; كفاح الشباب الجامعي على القناة | مجلة المجتمع

العنوان كفاح الشباب الجامعي على القناة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 04-ديسمبر-1973

مشاهدات 88

نشر في العدد 178

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 04-ديسمبر-1973

مكتبة المجتمع

كفاح الشباب الجامعي على القناة

تأليف: حسن روح

نشر: دار القلم

تقديم: أبو سمية

المدى الزمني لهذا الكتاب الذي نقدمه لا يتجاوز في الحقيقة سنة من الزمان.. هي الصفحة الوضيئة التي سجلها سلاح شباب الجامعات العامر بالوطنية الصافيــــة البريئة ضد قوات الإنجليز التي كانت تجثم على صدر مصر منذ سنة ١٨٨٢م.

وبوحي من الوطنية الصادقة عرف الشباب الطريق..

فلا طريق في الحقيقة للتعامل مع الصليبيين إلا إحياء ثورة الجهاد المستمرة.

ودائماً أثبت تاريخنا -ومنه هذه الصفحة الحية التي قدمها الأستاذ حسن دوح- دائمًا أثبت أننا ننتصر حين نقرر الموت في سبيل قضايانا.. وأننا نهزم حين نساوم.. ونهادن اللصوص الصليبيين -أو اليهود- الذين لا خلاق لهم ولا عهد، والذين يستبيحون كل القيم الإنسانية.. ويسمون ذلك سياسة ودهاء وتقدمًا فكريًّا.

وفي نحو ۱۹۰ صفحة من القطع الكبير حاول الأستاذ «حسن دوح» تقديم صورة صادقة لتلك السنة التي تحرك فيها شباب الجامعات -ومنهم المؤلف نفسه- يقلق على الإنجليز مضاجعهم في القناة، ويزلزل قواعدهم التي عاشت هادئة مطمئنة قرابة السبعين سنة، والتي لم تنفع كلمات سعد زغلول، ولا أمثاله، في هز سكونها القاتل المميت.

لكن الرصاصات التي أطلقتها ضمائر الشباب الجامعي المؤمن هي وحدها -وأمثالها- كانت الكفيلة بتحريك هذا السكون وإيقاظ الشعب المصري على حقه في الحرية والاستقلال وطرد الصليبيين الإنجليز!

والصفحة التي قدمها الأستاذ المؤلف امتزج فيها السرد التاريخي الذي تغلب عليه عناصر التشويق القصصي بالرأي وبالتحليل الذي لا يمكن فصلة عن شخصية أي كاتب، بل إن الموضوعية لا تطلب من أي كاتب ذلك، والمهم الالتزام بالحقيقة في الواقعة.... والتفسير مجال مباح للجميع -كما هو معلوم.

وقصة احتلال مصر ترتبط -كالعادة- بالسلطة التي تريد البقاء وتريد الاستمرار ولو بالقوة، ولو على حساب الأمة ومستقبلها.

ففي ٣١ يوليو م۱۸۸۲ أصدر الخديوي توفيق تصريحه المشئوم الذي وجهه إلى الإنجليز، والذي جاء فيه: يصرح لكم باحتلال كل نقط برزخ السويس التي ترونها مفيدة لحرية المرور في القناة وحماية المدن والسكان المجاورين، وتحطيم كل قوة لا تعترف بسلطتنا.

ومن يومها بقيت مصر تجثم تحت الاحتلال الإنجليزي، حتى جاء الشعب ممثلًا في شبابه الجامعي يعلن التمرد على الإنجليز، وعلى السلطة التي تحكم باسم الإنجليز وتحت حماية التاج البريطاني.

ومنذ ثورة ۱۹۱۹ التي ركب موجتها سعد زغلول، والإنجليز يحاولون احتواء الغليان الشعبي ويلوحون في الأفق باتفاقية جلاء صورية تبقى فيها بريطانيا في القنال، وتبقى لها حماية مصر، ويصرح لمصر بأن تكون دولة عضوًا في الأمم المتحدة ولها وزير خارجية مستقل!

- وفي يوم ۷ أكتوبر ١٩٥١م ألغت الحكومة المصرية معاهدة الصداقة والتحالف مع بريطانيا، كما ألغت اتفاقية سنة ١٨٩٩م الخاصة بالسودان.وقال رئيس الوزراء وقتها مصطفى النحاس باشا: من أجل مصر وقعت معاهدة سنة ١٩٣٦، ومن أجل مصر أطالبكم اليوم بإلغائها.. ووافق البرلمان على إلغائها.

                                                                                                     «ص15»

ومن هذا الإعلان بدأ خط التعامل مع بريطانيا يأخذ منعطفًا آخر.. أكثر شراسة وجدية ووضوحًا.. وبدأ الشعب يتحرك في الاتجاه الصحيح الذي توحي به فطرته السليمة. وبدأ الملك يجد نفسه في مأزق حرج، «ولعلنا نكون منصفين إذا قلنا: إن الحزب الوطني كان من أسبق الأحزاب تأييدًا لحركة الشعب، ولكنه كان يفتقد القاعدة الشعبية والتنظيم» «ص24». ولا مجال هنا لاستعراض مواقف بقية الأحزاب، وحسبنا أن نلقي بصيصًا من الضوء على مواقف بعض التحقيقات الأخرى من هذه الثورة العربية.. ثورة 7 أكتوبر ١٩٥١م، فأما التجمع الشيوعي الذي كان بدأ يعلن عن نفسه، والذي كان قد كونه -هنري كوريل- الصهيوني، فإنه كان -كعادته دائمًا- مجرد رافع للشعارات، «إلا أنهم كانوا يبخلون بدماء أبنائهم من أعضاء الحزب.. كانت فلسفتهم الاستفادة من دم غيرهم لصالح المد الشيوعي».                                                                                            «ص٢٥».

وأما التجمع الآخر... التجمع الشعبي الملتصق بالوطن والتاريخ والنفس، وهو تجمع الإخوان المسلمين... هذا التجمع، كان شبابه «أصحاب أکبر دور في معارك القناة لعدة أسباب منها:

تدريبهم في حرب فلسطين، وحافزهم الإسلامي، والتنظيم الدقيق الذي أبدع فيه أيما إبداع الشهيد حسن البنا».

 «ص27»

والمهم من وراء كل ذلك أن الجامعة المصرية كانت ملتقى أبناء الأمة، وكانت الحرم الذي يضم شباب الوطن كلهم، ويجعلهم يتفقون على غاية واحدة -باستثناء الشيوعيين طبعًا- وهي غاية طرد الإنجليز من مصر، وإعطاء مصر مكانتها ودورها الجدير بها في العالمين العربي والإسلامي.

وانطلاقًا من الإيمان وحده بدأ طلبة الجامعة حركتهم مع الإنجليز.. تلك المعركة التي استمرت ما لا يزيد كثيرًا عن ثمانية أشهر، والتي عرفت بمعارك القنال، دوخت الإنجليز المدججين بأعتى الأسلحة.

«واستطاع الشعب -ممثلًا في طلبته- أن يواجه أكبر تجمع عسكري لبريطانيا في الشرق الأوسط، وكانت أول رصاصة وجهها هي إلى قانون تحريم السلاح، والثانية إلى قلب الإنجليز، والثالثة إلى سدنة الاستعمار وأحلافه». «ص۳۸».

وتحولت الجامعة إلى «معسكر حربي»، وبدأ التدريب بمسدس واحد، وكان عدد الذين يتدربون لا يقل عن عشرة آلاف طالب، وذلك باستثناء الأساتذة الذين حاولوا ضرب المثل لطلابهم، وعلى رأسهم حارس العمل الوطني في الجامعة ومديرها العظيم الدكتور عبد الوهاب مورو، والأساتذة عبد المنعم بدر، وأمــــــــــــين الخولي، وغيرهم.

وقد اجتاز العمل الوطني في الجامعة كثيرًا من العقبات المادية والمعنوية، ونجح -بالإيمان- في أن يزحف إلى مواقع معسكرات الإنجليز.

وتعتبر معركة -التل الكبير- أول إنجازات طلبة الجامعة الواضحة في هذه المعارك، وهي تلك المعركة التي دمر فيها قطار إنجليزي، وتطايرت أشلاء الإنجليز في الفضاء حتى سقطت أجزاء من مزقهم على بعد ١٥٠ مترًا من الموقع الذي حدث فيه الانفجار.

إن أحدًا لا يستطيع أن ينسى أبدًا وداع الأمة لجثمان الشهيد الجامعي الكبير «عمر شاهين»، لقد كان يومًا خالدًا في تاريخ مصر.. کانت جنازة عمر شاهين تمتد إلى حوالي ثلاثة كيلومترات، وتضم ربع مليون مواطن.. وكان يسير في مقدمة الجنازة رجال الدولة وأساتذة الجامعة بأروابهم التقليدية وجميع الطالبات والطلبة، وكان التنافس على حمل نعش عمر شاهين يثير الإعجاب، وتقدم حسن الهضيبي والدكتور مورو لحمل النعش على فترات طويلة».

                     «ص72»

لقد كانت الأمة تعلن عن نفسها وعن فطرتها وعن استعدادها للمضي في الطريق الصحيح... طريق القتال المستمر، وأخذ الحقوق عن جدارة واستحقاق؛ لا تحت لافتة مزيفة وقتية.

وبعد معركة التل الكبير وجنازة عمر شاهين تزاحم الناس علينا بمدوننا بالمال.. والمتاع.. حتى أوبرج الأهرام قدم لنا ألف جنيه، ولكننا رفضنا الاستفادة من المال الحرام لمعركة في طهر معركتنا، وقال يومها الدكتور مورو عبارته الكريمة: وهل نقبل عرق أفخاذ الراقصات في معركتنا هذه؟!

«ص75»

وتعددت معارك القتال في هذه الفترة الخالدة من تاريخ مصر، فهذه مغامرة بعد منتصف الليل التي انفجرت فيها معسكرات «أبو سلطان» عن آخرها، وهذه مغامرة نسف قطار حربي إنجليزي التي قام بها -عبد الرحمن- ونسف كوبري حربي آخر التي قام بها -محسن- ونسف قطار حربي عند قرية الكاب، والتي قام بها الأستاذ علي صديق.. بل إن هناك محاولة كان يخطط لها لإغلاق القناة في ذلك الوقت، وإن كان الموقف قد تبدل، وتغير المخطط بعد حريق القاهرة في ٢٦ يناير؛ ذلك الحريق الذي قامت به فيما نعتقد «الولايات المتحدة الأمريكية» لأهداف بعيدة المدى حملتها الأيام الحبالى فيما بعد!!

وانتهت رحلة العمل الغذائي بنهاية شهر يوليو سنة ١٩٥٢م لأن هنالك أسلوبًا جديدًا كان قد بدأ يفرض على مصر وعلى المنطقة العربية كلها.

الحق أن الكتاب الذي بين أيدينا صفحات من الجهد التي سطرها بعض المخلصين من أبناء هذه الأمة بدمائهم وعرقهم.

والحق كذلك أن جهدًا كبيرًا بذله الأستاذ حسن دوح في سبیل تأليف هذا الكتاب في ظروف أصبح -السكوت- فيها هو الطريق الوحيد للحياة في أدنى مستويات الحياة!!

ولعلنا نعذره في أن معظم الأسماء التي اعتمد عليها كانت مبتورة.. تجعل قيمة الكتاب كوثيقة تاريخية قيمة محدودة!!

فالسبب معروف، وقد قلناه، ولا يخفى على أحد!

بقي أن أقف من المؤلف وقفة صديق لصديق وأقول:

إن الكتاب -مع أنه عمل جيد وجهد ضخم- كان لقطات غير مستوعبة، وغير محبوكة الإطار، فالصورة في الحقيقة لم تتوفر لها كل الرتوش، وكل المواد الخام اللازمة لإبراز وإحياء فترة مظلومة كهذه الفترة «٥١- ٥٢» من تاريخ شعبنا الذي کاد يلد طريقه الصحيح، لولا أن عاجلوه بالإجهاض!

وتحركت ريشة المؤلف كثيرًا في عمل الصورة، فغلبت الخاطرة والرأي.. على الحقيقة التاريخية التي كنا نريد لها أن تفصح عن نفسها. وللمؤلف الحق في أن يعبر عن نفسه، بل هذا شرط أساسي للعمل الجيد.

لكن أن تساق الموضوعات المتنوعة والمختلفة تحت عنوان واحد هو «كفاح الشباب إلخ».. نعم أن تساق بعض موضوعات كفاح الشباب، ثم يفصل بينها بفواصل كثيرة أخرى مثل: فصل لا بد منه- حريق القاهرة- أمنية- وفلسفة الاستعمار- واليهود في المعركة...  إلى آخر الموضوعات التي كان يمكن ربطها بالكتاب بطريقة أخرى... أن تساق الموضوعات على هذا النحو، فذلك ما يجعل ملامح الصورة غير محدودة.

ولا أدري هل أكون مصيبًا لو قلت: إن هذا الكتاب إنما هو مادة خام لعمل آخر ننتظره من الأستاذ المؤلف -الذي عاصر الأحداث- تتوفر فيه مواد خام أكثر وأجلى صورة أيضًا.. تتوفر فيه المنهجية والتنظيم على نحو أفضل وأكمل.

وليس من المبالغة القول: إنه لا بد أن تبدأ صفحات الكتاب القادم الأكثر غناء وكفاء بالصفحات الأخيرة من هذا الكتاب.. تلك التي تبدأ بعنوان: أمنية، وما بعدها.. ثم توضع الفواصل غير التاريخية في مكان مستقل، كما تساق صفحات كفاح الشباب في إطار متكامل بارز وواضح.

لقد عرفنا جميعًا روح المؤلف، ولقد لمسنا جميعًا قدراته البيانية والوطنية والإسلامية..

ولعل كل هذا يجعلنا أن نقدم إليه باسم المكتبة الوطنية والتاريخية والإسلامية الشكر على ما قدم، آملين أن يتابع السير في طريق «إظهار العلم» كي تظهر الحقيقة.. وكي تعلو.. وكي نتابع معه «كفاح الشباب»، في مواقع أخرى.. حية ومتجددة وإسلامية.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

541

الثلاثاء 24-مارس-1970

حول العالم

نشر في العدد 8

596

الثلاثاء 05-مايو-1970

حول العالم - العدد 8