العنوان كرامة سجين
الكاتب سلمان فهد العودة
تاريخ النشر الجمعة 30-نوفمبر-2012
مشاهدات 1
نشر في العدد 2028
نشر في الصفحة 50
الجمعة 30-نوفمبر-2012
بقلم: د. سلمان بن فهد
العودة
حين تصبح سجينًا تتحول
من إنسان إلى رقم مجرد: تُنزع منك بقايا الحرية فيصبح نومك، وأكلك، وشربك، ووصالك
ووضووك، و.. و.. بيد غيرك.
تعزل عن العالم فلا
تعرف القريب أو البعيد من الأحداث حتى ولادة زوجتك أو مرض أبيك أو وفاة عمك أو كسر
ذراع طفلك!
تصبح معلقًا بالإنتظار
فقط.. متى تفتح نافذة الطعام؟ ومتى تذهب للتحقيق؟ ومتى يأتي «المقضي» أو «المشمس»؟
ومتى سوف تفتح الزيارة؟ ومتى.. ومتى..؟
يومًا فيومًا تشعر بأنه
لا أهمية لك البتة ولا أحد يعنيه أمرك وتدرك أن قاطرة الحياة تسير من دونك، وكل
الناس منهمكون في أعمالهم غير مكترثين لك.
وتبدأ التساؤلات الصعبة
تثور في الأعماق:
أَوَ لَمْ يَكُنْ خَيْرًا
لِنفسِي أَنْ أُرَى..... مثل الجُموعِ أَسيرُ فِي إِذْعانِ؟
ما ضَرَّني لَوْ قَدْ
سَكَتْ وَكُلَّما...... غَلَبَ الأسى بِالْغُتُ فِي الكِثْمَانِ؟
وَالظُّلُمُ بِاقَ لَنْ
يُحَطْمَ قَيْدَهُ...... مَوْتَى وَلَنْ يُودي به قُرْباني
وَيَسيرُ رَكْبُ
الْبَغْيِ لَيْسَ يَضِيرُهُ... شاةً إِذا أَجْتُنَّتْ مِنَ القِطْعَانِ!
كرامة سجين
حين ينادى في السماء
بفتح الأبواب تجري على الأرض أحداث غريبة ربما لا تظهر علاقتها بالأمر ولكنها تحضر
الجو لفرج قريب.
الشفاعات كلها ذهبت
أدراج الرياح والخطابات والمقابلات، واللاءات والولاءات.. وكل ماهو آت آت!
أسم «الفتاح» الذي هتف
به؛ ملهوفون، ومحروبون، ومكروبون.. تفتحت له أبواب السماء من حيث لا يحتسبون،
وبدأت العجلة المتوقفة تتحرك ببطء ثم تتسارع قليلًا قليلا .
يخرج السجين (ص) فيفرح
به أهله وفي النفوس غصة، وفي عيون الأطفال تساؤل، وفي قلوب الأمهات جراح لا تندمل.
لماذا؟ وماذا؟ وهل؟
الجيران يتحاشون اللقاء
خوفًا من العيون المتلصصة ومن يضطر للسلام يلمح عن الإنتقاد بكلمة «الله يهديك!».
إذًا أنت على غير طريق
سالك.
الأصدقاء أنفضوا
والجماعات تفرقت... الوظيفة قد سُحبت، وعليك أن تبحث بنفس طويل عن عمل، ومن ذا
سيقبلك؟ أو أن تقبل مد اليد أو أن تكون عالة على أسرتك ووالدك!
أعزب يشك أنه يمكنه
الزواج في وضع كهذا أين يسكن؟ من أين يعيش؟
حتى فكرة من أنت؟ وما
تاريخك؟... قائمة لدى بعضهم!
الدراسة مقطوعة والجو
أصبح بعيدًا وغير مألوف.. كيف سيعود؟
خرج من سجن ضيق يوفر له
السكن والطعام ويعفيه من التطواف.. إلى سجن كبير يلاحقه حيثما ذهب، ويحمله مسؤولية
نفسه دون أن يوفر له أسباب النجاح.
قد يجد في رفاق الدرب
الذين شاركوه ألم المعاناة وفرحة الإفراج إمتدادًا طبيعيًا، وتقاربًا فكريًا.
وسيكون إستذكار ما حدث
وجمعه وإحياؤه في الذاكرة مادة جوهرية لقضاء الوقت.
كما الحديث عن المستقبل
والبدائل على ضوء حضور العقل الجمعي الذي يحدد المسارات، ويرسم المعالم، ويذلل
الصعاب.
ما معنى أن تخرج سجينًا
وتتركه يواجه صعوبات الحياة بمفرده، وأنت تعزله عن فرص النجاح أو - على الأقل - لا
تبالي به نجح أم أخفق؟!
أين دور رجال الحي؛
الذين يجب أن يستوعبوا المولود الجديد، ويعيدوا إليه إحساسه بالكرامة؟ ويحسنوا
التوجيه بعيدًا عن التوبيخ والتغيير والتعنيف واللوم المكرور!
هل نملك ثقافة إعادة
الكرامة الإنسانية إلى إنسان ظل محرومًا منها لسنوات، أم سنزيده هوانًا وإحساسًا
بفقدان الإنتماء؟
كيف نستغرب أن نسمع عن
حالة تسلل إلى ميدان يلائمه أو صدام جديد أو إنعزال أو إنطواء؟
إذا لم نشعر بمشاعره
ونقف معه و نسنده...
فعلينا ألا نفرط في
التوقعات الوردية هلم بنا الآن نزور مفرجًا عنه، ونهنئه بالسلامة، ونضاحكه، ونتبسط
معه.. دون أن يكون هدف الزيارة نصيحة أو نقدًا أو تقويمًا لشخصيته، وما كان وما
صار.
دعونا نكف عن الإتهامات
الجزاف والتصنيف المتسرع، ونعود إلى حفظ كرامة الإنسان، وأخوة المسلم، وحسن الظن
به وتوقع الأفضل منه.
دعونا نساعده في بناء
المستقبل، وتذليل الصعاب، وإعادة اللحمة، وتجاوز الماضي. حين نشهد حالات إفراج
متعددة فعلينا أن نسرّ بها، وفي الوقت ذاته أن نتساءل عن دورنا وواجبنا تجاه هذه
الأرواح المضحية التي تبحث عن الطريق فتخطئ وتصيب.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل