري.. دور جمعية علماء المسلمين الجزائريين

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 20-مارس-1973

مشاهدات 16

نشر في العدد 142

نشر في الصفحة 19

الثلاثاء 20-مارس-1973

إذا أراد الإنسان أن يتكلم عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وأسباب تكونها ووسائلها وأهدافها وغاياتها فإنه مضطر لا محالة إلى الكلام على الحالة والملابسات التي أحاطت بالشعب الجزائري العربي المسلم طيلة قرن وثلث قرن، الذي توالت عليه النكبات من عدو لاتيني متعصب ضد الإسلام. إذ لم يترك صغيرة ولا كبيرة ولم يهمل شاذة ولا فاذة من الوحشية إلا وسلطها على هذا الشعب الأبي الصمود. لقد استعمل كل مكيدة ليذيبه في بوتقته وينسيه تاريخه الحافل بالمكرمات وليبعده عن دينه وعروبته. ولكن بفضل من الله ورحمته كان الظالم كما قال القائل:

كناطح صخرة يومًا ليوهنها                          فلم يضرها وأوهى قرنه الوعلُ

فلقد قامت ثورة تلو أخرى منذ أن وطئت أقدامه تراب الجزائر العربية ولأمر ما لم يقدر الله أن تنجح. وكلما فشلت ثورة إلا وزاد في طغيانه وعتوه وأساليبه الجهنمية ومعاملته الوحشية ومصادرته للأملاك ليصد هذا الشعب عن دينه وتقاليده ويسلبه أعز عزيز لديه وهو الإسلام والعروبة. نعم قامت عدة ثورات استرد فيها الجزائريون كثيرًا من المناطق ولكن قوة السلاح الفرنسي وحداثته وتضخم الجند حال دون النجاح التام. قال القائد ماكماهون في خطاب له لما عين واليًا على الجزائر: إن الإمبراطور أخبره بمجرد إشارة يجند ثماني مائة ألف جندي مسلح بأحدث طراز ولا يمكن لي الآن أن أتكلم عن هذه الثورات التي استمرت ولم تنقطع حتى منتصف الحرب العالمية الأولى:

 قام الأمير عبد القادر من سنة 1830 إلى سنة 1847 -

 قاومت بلاد القبائل من سنة 1853 إلى سنة 1857 -

 أولاد سيدي الشيخ أبو معزة من سنة 1864 إلى سنة 1884.

 بعد مجاعة سنة 1865 قام الشيخ بلحداد شيخ الطريقة الرحمانية وانضم إليه الزعيم المقراني واستولوا من أبواب العاصمة إلى القل قريب من حدود تونس. ولما استشهد المقراني والشيخ بلحداد قام بو مزراق شقيق المقراني واستمرت إلى سنة 1871.

 قام بوشوشة بالصحراء سنة 1870.

 نظمت الزعيمة لالا فاطمة النظام الفدائي فشرب منها الفرنسيون الأمرين.

 قام أولاد شقران غرب الجزائر بداية القرن العشرين، ثورة الأوراس سنة 1916.

هذه الثورات الكبيرة أما الانتفاضات الصغيرة فإنها لم تنقطع أصلًا حتى جاءت ثورة أول نوفمبر المباركة.

إنني لا أستطيع إحصاء الفظائع التي قام بها الجيش الفرنسي مدة قرن كامل ولو حاولت لخرجت عن الموضوع ولكن يجب أن أذكر بعض ما سطره ضباطهم بأيديهم وبإمضاءاتهم. ففي سنة 1833 أرسلت إلى الجزائر لجنة برلمانية وأعدت تقريرًا هذا نصه باختصار: «لقد أضفنا إلى الأملاك العامة المنشآت الدينية وحجزنا أملاك طبقات من السكان كنا وعدناها بالاحترام كما ألمزناها سلفة إجبارية تقدر بمائة ألف فرنك. لقد استولينا على الأملاك الخاصة بدون تعويض وأحيانًا أجبرنا المصابين على دفع ثمن تخريب ديارهم حتى المساجد المنشآت الدينية ولا المقابر».

في سنة 1843 كتب الكولونيل... في سنة 1843 كتب الكولونيل ... سانت أرنو بإمضائه:

«إننا لا نطلق النار إلا قليلًا. إننا نحرق الدوائر وجميع القرى والملاجئ. إننا نقمع ونحرق وندمر ونخرب الديار والأشجار. إنني أحرق المخابئ وأنشر مقبرة واسعة لأن الأرض ستغص بجثث المتعصبين».

وكتب أيضًا سنة 1851: «لقد خلفت في طريقي حربًا ... مهولًا. جميع القرى حوالي المائتين قد أحرقت. جميع البساتين خربت وأشجار الزيتون قطعت».

وكتب العقيد مونتيسكيو يقص ما فعل بعد إعدام قائد جزائري بالرصاص: «لقد قطعت منه الرأس ومعصمه الأيسر ووصلت إلى المخيم ورأسه مرشوق على الحربة ومعصمه موثوق بالبندقية... هكذا يا صديقي يجب أن تكون الحرب مع العرب». كما قال أيضًا في رسالة أخرى: «لا بد من تخريب البلاد وقمع السكان وطردهم نحو الصحراء».

وجاء في رسالة جندي فرنسي: «في رأيي أن جميع السكان الذين لا يقبلون شروطنا يحصدون حصدًا. يجب الاستحواذ على كل شيء بدون تمييز لا سنًّا ولا جنسًا، يجب أن لا يكون من أثر لأية نبتة في طريق مر به الجيش الفرنسي».

وقال الدوق دو روفيغو: «ائتوا بالرؤوس. أغلقوا مجاري المياه برأس أول جزائري يتعرض سبيلكم». وقال بيجو أمام البرلمان سنة 1840: «أينما وجدت الأرض الخصبة والمياه الصالحة فيجب ثمة إقامة المستعمرين دون استفسار عن أصحاب الأرض».

ومنذ سنة 1832 أكد جيرار وزير الحرب الفرنسي: «لا بد من إبادة جميع السكان العرب، إن المجازر والحرائق وتخريب الفلاحة هي في تقديري الوسائل الوحيدة لتركيز هيمنتنا». وكتب ضابط كبير إلى زوجته بفرنسا: «إنني كلما تذكرت بعدك عني أكاد أجن، ولا يزول عني الهم حتى آخذ عشرة من هؤلاء الكلاب العرب فأذبحهم إذ مقاومتهم هي التي كانت السبب للفراق بيني وبينك».

ولقد كان سوق بناحية من العاصمة يقال له «باب عزون» تباع فيه أطراف المسلمين. فمن جاء بأصبع أو أصابع امرأة يأخذ كذا أو كذا من المال، ومن جاء بذراع وفيه السوار أو بأُذُنٍ وفيها الأقراط أو برجل ومعها الخلخال.

نعم، لقد كانت نيتهم القضاء التام على الشعب الجزائري وإبادته كما أباد آباؤهم وإخوانهم وبنو عمومتهم الجنس الأحمر الهندي بأمريكا لولا لطف الله.

عمد أول ما عمد إلى الاستيلاء على الأوقاف الإسلامية التي تقدر بملايين الملايين فسلمها للمبشرين والمستوطنين من الأوروبيين.

استحوذ على المساجد فحولها إلى كنائس وبيع ومتاحف ومتاجر ومستودعات. وجد المستعمر بالعاصمة وحدها ما يزيد على مائة مسجد بين صغير وكبير، ولم يترك إلا خمسة وخمسة فقط. والبعض من هذه الخمسة زيادة في النكاية والإهانة أحاطها من جميع الجهات بدور العهر والمخامر وسائر المنكرات كجامع سيدي رمضان مثلًا. وما وقع بالعاصمة وقع مثله في سائر المدن الكبيرة. وهذه الخمسة التي تركها بالعاصمة كون لها جمعيات دينية. ثم أتدرون من رئيسها؟ ومن مديرها؟ ومن هو مرجع الموظفين الدينيين؟ من المسؤول الأول فيها؟ إنه ميشيل الفرنسي الجنسية المسيحي الديانة وأمثاله.

استولى الاستعمار على معظم الأراضي الخصبة تارة بالقهر وأخرى بمكائد شيطانية، سيما عقب كل ثورة فاشلة؛ فجميع المسلمين في تلك الناحية مشبوهون، وكل أرزاقهم تصادر وتسلم هذه الأراضي لكل طريد ومجرم من دول أوروبا المسيحية. ولم يبق للمسلمين في بداية القرن العشرين إلا الأراضي الوعرة الجبلية أو الصحاري القاحلة التي لا تسمن ولا تغني من جوع..

اتجه إلى اللغة العربية فحرمها في المدارس والمحاكم والإدارات، وقرر أن اللغة الفرنسية هي اللغة الرسمية واللغة العربية أجنبية لم تُساوَ حتى بأجنبية الإنجليزية أو الألمانية. فتحت فرنسا أبواب المخامر وما يتبعها من فجور ومقامر على مصراعيها لسلب ما بقي من الأموال والأخلاق والكرامة والعزة والشرف.

سلطت الفقر والمرض بجميع أنواعه، وبثت وراء ذلك جيوشًا من المبشرين على اختلاف أجناسهم ومذاهبهم استهواء للبؤساء، وعطفًا على الأيتام والمرضى ظاهره الرحمة علاج وإطعام، وباطنه المسخ. ومما يندى له جبين الإنسانية أن يقتلوا الأب ويشنقوه ثم يأخذوا ولده ليمسحوه ويكفروه. لقد استطاعوا عقب كل ثورة أو مجاعة عامة كانوا هم السبب فيها أن يجمعوا العديد من الأيتام ذكورًا وإناثًا ويحولوهم عن دين آبائهم؛ ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (التوبة: 32).

فرغم المغريات الجذابة، ورغم الأموال التي تنفق عليهم، ورغم تعليمهم وتثقيفهم، ورغم صبغهم في الصغر على المسيحية وتكوينهم تكوينًا فرنسيًّا - والكل يعلم أن التعليم في الصغر كالنقش على الحجر - ورغم تحويل أسمائهم وعدم السماح لهم بالاتصال بأبناء عمومتهم؛ فما إن بلغوا مبلغ الرجال واتصلوا بالمسلمين إلا ويرجعون شيئًا فشيئًا إلى حظيرة الإسلام فرادى وجماعات في عداد المؤمنين رغم أنف المبشرين ورغم الملايين المبعثرة لمحو صبغة الله، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ (البقرة: 138).

فليقرأ القارئ ما كتبه غوستاف لوبو الفرنسي في كتابه روح السياسة، كيف بكى وندد بساسة فرنسا محاولتهم المحال لتبديل صبغة الله في الجزائريين وتضييع الأموال فيما يعود عليهم بالوبال. لقد ضرب أمثلة عديدة في ذلك، والذي علق بذهني أن جماعة من المبشرين جمعوا ما يقرب من أربعة آلاف يتيم ويتيمة عقب مجاعة وثورة المقراني والشيخ بلحداد سنة 1871 بلغوا سن الرشد لم يبق عندهم إلا أربعون نفرًا، والأربعون كلهم رجعوا إلى الإسلام. هذه شهادة من عظمائهم كما قال الله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا﴾ (يوسف: 26).

اتجه المستعمرون إلى محو الشريعة الإسلامية في جميع المعاملات وفرقوا المسلمين إلى طوائف. أما من ينطقون باللهجة العربية العامة فتفسر لهم الأحوال الشخصية مع السماح لهم إن أرادوا أن يختاروا القوانين الفرنسية، وأما من ينسبون إلى القبائل فلا حق لهم في الزواج والطلاق والإرث في الشريعة الإسلامية، بل الحكم بالعوائد والعرف والقانون الفرنسي.

اتجهوا ناحية أخرى لطمس تاريخ المسلمين الحافل بالمكر والحيلولة دونهم ودون ماضيهم المشرق. فاللغة العربية الفصحى ممنوعة في مدارسهم، وإنما ألفوا قواميس للهجة العامية من عربية وقبائلية ليبتعد المسلمون عن لغة قرآنهم وفصلهم عن ماضيهم وإخوانهم في الشرق العربي فصلًا تامًّا.

شددوا على استيراد الكتب العربية من الشرق ولا يسمحون في ذلك إلا بمقدار ولبعض الكتب فقط وبعد التفتيش الدقيق والاطلاع على محتوى الكتاب.

ومن خزعبلاتهم المضحكة أنهم فتشوا مكتبي عندما ألقوا القبض عليّ، وكانوا يصادرون الكتب التاريخية والتي يشتم منها رائحة الوطنية والسياسة. سألوني عن كتاب ما محتواه، فقلت: أحاديث رسول الله عليه السلام. فقال لي رئيسهم: «إن الكتاب ذا الورق الأصفر لا سياسة فيه، وأما الكتاب الأبيض المصقول فكله سياسة واستفزاز ضدنا». فلم أتمالك نفسي من الضحك من هذه الحماقة! إنهم لا يسمحون للطلبة بالسفر إلى الشرق الأوسط إلا إذا سلكوا طرقًا خفية خطرة، ولا يسمحون للحاج إلا إذا تحققوا من سلامة طويته نحوهم، وإذا سمحوا

المشبوهون، فذر الرماد في العيون وتغطية نواياهم نحو الإسلام والمسلمين؛ فمن ورائه من يتتبع خطاه ويحصي عليه أنفاسه مدة إقامته بالبقاع المقدسة. تعلم الفرنسية إجباري، والويل لمن لم يقدم ولده، فجزاؤه السجن والتغريم حتى يلين ويقدم فلذة كبده فريسة لذئاب المستعمرين. فيا حبذا لو كانت ثقافة كاملة، وإنما هي للعرقلة فقط؛ فيخرج التلميذ عند سن الرشد لا ثقافة فرنسية مدققة، ولا عربية موجودة؛ إذ لا يُسمح بالوقت المناسب للتلميذ ليتعلم لغته ودينه خارج مدرستهم، اللهم إلا بعض العائلات الذين قدروا على النفقة على أولادهم في الخارج كأوروبا والزيتونة والأزهر والقرويين. والغالب ألا يكونوا إلا من الموالين لهم أو من المفرطين في الذكاء من غيرهم.

لقد درست في مدارسهم الابتدائية جبرًا، ولو لم أتربَّ في أحضان عائلة علمية دينية لتنكرت لتاريخ الإسلام والمسلمين والوطن العزيز. فماذا أسمع عن تاريخ الجزائر؟ إنها دائمًا مستعمرة للغير، سكانها الأصليون برابرة متوحشون. أما الفينيقيون فنهابون للأموال محتقرون لكل جنس، وأما الرومان أبناء عمومتهم وآثارهم العمرانية بارزة، والجرمانيون فوضويون، والبيزنطيون مهذبون وعادلون، وأما العرب الهمج فمتسلطون ظالمون؛ أجبروا الناس على اعتناق دينهم بالسيف، لا همَّ لهم إلا جمع المال والجواري، وأما الأتراك فظالمون قساة، وما سطع نور العلم والعدل والحرية والعمران إلا عند مجيء فرنسا.

قولوا لي بربكم... ماذا يبقى في ذاكرة التلميذ الذي يتلقى هذه السموم وهو غض طري؛ لولا لطف الله بهذه الأمة الصابرة الصامدة صمود الجبال والعاضة على دينها ولغتها وشرفها بالنواجذ؟!

هذه بإيجاز الحالة التي كانت عليها الجزائر مدة قرن وثلث. لقد صدق فينا قول الشاعر:

صبت علينا مصائب لو أنها ... صبت على الأيام صرن لياليًا

وقول شاعر النيل - رحمه الله -:

لم يبق شيء في الدنيا بأيدينا ... إلا بقية دمع في مآقينا

ومع كل هذه المصائب لم نيأس من نزول مطر رحمة الله علينا، فنحن على حق، وما ضاع حق وراءه مطالب. وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (يوسف: 87)، وقوله: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: 7).

الرابط المختصر :