العنوان كتب عليكم الصيام.. كتب عليكم القتال.. لماذا تطبيق الأولى وترك الثانية؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 24-أغسطس-1976
مشاهدات 88
نشر في العدد 314
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 24-أغسطس-1976
في العالم اليوم مليار انسان- تقريبًا- ينتسبون إلى الإسلام ويصوم خلق كثير من هؤلاء شهر رمضان كما صام خلق كثير شهر رمضان الماضي، فهل حدث تحول حقيقي في حياة المسلمين ما بين رمضان المنصرم ورمضان الحالي؟
هل حدث تحول يليق بمعنى الصوم وقيمته ويعبر عنه في إرادة التغيير والتحرر والتصميم.
الواقع يقول: إن هذا التحول لم يحدث وأن حياة المسلمين هي هي، في الجانب النفسي والواقع الاجتماعي والنمط الاقتصادي والوضع السياسي ولكن لا يكون الصيام ألفًا وعادة، وعرفًا اجتماعيًا موسميًا تلزمنا جدية الإسلام وعظمة الصيام بأن نسأل: لماذا تغدو شهور رمضان وتروح بينما حال الأمة متجمد في مكانه أو نازل إلى تحت في الخط البياني الذي يرصد حركة التقدم الفكري والعقائدي والنفسي والاجتماعي طبعًا، لا يعني هذا الكلام عدم التقدير لصيام الصائمين.
فإقبالهم على أداء هذه العبادة الجليلة دليل على الخير في نفوسهم، ودليل على الاستعداد والتهيؤ للاستجابة لأمر الله تعالى ونسأل الله أن يتقبل منهم وأن يزيدهم من فضله..
على أن هناك مسألتين منهجيتين ليس من مصلحة المسلم ولا من مصلحة الإسلام إغفالهما:
• المسألة الأولى: أن الموضوع ليس شخصيًا محصورًا في دائرة الذات، كأن يعكف المسلم على تطهير نفسه وينجو بشخصه ولا يهمه بعد ذلك أمر الأمة العام- فيصبح كبعض الماء، طاهرًا في نفسه غير مطهر لغيره.
• والمسألة الثانية: أن الإسلام دين تؤلف بين أجزائه وتشريعاته وشعائره- وحدة المبادئ- ووحدة الالتزام بها بالتالي فالعقيدة مرتبطة بالعبادة، وهاتان مرتبطتان بالتشريع، والتشريع مرتبط بالسعي لإعلاء كلمة الله، وهذا السعي مرتبط بالموقف العملي الذي يجب على المسلم أن يقفه في الجهاد والسياسة والفكر.. إلخ.
• إن الصيام مؤشر إلى الاستجابة لدعوة الله ورسوله فإذا توقفت الاستجابة عند الصوم وحده، ثبت أن هناك خللًا في الفهم والالتزام.
خلل قد يكون مصدره الهوى الذي يحمل صاحبه على أن يأخذ من الكتاب ما يهوى، ويدع ما لا يهوى.
وقد يكون مصدره - الفهم الناقص - للإسلام أو التصور المشوش.
إن آيات الصيام - في سورة البقرة - وردت في سياق يؤكد - وحدة التشريع - كما يؤكد - وحدة - الخضوع لهذا التشريع.
بدأ السياق ينفي أن يكون- البر- مجرد تولي الوجوه قبل المشرق والمغرب- وقرر بأن البر هو الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وإيتاء المال- على حبه - ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب.
قرر بأن البر هو إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والوفاء بالعهد والصبر في البأساء والضراء وحين البأس.
ثم معنى السياق يخاطب المؤمنين ويكتب الله عليهم ويلزمهم بالأخذ بتشريع الله تعالى
• في القتلى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِصَاصُ فِي ٱلۡقَتۡلَىۖ﴾ (البقرة:١٧٨)
• وفي القصاص بوجه عام ﴿وَلَكُمۡ فِی ٱلۡقِصَاصِ حَیَوٰةࣱ یَـٰۤأُو۟لِی ٱلۡأَلۡبَـٰبِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة:179)
• وفي الوصية حين حضور الموت: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة:180). وبين هذه التشريعات وفي سياقها يأتي تشريع الصيام:
﴿یَــٰۤـأَیُّهَا ٱلَّذِینَ آمَنُواْ كتب عليكم الصيام كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَـتَّـقُونَ﴾ (البقرة:183)
ويعقب آيات الصيام تشريع مالي:
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة:188)
ويعود السياق إلى قضية البر: ﴿وَلَیۡسَ ٱلۡبِرُّ بِأَن تَأۡتُوا۟ ٱلۡبُیُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰۗ وَأۡتُوا۟ ٱلۡبُیُوتَ مِنۡ أَبۡوَ ٰبِهَاۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ (البقرة :١٨٩)
ثم يورد السياق تشريعًا عن القتال: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (سورة البقرة: 190)
انظروا
- تصحيح مفهوم البر
- القصاص في القتلى
- القصاص بوجه عام
- الوصية
- الصيام
- القتال
كل ذلك في عقد تشريعي واحد تؤلف بينه وحدة المصدر ووحدة المبادئ ووحدة الاتجاه فكيف يحل لمسلم بعد ذلك أن يفرق بين أية وأية.
كيف يحل له أن يلتزم بتشريع الصيام ولا يلتزم بالتشريعات الأخرى، وهي جميعًا من القرآن الكريم؟
وهذا التناقض وضع أفرادًا ودولًا في وضع مضحك
من الأفراد من يمارس الصيام وفي نفس الوقت يتعامل بالربا.
والدول في العالم الإسلامي تحتفل بمقدم رمضان وبمناسباته وبنهايته. وهي نفسها التي رفضت تشريع الله في القصاص والمال والجهاد.
هي نفسها التي جعلت أنظمتها وحكامها لله ندًا فأحلت ما حرم الله.
هي نفسها التي توالي أعداء الله وتبالغ في طاعتهم والالتزام بأوامرهم.
كتب عليكم الصيام
كتب عليكم القتال
وفي جو هذا التناقض الصارخ نسأل مجددًا: لماذا تطبق آيات الصيام (كتب عليكم الصيام وتترك- في الوقت ذاته- آيات القتال: «كتب عليكم القتال»
إن الصيام فطم للنفس عن شهوات البطن والفرج
أما القتال فهو فطم للنفس عن الذل والخنوع، والهوان والولاء المشرك والفرار من الموت والتولي يوم الزحف، والرضا بالقعود مع الخوالف.
لماذا صام المسلمون عن شهوات البطن والفرج ولم يصوموا عن الذل والخنوع والهوان والولاء المشرك والفرار من الموت والتولي يوم الزحف والرضا بالقعود مع الخوالف؟ إن واحدًا من الأهداف العظيمة للصيام تحرر الإرادة من ضغوط الرغبات النفسية والجسدية، وكان من الطبيعي أن يعين الصوم على الإقدام والتضحية وقتال أعداء الله، ذلك أن واحدًا من أهداف القتال العظيمة، تحرر الإرادة من ضغوط الخوف، وتحرر العزم من مثبطات الحرص على الأجل.
لقد دخل رمضان فوجد أمتنا مقهورة مهزومة قهرها أعداؤها الخارجيون، وقهرها حكام من جلدتها يتكلمون بألسنتها أشداء على المؤمنين رحماء مع الكافرين.
لا بل أدوات للقوى الخارجية المعادية وهذا المصير الذليل نتيجة لترك الجهاد في سبيل الله وحتى لا يستمر هذا الوضع الخانع ربطت معاني الصوم- والعبادات عمومًا- بمعاني الجهاد.
فالذين ضحوا بملذات الحياة في نهار رمضان يستطيعون أن يضحوا في سبيل الله بأنفسهم التي هي واحدة من ملذات الحياة والصراع المركزي والرئيسي مع اليهود فحقيقة القضية هي صراع بين الإسلام ويهود.
ثقوا: بأن رمضان هذا سيمر ومائة رمضان بعده ستمر وربما يزيد عدد الصائمين ولكن حال المسلمين ستظل كما هي ما لم يغيروا ما بأنفسهم وما لم يعودوا إلى الجهاد ويفطموا أنفسهم عن الذل والموت قادم لا محالة والذي لا يموت عزيزًا سيموت ذليلًا.
الموت قادم لأن أعداءنا دخلوا في مرحلة التصفية الجسدية لاتباع الإسلام.
التصفية الجسدية ليس للنخبة الإسلامية فحسب وإنما لعامة المسلمين.
الموت قادم لأن ما يجرى في لبنان لا يترك مجالًا لأي وهم يزعم أو ينفي قدوم الكارثة.
وفي لبنان- وفي الحياة عمومًا – ناس يموتون في الميدان وناس يموتون في البيوت مختبئين تحت الأسرة، وناس يموتون في الشوارع بسبب حادث أو بسكتة قلبية.
وفرق بين هذه الميتات
الموت قادم ولن ينفعكم الفرار من الموت أو القتل، والشجاعة لا تقصر الأعمار، والخوف لا يطيلها، ولا علاج لهذا الداء إلا الإقدام والاستهانة بالموت.
ولنقرأ معًا- وفي سورة واحدة- هي سورة البقرة:
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 216)
﴿یَــٰۤـأَیُّهَا ٱلَّذِینَ آمَنُواْ كتب عليكم الصيام كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَـتَّـقُونَ﴾ (البقرة:183)