العنوان كسوة الكعبة تاريخ مفعم بالذكريات
الكاتب مصطفى عاشور
تاريخ النشر السبت 16-ديسمبر-2006
مشاهدات 105
نشر في العدد 1731
نشر في الصفحة 56
السبت 16-ديسمبر-2006
شغلت الكعبة مكانة بارزة في الوعي العربي قبل الإسلام وبعده، فالكل اتفق على أن الكعبة بيت الله تعالى، وأن تعظيمها واجب وفرض، ومن مظاهر التعظيم كسوة الكعبة التي احتفوا بها كثيرًا.
ويرجع تاريخ الكسوة إلى مئات السنين قبل الإسلام وحتى الآن، ولذا تنوعت مواصفاتها تبعًا للعصور والإمكانات المادية والتطور.
والكسوة الحالية تنسج من الحرير الطبيعي الخالص المصبوغ باللون الأسود المنقوش عليه عبارات التوحيد، ويبلغ ارتفاع الثوب ١٤ مترًا، ويوجد في الثلث الأعلى من هذا الارتفاع حزام الكسوة بعرض ٩٥ سم، ويحيط الحزام بالكسوة كلها ويبلغ طوله ٤٧ مترًا.
أما ستارة باب الكعبة، ويطلق عليها البرقع، فمصنوعة من نفس قماش الحرير الأسود، وارتفاعها «٦,٥» مترًا، وعرضها «٣,٥» مترًا.
وتبطن الكسوة كلها بقماش خام قوي وتتكون من خمس قطع تغطي كل واحدة منها وجهًا من أوجه الكعبة، والخامسة هي الستارة التي توضع على الباب.
تاريخ الكسوة
ويرجع بعض المؤرخين تاريخ الكسوة إلى نبي الله إسماعيل عليه السلام، والمتفق عليه تاريخيًا أن ملك حمير تبع أبي كرب أسعد أول من كساها قبل أكثر من مائتي عام من الهجرة، وكساها أكثر من مرة وصنع للكعبة بابًا ومفتاحًا، وتبعه خلفاؤه في ذلك.
وعندما استوطنت قريش مكة كانت القبائل تتعاون في الكسوة، حتى جاء أبو ربيعة بن المغيرة المخزومي فكان يكسوها سنة وقريش سنة، فسمي بـ«العدل».
كانت الكعبة -قبل الإسلام- تكسى في يوم عاشوراء، ثم صارت تكسى في يوم النحر، وكانوا يأتون في ذي القعدة فيعلقون كسوتها إلى نحو نصفها، فتصير الكعبة كهيئة المحرم، فإذا حل الناس يوم النحر كسوها الكسوة الجديدة، وتعد نبيلة بنت حباب أم العباس بن عبد المطلب أول امرأة تكسو الكعبة في الجاهلية.
كسوة النبي
وكانت أول كسوة للكعبة في الإسلام في عام «٩هـ»، وكساها النبي ﷺ مرة واحدة في حجة الوداع بالثياب اليمانية، وأقر أن يتحمل بيت مال المسلمين نفقتها، واقتدى الخلفاء الراشدون بهذه السنة، فكانوا يكسونها بالثياب القباطية، وهي ثياب بيضاء تصنع في مصر، وكان عمر بن الخطاب ينزع ثياب الكعبة في كل سنة فيقسمها على الحجيج، ونالت مصر شرف صناعة الكسوة، فكانت تحاك في مدينة الفيوم.
اهتم الأمويون بالكسوة فكساها «معاوية» كسوتين في العام، كسوة الديباج تعلق يوم عاشوراء، وكسوة القباطي في آخر شهر رمضان، وكان أول من طيب الكعبة وأجرى لها الطيب لكل صلاة، وخصص لها عمالًا ليخدموها، وسار على سنته الأمويون.
واهتم العباسيون أيضًا بالكسوة فكانت تصنع من أجود أنواع الحرير، وتكسى في بعض السنوات ثلاث مرات في السنة، وعندما ضعفوا كانت الكسوة ترسل من بعض ملوك الهند أو فارس، أو اليمن، لكن ظلت مصر تختص بها.
وتنافست الأقطار الإسلامية بعد سقوط بغداد «٦٥٦هـ» على كسوة الكعبة، وبرز دور مصر خاصة في عهد الفاطميين واستمر حتى القرن «١٤هـ»، حيث كانت الكسوة ترسل من مصر كل عام.
وأوقف السلاطين المماليك أملاكًا كثيرة للكسوة، وهو ما أعطاها الاستمرار.
وعندما جاء العثمانيون إلى مصر ورثوا عن المماليك إعداد الكسوة، وكانوا يبالغون في زركشتها والاحتفاء بخروجها من مصر وزادوا في حجم الأوقاف التي تخصص للكسوة، وظلت الأوقاف المخصصة للكسوة في تزايد مستمر لمواجهة تكاليف ارتفاع الأسعار.
واختصت مصر بالكسوة الخارجية، في حين انفردت الدولة العثمانية بكسوة الكعبة الداخلية، وبقيت مصر تصنع أقمشة الكسوتين الداخلية والخارجية كلها إلى عام «۱۱۱۸هـ»، حيث حيكت كسوة الكعبة الداخلية في إستانبول، واستمر العثمانيون في إرسالها إلى عهد السلطان «عبد العزيز بن محمود الثاني».
وفي أثناء حكم محمد على باشا لمصر، فتوقفت مصر عن إرسال كسوة الكعبة ست سنوات، ولم ترسل إلا في «شوال ۱۲۲۸هـ» وانتهى أمر صناعة الكسوة في حي الخرنفش بالقاهرة.
في السعودية تم إنشاء مصنع «أجياد» لصناعة الكسوة بعد عام «۱۹۲۷م» وكان أغلب العاملين به من الفنيين الهنود مع بعض السعوديين، وفي عام «١٩٣٤م» غادر الفنيون الهنود المصنع، وكسيت الكعبة بأول كسوة سعودية، وكان عام «١٩٦٢م» هو آخر عام الإرسال الكسوة المصرية للكعبة، حيث أنشأت المملكة العربية السعودية في عام «۱۹۷۷م» مصنعًا جديدًا لكسوة الكعبة بمنطقة «أم الجود» بمكة المكرمة.
المحمل
كلمة «المحمل» غريبة على أذهان الكثير من المسلمين في الوقت الراهن، رغم شهرتها الواسعة في السابق، حيث كان المسلمون ينتظرون خروج المحمل الذي يحمل كسوة الكعبة بكثير من الشغف، ويتحينون الخروج ويحتفلون به، ويودعون المحمل بالأشواق والدموع، والتمنيات أن يكونوا ضمن الذاهبين إلى الحج وزيارة المشاعر المقدسة، ثم ينتظرون الشهور العودة المحمل بالكسوة القديمة التي يوزعون قطعًا منها على المساجد العتيقة وبعض الوجهاء.
والمحمل إطار خشبي كان يحمل في داخله ستارة الكعبة المشرفة وكسوتها، وكان يغطى بالحرير المزركش، ويأخذ شكل الكعبة في تكعيبها في نصفه السفلي، أما النصف العلوي فكان يأخذ شكل الهرم أو الخيمة حسب الفترة التاريخية التي كان يصنع فيها أو البلد القادم منها.
وكانت الجمال هي التي تسير في قافلة المحمل، إلا أن جملًا واحد كان يخصص لحمل كسوة الكعبة، وكان يصاحب المحمل في خروجه إلى الأراضي المقدسة وعودته منها احتفالات يشارك فيها الأمراء والأعيان والعلماء والشعب.
تقاليد
ومن التقاليد المتبعة أن جمل المحمل الذي يحمل هودج كسوة الكعبة المشرفة لا يركب فيه أحد، وذلك تقديسًا لما يحمل، وكان يوضع مصحف شريف في قمة هيكل المحمل؛ دلالة على الارتباط القوي بالذكر الحكيم.
أقدم المحامل
أما تاريخ خروج أول محمل على وجه التحديد فهو غير معروف، لكن عمومًا يعد المحمل الشامي أقدم المحامل من حيث النشأة والتي من المرجح أن تعود إلى الدولة الأموية.
كانت المحامل تتعرض للكثير من الأخطار، منها ما يتعلق بالطقس حيث كانت غالبيتها تسير في الصحاري القاسية، وتتعرض العمليات السطو المتكررة من البدو، بل تتعرض لبعض الأوبئة نظرًا لتقلبات المناخ وتغير البيئات، وكانت تحمل ما يعرف به الصرة والتي اختلفت حسب البلد الخارج منه المحمل أو الرخاء الذي تتمتع به، فكان حجمها ضخمًا يصل في بعض الأحيان «۲۰۰» ألف قطعة وكان بالمحمل -خاصة المصري- عدد من الوظائف فهناك «أمير المحمل» و«القاضي» و«رئيس حرس المحمل» و«أمين الصرة» إلخ.
وبعد إنشاء سكة حديد الحجاز صار المحمل النبوي أو موكب الصرة السلطانية يرسل عبر القطار، تماشيًا مع روح العصر آنذاك.
ويحتفظ المتحف الأنثوجرافي التابع للجمعية الجغرافية بالقاهرة بهيكل كامل للمحمل المصري، بعدما توقف إرسال المحمل بعد قيام ثورة يوليو ١٩٥٢م.
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل