; المُجتَع الثقافي | مجلة المجتمع

العنوان المُجتَع الثقافي

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 01-مايو-2010

مشاهدات 77

نشر في العدد 1900

نشر في الصفحة 50

السبت 01-مايو-2010

المُجتَمع الثقافي

أحسن ما كتبت: كتاب قديم جديد ( ٢ - ٤ )

كتابات الأدباء في رثاء سعد زغلول

عبد العزيز البشري وطه حسين كتبًا عن سعد زغلول ووضعاه في صورة مثالية لا تشوبها شائبة من خطأ أو قصور كأنهما يريدان أن يكون نموذجًا تقتديه الأمة

مبالغة طه حسين تأتي في السياق العاطفي الذي يحتفظ فيه السعد بالجميل مذ وقف معه ضمنيًا في أزمة «الشعر الجاهلي»

إعداد: مبارك عبد الله

أ.د. حلمي محمد القاعود «*»

مع أن الموضوعات كانت «بنت المرحلة»، ووقع بعضها تحت ضغط الأحداث السياسية أو العسكرية أو العلمية أو الثقافية التي جرت عند تحريرها؛ فقد حرصت على إبراز الجانب الإنساني الذي يبرز القيمة المشتركة في النفوس البشرية تجاه بعضها، وتجاه الحاضر والمستقبل، من خلال إحساسها بالماضي وتأثير تجاربه على الواقع. 

تأمل مثلًا تأثير وفاة «سعد زغلول» على كتاب تلك الفترة الكبار، وإحساسهم تجاهه على المستوى الإنساني والسياسي.. لقد كتب عنه الشيخ عبد العزيز البشري وطه حسين، وهما من هما تفوقًا أدبيًا وإثارة فكرية، ليضعاه في صورة مثالية لا تشوبها شائبة من خطأ أو قصور، كأنهما يريدان أن يكون نموذجًا تقتديه الأمة من خلال شبابها وأبنائها لاستكمال الحلم من أجل الاستقلال وبناء مصر، ولذا لم يشر أي من الكاتبين إلى النواحي السلبية التي ركز عليها المعارضون السعد سياسيًا، وأسسوا عليها حزبًا يتكون من المنشقين والمختلفين معه، ولعل ما ساعد على تقديم «سعد» في الصورة المثالية، هو أن ما كتب كان رثاء يصعب أن يتضمن انتقادًا له، أو رصدًا لمثالبه انسجامًا مع التقاليد التي تقضي بذكر المحاسن.

 

الرئيس الجليل

كما كتب عنه «محمد الغنيمي التفتازاني»، وهو قيادة شعبية من مشايخ الطرق الصوفية، ويحظى بوضع شعبي مهم لدى أتباعه الكثيرين، فقد كتب عن «سعد» بعد عودته من المنفى، ومفاوضة الإنجليز الغزاة، فوصفه بالرئيس الجليل، مؤكدًا ذلك الوصف أكثر من مرة، كما وصفه بالرئيس الكريم العظيم، وأوضح أن مصر طواعية لا كراهية، مدفوعة بدافع الحب والاحترام، لا بدافع الرغبة والإرغام، قد استحالت كلها مظاهرة «وحفت من حولك تستقبلك وتحييك وتهنئك بتوفيق الأوبة السالمة وتفديك، ثقة منها بسداد رأيك، وثقوب ذهنك، ونيل مسعاك»..

ويطلب «التفتازاني» من «سعد» أن يكون لمصر كما خلق «عاريًا من كل ثوب إلا مجدهًا مجردًا من كل نصير إلا جندها». 

وهكذا نجد «سعدًا» الزعيم والرئيس والعظيم والكريم، واقعًا غير مشكوك فيه، لدى كتاب زمانه مهما تباينت أهواؤهم، وتغايرت اتجاهاتهم، فقد أجمعوا على تميزه، وتفوقه، وأمانته في مهمته الوطنية، وقضيته السياسية ..

كان سعد زغلول أزهريًا درس الحقوق وكان من تلاميذ جمال الدين الأفغاني، مع محمد عبده، وعبد الله نديم، وأديب إسحاق، وغيرهم، ممن حركوا مياه النهضة الحديثة في شتى مجالات الفكر والأدب والسياسة والصحافة، وقد دفعت الجماهير «سعد زغلول» ليكون رمزًا لثورة ۱۹۱۹م، وتولى الوزارة، فشارك في تأسيس نظام يعمل من أجل الاستقلال وبناء دولة ذات تقاليد، وتوفي عام ۱۹۲۸م، وكانت وفاته صدمة للشعب، عبرت عنها الصحافة والأقلام بصورة متعددة، أجمعت في نهاية المطاف على زعامته وتميزه..

يقول البشري: «بحسبك أن تراه لتعرف أنه «سعد» ولو لم يومئ إليك أحد بأنه «سعد»، وكيف يختلط عليك أمره، وهذه يد القدرة قد دلت عليه بدلائل تنبئك بأنه وإن كان من الناس، إلا أنه «أعظم» الناس؟!». 

ويضيف في ختام مقاله: «فإذا أردت أن تصف للناس سعدًا، فلن تستطيع أن تصفه بأبرع من لفظة «سعد»، فقد جمعت من وجوه المعاني ما لا يبلغه الكلام، وإن قدرته العقول، وتعلقت به الأفهام».

وإذا كان البشري قد جعل عنوان مقاله وصفًا لسعد زغلول «حضرة الرئيس»، فإن طه حسين، جعل عنوان موضوعه «عظيم..» مكتفيًا بهذه الكلمة الدالة الموجزة التي تجمع كثيرًا من الصفات تحت إهابها، ومنها ما قاله طه حسين في مفتتح المقال:

«كان حازمًا إذا قال أو فعل، وكان عازمًا إذا همّ أو مضى، وكان أبيًا إذا سيم الضيم، عصيًا إذا دُعي إلى الخسف، عزيزًا إذا أريد على الهوان: جمع الله له قلبًا زكيًا وأنفًا حميًا، وضميرًا نقيًا وخلقًا رضيًا، ولسانًا صيرفيًا، صارمًا كحسام السيف ما مس قطع. 

ثم رماه بالأحداث والخطوب فلم تلن قناته، ولا فلت شباته، ولا صدعت صفاته، ولا صرفته عما رسم لنفسه من طريق، ثم رمي به الأحداث والخطوب، فلم تثبت له، وإنما ولت عنه نافرة، وانهزمت أمامه ممعنة في الفرار».

ولا يكتفي طه حسين بوصف «سعد» بالعظمة، بل يجعله أعظم أبناء مصر قديمًا وحديثًا، يبكيه المصريون، ويأسى لفقده الإنجليز «!». يقول طه:

«ثم يقضي هذا الرجل العظيم فتبكيه مصر كلها، لأنها فقدت أعظم أبنائها، لا في عصرها الحديث، ولا في عصورها الوسطى، بل منذ فقدت استقلالها في التاريخ القديم، ويأسي لفقده الإنجليز الذين خاصموه وقاوموه وضاقوا به وسلطوا عليه ألوان الكيد وفنون العذاب، لأنهم فقدوا خصمًا كريمًا قد كان يوشك أن يكون لهم صديقًا حميمًا، وأن يجعل لهم من الشعب المصري صديقًا حميمًا أيضًا». 

وواضح أن مبالغة طه حسين، تأتي في السياق العاطفي الذي يحتفظ فيه «طه» لــ «سعد» بالجميل، وهو جميل مركب يبدأ من وقف «سعد» مع «طه» ضمنيًا في أزمة «الشعر الجاهلي»، إلى فضله عليه في أمور أخرى، وإن كان «طه» قد انحاز بعد رحيله إلى خصوم «سعد» والوفد، وكان كاتبهم المفضل في جريدة «الأحرار الدستوريين». 

ومهما يكن من أمر؛ فإن البشري وطه حسين ومثلهما كثير من الكتاب والشعراء رأوا في سعد زغلول نموذجًا للزعامة، والقيادة والنموذج الذي ينبغي على أجيال المصريين أن تتأسى به وتقتدي، فهو كتاب «خالد» لم يضعه الدهر لجيل بعينه، ولا لشعب بعينه، وإنما وضعه للأجيال جميعًا، والشعوب جميعًا، كما يقول طه حسين، فإذا ذكره المصريون اليوم أو غدًا، فإنهم لا يحسنون بذلك إلى «سعد» كما يحسنون إلى أنفسهم. 

ولعل العقاد في كتابه «سعد زغلول: سيرة وتحية»، مع أنه كان وفديًا صميمًا، قبل أن ينشق على الوفد، كان أقرب إلى الموضوعية، حين وضع «سعدًا» في صورة إنسانية واقعية، دون مبالغة، مع تعبيره عن حبه العظيم له. 

و «سعد» في كل الأحوال، كان سياسيًا بارعًا، ينطلق من ظروف الواقع، ويقدرها عند تحقيق أهدافه وغاياته، ولم يكن مثاليًا حالمًا يتحرك في فراغ لا يستطيع أن يحقق من خلاله شيئًا ومذكراته التي نشرت مؤخرًا، واعترف فيها ببعض الجوانب السلبية في حياته، تشير إلى واقعيته التي جعلته يتحول من خصم لدود يكرهه الإنجليز، إلى خصم كريم أوشك أن يتحول إلى صديق حميم لولا أن عاجله الموت، كما يقول طه حسين.◘

 «*» أستاذ الأدب والنقد - مصر

واحة الشعر

عتاب ميت

شعر: عبد الرحمن محمود مليجي

سألتَ الصفح عن ذنب                                   فقلنا علـــَّه تابا

وهذا الصفحُ مبذولٌ                                     وأُهدي الصفح أصحابا

وهذي فرصةٌ أخرى                                      وكان الله توابًا

فلَم تُقلع عن الذنب                                   وظنّي اليوم قد خابا

وجُرحي كم يؤرَّقُني                                     ورأسي اليوم قد شابًا

وصرتُ اليوم من حزني                              لصدق القول مرتابًا

فهل أقسى من الشعرا                                 ء أسنانًا وأنيابًا

بلَفظ تَرسُم الشعر                                   بلحن صار جذَّابا

وبعض الشعر قد يُغوي                          بحرف صار كذابًا

أتزعم حُبَّنا قولًا                                  وافصاحًا وإعرابًا

فقولُ الشعر قد يبدو                          خيالات وألعابًا

يسيل الشعرُ من فيك                        فيحيي السيلُ إجدابًا

وكم لم تعرفوا أني                                      أجوب الأرض أقطابًا

أفتَشُ عن كُلَيماتي                                      أبثُّ الشوقَ إعجابًا

صريخ الصوت لا يجدي                          إذا ما الصَّم قد عابا

أبَعدَ الموت تهواني                                   تنادي ليته آبًا

وترثي حبنا شعرًا                                  ببحر الحزن إلهابًا

وبَعدَ الموت لا يُجدي                          وصال الصحب أصحابًا

فإن لم تبكني حيًا                                   بدمع سال منسابًا

فأمسك دمعك الغالي                             إذا ما الموت قد صابًا

حنانَيكم فلا تبكوا                                  فتشكو العين إنضابًا

فجنة ربنا تحلو                                    ويروي المسك أعشابًا

ورب العرش حلاها                              من الثمرات أطيابًا

وأبدع في حدائقها                                شجيرات وأعنابًا

وأنشأ في مساكنها                              حسانَ الحور أترابًا

وإن الغل منزوع                               وهذا القلب قد طابا

ويلقى بعضنا بعضًا                          بظل العرش أحبابًا

الرابط المختصر :