العنوان كسبنا أوروبا وخسرنا شعبنا
الكاتب عبدالعزيز العمري
تاريخ النشر الثلاثاء 26-يونيو-1990
مشاهدات 64
نشر في العدد 972
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 26-يونيو-1990
في مقابلة له مع جريدة القبس الكويتية في 16/6/1990، أثار السيد صلاح خلف
«أبو إياد» العديد من المواضيع والقضايا المثيرة للجدل في الساحة الفلسطينية.
ويلاحظ من تصريحات وأقوال السيد خلف حجم النقلة التي حدثت في عقول القيادات
الفلسطينية، وحجم التبدل في المواقف والثوابت والتكتيكات والاستراتيجيات. ولأهمية
المقابلة، ولحساسية ما ورد فيها من أطروحات، دعونا نتوقف عندها قليلًا.
على ماذا حصلتم؟
السؤال الهام الذي طرحته القبس هو: «نبذتم الإرهاب واعترفتم
"بإسرائيل"، اعترفتم بالقرارين 242 و338، وعلى ماذا حصلتم»؟!
فأجاب أبو إياد: هذا صحيح، نعم الكل يسألنا عن ماذا حصلنا أو بالأحرى ماذا
قدمت "إسرائيل" مقابل ذلك.
ولكنني أذكر أنه لدينا في المنطقة جيش كبير من المتطرفين، جيش كبير من
«الإسلاميين المتطرفين»، جيش كبير من القوميين المتطرفين، وعندنا في المنطقة جيش
كبير من الإرهابيين من أبي نضال وجر. كلهم يطالبونك ويسألونك: ماذا فعلت؟
والذي يسألنا ليس الشعب الفلسطيني، بل أيضًا الشعب العربي، ويوجه إلينا اللوم في
مساجد عمان مثلًا، الشيوخ يقفون كل يوم جمعة، يشتمون بنا، ويقال فينا «ياسر عرفات
وزمرته» حتى في مخيمات اللاجئين أصبحوا يقولون عنا: نحن قدمنا كل شيء دون مقابل!
ومن الواضح أن السيد خلف لم يجب هنا على السؤال وحاول الانعطاف عنه. ومن
الواضح كذلك حجم القلق من الوجود الإسلامي والشعوب العربية حوله، أمر لم يعد
جديدًا، كما لم يعد خافيًا خوف القيادات الفلسطينية الرسمية منه، بل وتحذيرها
للغرب و"إسرائيل" من الخطر الإسلامي و«التطرف» الإسلامي. لكن المثير
للانتباه فعلًا هو ذاك الشعور الذي بات حقيقة واقعة، وباتت القيادات الفلسطينية
والمؤسسات الرسمية تفكر به بصوت مسموع «ومقروء أيضًا»، وهو الموقف الشعبي
الفلسطيني الذي يعبر الآن عن استيائه وعن غضبه من كل المواقف والأطروحات التراجعية.
وهذا يشكل هاجسًا فعليًّا وحقيقيًّا؛ لأن الخسارة خسارة الشعب، وخسارة تأييده
وتلاحمه يقدح بالمصداقية والشرعية مباشرة، ويجعل المواقف والأطروحات الرسمية لا
تمثل إلا أصحابها.
كسبنا أوروبا وخسرنا شعبنا
ثم كررت القبس السؤال: «صحيح، على ماذا حصلتم؟!» فكان أبو إياد هذه المرة
أكثر وضوحًا وصراحة في تبيان نتائج النهج السلمي والبرنامج السياسي وما يسمى «هجوم
السلام الفلسطيني» حيث قال: «نحن كسبنا أوروبا، سياسيًا بدأت تحترمنا كمنظمة
«عاقلة» و«معتدلة»، كسبنا قسمًا كبيرًا من الرأي العام في أمريكا». هذا هو ما
حققته المنظمة، وهذا هو «الأجر» و«الثمن» للمواقف الفلسطينية الرسمية من تنازلات
واعتراف وإدانة إرهاب وتجميد العمل العسكري.
أفقد مصداقيتي!!
وفي المرة الثانية، سألته القبس: ماذا يعني ذلك؟ أين حقوقنا؟، على ماذا
حصلنا؟ فيجيب: «معك الحق، وهذا الذي أقوله، هذا شعور المواطن العربي. وصحيح قولك،
أن هذا الموقف لا يعطينا سنتيمترًا واحدًا من أرض فلسطين، ومن هذه النتائج تعطي
أبا العباس وأبا نضال وحماس والإخوان المسلمين الفرصة ليقولوا: هذا الطريق غير
صحيح، ولا يصل إلى الذي نريده، وعلينا أن نأخذ طريقًا آخر. أنا مقتنع بالحوار من
أجل السلام وبهذا الطريق، ونحن مقتنعون وسوف نظل متمسكين بها، ونحن نعرف أنه حتى
لو قامت حرب "إسرائيلية" عربية لن يكون شعار أي حرب أكثر من شعار
«دولتان» في فلسطين، فموازين القوى العالمية لا تسمح بغير هذا الحل. واللي هو عنتر
أكثر من هكذا يتفضل ويقول لي كيف، وأنا أقر أنه من خلال مبادرة السلام هذه أفقد
مصداقيتي عند شعبي، ولكن العالم يؤيدني، وما الفائدة من خسارة تأييد العالم؟!
والحقيقة أن هذه التصريحات والأقوال توضح حجم النقلة في التفكير، وحجم
التبدل في الأهداف، وحجم الخلط في الأولويات. الشعب، فتأييد أوروبا وأمريكا، (الكل
بالكل) كما يقولون، أصبح تأييدها أهم من تأييد الشعب الفلسطيني نفسه. وغاب عن
هؤلاء أن تأييد أوروبا وأمريكا سيتحقق في حالة واحدة فقط، في حالة استجابة الطرف
الفلسطيني بالكلية للمطالب والشروط الغربية و"الإسرائيلية". ونسي هؤلاء
أن ملة الكفر واحدة، وأنه ﴿وَلَن تَرۡضَىٰ عَنكَ ٱلۡيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ
حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمۡۗ﴾ (البقرة:120)، كما غفل هؤلاء أن الشعب الفلسطيني
الذي يستهان بتأييده وبمواقفه وبتوجيهاته وبمشاعره هو الذي يعطي الشرعية، وهو الذي
يزيلها، وأنه يعطي الثقة، وكذلك يحجبها، ويبدو أن أمريكا والغرب
و"إسرائيل" قد نجحوا بشكل كبير في استدراج المنظمة إلى هذه المرحلة من
أجل عزلها عن الشعب، وعند ذلك يسهل ضربها أو تهميش دورها وتجاوزها، وساعتها لن
يبكي عليها أحد.
متحضرون!!
وعند سؤاله بأن مبادرة السلام منذ سنتين كانت من نتيجتها حكومة
"إسرائيلية" متطرفة لم تقم في كل تاريخها، أليس كذلك؟! أجاب قائلًا: لا
لا صحيح أن الحكومة "الإسرائيلية" هي حكومة حرب، ولكن هذا ليس دليلًا
على أن مبادرة السلام هي سبب ذلك، لا لا بالعكس، هذا دليل بأن المجتمع
"الإسرائيلي" ما زال فيه تخلف ويركض وراء العقلية السائدة، هي عقلية
الحرب، هي عقلية التوسع ومزيد من الهجرة، ونحن بمبادرتنا للسلام كشفنا ذلك، ونحن
بمبادرتنا للسلام أثبتنا للعالم أن العرب والفلسطينيين حضريون ومتحضرون ويريدون
سلامًا واقعيًّا قائمًا على أسس دولتين، وهؤلاء لا يريدون سوى استسلام ضمن مطامعهم
الخاصة بهم. وكأن المطلوب من جهادنا ومن ثورتنا ومن شعبنا هو كشف حقيقة
"إسرائيل" وأطماعها، وكأن هذه الحقيقة وتلك الأطماع التوسعية تحتاج إلى
إثبات أو إظهار، ثم ما حكاية أننا أثبتنا للعالم أننا متحضرون، وهل التحضر هو
بالتنازل عن 77٪ من أرضنا؟ وهل التحضر هو بتغيير جلودنا؟
الضريبة الباهظة:
الحقيقة أننا كإسلاميين كنا ننصح دائمًا ونحذر من مغبة الانجرار إلى هذا
«الكمين»، كمين الحلول السلمية ومستلزماتها ومتطلباتها أمريكيًّا
و"إسرائيليًّا"، لأنه كان واضحًا لدينا وضوح الشمس في رابعة النهار أن
الحل السلمي السياسي التسووي يتطلب الكثير، ثم هو لن يوصل إلا إلى سراب؛ لأن
أعداءنا استدرجونا -بنجاح- للتعاطي مع ذلك تمهيدًا لعزلنا عن الجماهير ومن ثم
إلغائنا وشطبنا من معادلة المنطقة. وكنا باستمرار -وحتى الآن- نشفق ونحزن على
إخواننا وبني قومنا لأننا نرى يوميًّا «الضريبة الباهظة» التي يدفعونها نتيجة
النهج الذي تبنوه، هذه الضريبة التي تمثلت بـ«تحريك الثوابت» و«تخفيف الأهداف».
وفي ظل ذلك حققت كل الأطراف أهدافها، إلا الطرف الفلسطيني الرسمي، فلم يحقق شيئًا
وخسر كل شيء بكل ما تمثله هذه الكلمة من معانٍ.
تعالوا إلى كلمة سواء
نحن الإسلاميين، نقول ذلك بإشفاق، لأننا نتمنى أن يعيد إخواننا في المنظمة
حساباتهم، ويخاطبوا شعبنا بدلًا من مخاطبة أمريكا وأوروبا، ويحرصوا على تأييده
أكثر من حرصهم على كسب الغرب والشرق. نحن الإسلاميين مطمئنون إلى طريقنا، واثقون
بصحته وصوابه، والأيام تؤكد باستمرار أن المنهج الإسلامي الأصيل الذي نتبناه
ونتميز به هو المنهج الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأنه
المنهج الوحيد القادر والصالح للتعامل مع القضية الفلسطينية وكل قضايا العالم.
ولعل التلاحم الرائع لأبناء شعبنا الفلسطيني حول هذا المنهج ممثلًا بحركة المقاومة
الإسلامية «حماس» دليل آخر على أن هذا المنهج هو المنهج الواقعي حقيقة والمنطقي،
وليس منهج التنازل والتراجع. ولعل التحولات الإيجابية في أكثر من قطر عربي باتجاه
إعطاء الثقة للإسلام والإسلاميين، لعل هذا يؤكد أن شعبنا -كما شعوب المنطقة- لا يعطي
ولاءه إلا للإسلام، ولا يعطي قيادته إلا للإسلاميين. هذه القضية مطلوب من الإخوة
في المنظمة دراستها جيدًا، وإعادة حساباتهم على أساسها، إذا أرادوا أن يحققوا
شيئًا تقدره الجماهير، وإلا فإن حالهم سيكون كصاحبنا الذي «رجع بخفي حنين».