; (فلسطين المحتلة) كتائب القسام تنتقم لشهداء مجزرة الخليل | مجلة المجتمع

العنوان (فلسطين المحتلة) كتائب القسام تنتقم لشهداء مجزرة الخليل

الكاتب عاطف الجولاني

تاريخ النشر الثلاثاء 19-أبريل-1994

مشاهدات 69

نشر في العدد 1096

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 19-أبريل-1994

•       «لقد حولتم عيد الفطر إلى يوم أسود، فأقسمنا على تحويل عيد استقلالكم إلى جحيم، هذا هو ردنا الأول على مذبحة الخليل وهناك أربعة على الطريق».

•       كتائب القسام تزلزل أمن الاحتلال في العفولة رداً على مجزرة الحرم الإبراهيمي.

بهذه الكلمات القوية والصارمة خاطبت كتائب الشهيد عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، القادة الإسرائيليين بعد عملية العفولة البطولية التي جاءت انتقاماً لدماء ما يزيد على 40 شهيداً ومئات الجرحى في الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل، وهدد ممثل حماس في الأردن محمد نزال بتنفيذ «مزيد من العمليات النوعية والموجعة في المرحلة المقبلة».

وقد وصفت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية العملية الاستشهادية الجريئة التي أوقعت في صفوف الإسرائيليين 7 قتلى و52 جريحاً، جراح عدد منهم خطيرة، وصفتها بأنها «أخطر هجوم إرهابي في إسرائيل منذ عام 1989»، وقالت إن الانفجار حول الحافلة الإسرائيلية إلى «عاصفة من الحديد والمشاعل المتطايرة، ومزق بعض الضحايا إلى قطع، وتسبب بحروق فظيعة لآخرين». وقال شهود عيان إن الجثث تناثرت في الشارع وعلى الأسوار وفوق الأشجار، وأن بعض الجثث كانت بغير سيقان أو رؤوس.

وقد أثارت عملية العفولة ردود فعل غاضبة وعنيفة في أوساط الإسرائيليين الذين فاجأتهم العملية رغم توقعهم لأعمال انتقامية بعد مذبحة الخليل، ورغم أن حماس قد نفذت عدة عمليات بسيارات مفخخة سابقاً، فإن العملية الأخيرة كانت أنجح تلك العمليات وأقواها، وقد خرج الإسرائيليون في مظاهرات صاخبة بعد العملية هتفوا فيها ضد العرب، وطالبوا بوقف المفاوضات مع الفلسطينيين، وقاموا بإحراق صور رئيس الحكومة الإسرائيلية إسحق رابين.

الجنرال رافي بيليد المدير العام للشرطة الإسرائيلية اعترف بأن نجاح الخلايا المسلحة لحركة حماس في تنفيذ عملية هجومية كبيرة كعملية العفولة في الذكرى الأربعين لمذبحة الخليل، يعتبر «فشلاً ذريعاً للشرطة الإسرائيلية ولأجهزة الأمن» التي قال وزير الشرطة موشيه شحال إنها كانت متأهبة طوال الوقت لأية عمليات انتقامية، وهدد بيليد الفلسطينيين بأنهم سيدفعون ثمناً باهظاً جداً لعملية العفولة، وقال إن الخط الأخضر سيقفل في وجوههم وإن عملهم داخل «إسرائيل» سيتوقف.

المنظمة تدين العملية البطولية!!

الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة والشتات رحب بشدة بالعملية الثأرية لدماء شهداء الخليل، وقام الفلسطينيون في مخيمات الأردن بتوزيع الحلوى وتبادل التهاني، وعبروا عن فرحهم الغامر بالعملية البطولية، إلا أن منظمة التحرير وحدها من بين الفلسطينيين التي كان لها رأي آخر مخالف لمشاعر جميع الفلسطينيين.

فقد أصدرت المنظمة بياناً شجبت فيه «وبلا استحياء» عملية العفولة، وعبرت عن أسفها للحادث، وقدمت تعازيها لعائلات الضحايا الإسرائيليين، وقال متحدث رسمي باسم المنظمة في بيان صدر عنها إن «م.ت.ف» تعبر عن الحزن والأسف للحادث الذي وقع في العفولة وأودى بحياة عدد من المدنيين!!

كما أدان العملية أيضاً نبيل شعث رئيس الوفد الفلسطيني المفاوض، وحنان عشراوي المتحدثة السابقة باسم الوفد الفلسطيني، وزياد أبو زياد عضو الوفد الفلسطيني المفاوض الذي قال في تصريح للإذاعة الإسرائيلية إنه تأثر لهذه الجريمة التي استهدفت أبرياء، كما أدانها ذياب اللوح أحد قيادات فتح في الداخل وقال: «كفلسطيني أشعر بالألم لما حدث في العفولة»، وكذلك أدانها عبد الوهاب الدراوشة النائب العربي في الكنيست الإسرائيلي والمقرب من قيادة المنظمة.. والذي قال إن على عرفات أن يدين العملية ولو خلق له ذلك بعض الصعوبات مع حركة حماس وبقية منظمات جبهة الرفض.

أما ياسر عرفات الذي كان يدرك أن أية إدانة تصدر عنه ستؤدي بالتأكيد إلى مزيد من تدهور شعبيته في أوساط الفلسطينيين، فقد تهرب من الإجابة عن سؤال حول العملية خلال مؤتمر مشترك عقده مع وزير الخارجية المصري بالقاهرة، ورغم الضغوط الأمريكية والإسرائيلية على ياسر عرفات إلا أنه آثر الصمت والتهرب خشية ردود فعل فلسطينية غاضبة.

حركة حماس وعلى لسان الناطق الرسمي باسمها إبراهيم غوشة، رفضت الإدانة الرسمية التي صدرت عن منظمة التحرير وعن بعض قادة المنظمة، وقال غوشة إن حماس تلقت بكثير من الاستهجان والاستنكار موقف المنظمة وبعض مسؤوليها بإدانة عملية العفولة ومقارنتها بمجزرة الخليل. وأضاف: «إن شعبنا الفلسطيني يرفض هذه التصريحات ويعرف حقيقة الذين وضعوا أنفسهم خارج الصف الوطني وتنكروا لدماء الشهداء».

انحياز أمريكي واضح

كما هو متوقع فقد وقفت الإدارة الأمريكية بشدة مع الإسرائيليين وأدانت عملية العفولة، وقد جاءت هذه الإدانة على لسان الرئيس الأمريكي بيل كلينتون نفسه الذي قال في بيان صدر عن البيت الأبيض: «بالإنابة عن الشعب الأمريكي أدين بأقوى العبارات الممكنة قتل مواطنين إسرائيليين.. وأقدم التعازي لعائلاتهم»، وأضاف كلينتون أن هذا القتل «الوحشي» لمدنيين استهدف وقف عملية السلام في الشرق الأوسط.

أما الناطق باسم الخارجية الأمريكية مايكل ماكوري فقد أدان عملية العفولة وقدم التعازي لأسر القتلى وقال: «لقد عاشت إسرائيل عقوداً طويلة مع شبح الإرهاب، ونحن نتعاطف معها في هذه الساعة العصيبة، وملتزمون بأمن إسرائيل لتكافح الإرهاب».. ولم تكتفِ الإدارة الأمريكية بالإدانة الشديدة للعملية، بل طالبت عرفات وبإلحاح بإدانة العملية، كما طالبت سوريا بالعمل على كبح جماح التنظيمات الفلسطينية المعارضة للمفاوضات والمقيمة في أراضيها.

وقد انتقدت حركة حماس الدور الأمريكي التحريضي الذي مارسته الإدارة الأمريكية على الدول الأعضاء في مجلس الأمن لحثهم على إصدار إدانة لمجزرة الخليل إلا بعد انقضاء ثلاثة أسابيع على ارتكابها وبعد الحصول على ثمن سياسي مقابل هذه الإدانة، وأضافت حماس: «إن إدارة الرئيس بيل كلينتون وهي تبدو مشلولة في استيعاب المتغيرات السياسية والميدانية في فلسطين والمنطقة العربية، أوقعت نفسها في مزيد من العجز عندما التصقت بالمصالح الصهيونية وانتدبت إمكاناتها السياسية والعسكرية والإعلامية للترويج لها وتحقيقها».

وقد ركزت الصحافة الأمريكية لدى حديثها عن عملية العفولة على الادعاءات الإسرائيلية بأن الباص الذي استهدفته العملية خاص بطلبة المدارس «باص أطفال»، فقد أشارت صحيفة واشنطن بوست إلى أن الانفجار وقع في تمام الساعة 12:30 «وتواجد في هذا الوقت العديد من طلاب المدارس وهم يخرجون في نهاية دوام مدرستين مجاورتين لمكان الحادث.. وقد تناثر زجاج الشبابيك على روضة الأطفال المجاورة وكان عدد من الضحايا من المراهقين الذين كانوا متوجهين إلى موقف الباص»، كما كتب محرر الواشنطن بوست في نفس العدد: «إن حماس جيدة في قتل الأبرياء، ولكن كم هي جيدة في السياسة».

عملية العفولة.. تطور نوعي

علق زئيف شيف المعلق السياسي الصحفي الإسرائيلي على عملية العفولة بقوله: «إنها تدل على أن الإعداد لها استغرق عدة أسابيع»، وأشار إلى أن حماس قد نفذت عدة عمليات مفخخة من قبل.

وكانت أول عملية بسيارة مفخخة لكتائب القسام قد نفذت في 1993/9/12 في منطقة عجلين قبل يوم من توقيع اتفاق غزة – أريحا بواشنطن، واعترف العدو الإسرائيلي في حينه بمقتل جنديين إسرائيليين جراء العملية، وفي نفس اليوم نفذت عملية مشابهة بسيارة مفخخة في منطقة أسدود بعسقلان ولم يعترف العدو بمقتل أحد، وفي 1993/9/26 نفذت عملية استشهادية بسيارة مفخخة في منطقة عجلين أيضاً، ولم يعترف العدو كذلك بحجم الخسائر في هذه العملية، وفي 1993/10/4 نفذت عملية استشهادية أخرى بسيارة مفخخة في مدينة رام الله اعترف العدو بأنها أسقطت 30 جريحاً.

ولعل أهم ما يميز العملية الأخيرة في العفولة عن سابقاتها، أنها نفذت داخل الخط الأخضر «الأراضي المحتلة عام 1948» وبسيارة تحمل لوحة إسرائيلية صفراء، كما أن كمية المتفجرات الضخمة التي زادت عن 150 كغم تعد أمراً ملفتا للانتباه، ويشير إلى قدرة كتائب القسام على تطوير ذاتها وعلى توفير المواد اللازمة لتنفيذ عمليات نوعية وموجعة، وقد أشارت كتائب القسام في بيان صدر عنها بعد عملية العفولة أنها حصلت على عدد من القذائف الصاروخية.

ربما حملت عملية العفولة التي كانت بحق تطوراً هاماً في مسيرة العمل الجهادي في فلسطين المحتلة عدداً من المؤشرات، ولكن يبقى المؤشر الأهم في ضوء الحديث الإعلامي المكثف عن دخول الشرطة الفلسطينية إلى غزة وأريحا، هو أن جميع الاتفاقات التي وقعت أو ستوقع لن تكون قادرة على توفير الأمن للوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وإذا كانت الشرطة الفلسطينية ستعمل على منع تنفيذ عمليات في مناطق سيطرتها في قطاع غزة وأريحا، فإنها لن تكون قادرة بالتأكيد على حماية الإسرائيليين داخل الخط الأخضر.

بطاقة تعريف بالشهيد رائد زكارنة بطل عملية العفولة

ولد الشهيد في قرية قباطية بقضاء جنين عام 1975، وتلقى تعليمه في مدارس القرية حتى حصل على شهادة الثانوية عام 1993، وهو الابن الأكبر لوالديه.

تعرض للاعتقال في شهر نيسان عام 1993 وخضع للتحقيق في أجهزة المخابرات الإسرائيلية مدة 45 يوماً، تعرض خلالها لأبشع أنواع التعذيب والتهديد بتهمة المشاركة في فعاليات حركة حماس وبخاصة التحقيق مع عملاء وتصفيتهم، وقد هدد أثناء التعذيب بإحضار شقيقته والاعتداء عليها أمامه.

بعد خروجه من التحقيق كشف ما تعرض له من تعذيب نفسي وجسدي في مقابلة أجرتها معه صحيفة الاتحاد الحيفاوية. أصدرت السلطات الإسرائيلية مجدداً أمراً باعتقاله في شهر تموز الماضي بعد أن وصلتها معلومات من العملاء عن نشاطه، إلا أن الشهيد تمكن من الفرار من القوات التي حضرت لاعتقاله، وخرج من القرية وانضم إلى مطاردي كتائب القسام المطلوبين لقوات الاحتلال.

أرسل رسالة إلى والديه قبل 4 أشهر يطلب منهم عدم البحث عنه واعتباره شهيداً في سبيل الله منذ تلك اللحظة. وقد أشاد أقارب الشهيد وأصدقاؤه بأخلاقه وتدينه، وقالوا إنه كان يحظى باحترام خاص بين أقرانه.

 

الرابط المختصر :