; كارثة بيئية وصحية في العراق | مجلة المجتمع

العنوان كارثة بيئية وصحية في العراق

الكاتب شيروان الشميراني

تاريخ النشر الجمعة 12-نوفمبر-2004

مشاهدات 66

نشر في العدد 1627

نشر في الصفحة 18

الجمعة 12-نوفمبر-2004

الحصول على معلومات موثقة عن حجم التلوث البيئي الذي أصاب العراق منذ العدوان الأمريكي مارس ۲۰۰۳م، وحتى الآن من الأمور الصعبة للغاية فحقيقة التلوث بادية للعيان، ولكن الصعوبة أن تحصل على إحصاءات وأرقام رسمية من الحكومة الحالية بأمر من قوات الاحتلال.. وعندما ذهبت إلى العديد من المؤسسات الرسمية للحصول على تلك المعلومات جاءني جواب واحد: ممنوع بأمر من السيد وزير البيئة العراقي الإعلان عن أي رقم أو معلومة أو التسريب للصحافة، ويحظر الكشف عن أية حالة أو نشر أي تقرير للآثار السلبية للحرب على البيئة وحتى مياه الشرب، أما الحديث عن الإنجازات فالكل جاهز للحديث المطول.

إشعاعات نووية ومياه شرب ملوثة وغياب تام للحكومة

لقد استخدمت القوات الأمريكية والقوات المتحالفة معها في حربها على العراق خلال فترة الحصار الطويل ثم الاحتلال العديد من الأسلحة المحظورة دوليًا والقنابل الإشعاعية وأسلحة الليزر الضرب مواقع محددة للجيش العراقي الأمر الذي أدى إلى إصابة الكثير من الأطفال والمواليد الجدد بحالات تشوه. وانتشار حالات كثيرة من سرطان الدم. والذين تكتظ بهم مستشفى الإسكان الأهلي للأطفال في بغداد.

الامتناع عن نشر المعلومات المتعلقة بالوضع السيئ في العراق جاء بأمر رسمي من سلطات الاحتلال الأمريكي لكيلا يكتشف الرأي العام العالمي مزيدًا من الانتهاكات وطبيعة الأسلحة التي تم تجريبها على الشعب العراقي.

مأساة «التويثة»

الأجهزة العسكرية العراقية كانت تستخدم مواقع محددة خارج المدن كمعامل ومخازن للمواد العسكرية الضارة، ومن هذه الأماكن منطقة تسمى (التويثة) على بعد عشرين كم خارج بغداد شرقًا والمنطقة عبارة عن تلال ومخازن تحت الأرض، وهذه التلال والأنفاق كانت مليئة ببراميل من المواد المشعة وعلى مقربة منها مناطق سكنية وقرى على أطراف مدينة بغداد، وعند انفلات الأمر ووقوع الفوضى وحدوث حالات النهب بسبب الاحتلال قام بعض سكان تلك المناطق السكنية الفقيرة المحيطة بالتويثة بالدخول إلى المستودعات المذكورة، فسحبوا مئات من تلك البراميل إلى منطقتهم بدافع الفائدة المادية، جهلًا منهم بخطورتها، والنتيجة إصابة العديد منهم بإشعاعات المواد النووية.

عندما ذهبت إلى منطقة التويثة رأيت صواريخ وأنابيب وبراميل تم سحبها من المخازن وإلقاؤها في عرض الطريق حيث يلهو الأطفال.

"أبو عبى" أحد السكان الذين اكتشفوا هذه المخلفات المشعة رفض الإدلاء بأي معلومة أو حديث، فقد كان خائفًا من فرض الحجر على منطقتهم وعزلهم عن العالم أو عدم زواج أبنائهم وبناتهم خوفًا من إنجاب أطفال مشوهين.

 فالحل الأفضل في نظره كان التزام الصمت. أما المصابون فقد نقلوا إلى مستشفى الطب النووي في منطقة باب المعظم وسط بغداد والذي كان عاجزا عن التعامل مع العديد من الحالات، وهو المستشفى الوحيد في العراق المخصص لهذا النوع من الأمراض والإصابات، وفي المستشفى يمنع الحديث مع المرضى أو رؤيتهم.

مياه ملوثة       

لم تقتصر آثار الحرب على هذا الجانب من الحياة في العراق فقط، فمياه الشرب هي الأخرى أضحت من أكثر المصادر خطورة في تهديد صحة وحياة الإنسان العراقي.

 فالعراق يعتمد في توفير مياه الشرب على نهري دجلة والفرات للمناطق الوسطى والجنوبية والغربية وقسم من المنطقة الشمالية كمدن الموصل وتكريت وسامراء، أما المحافظات الشمالية الكردية فهي لا تعاني من مشكلة التلوث لاعتمادها بالدرجة الأولى على بحيرتي دوكان وسيروان في محافظة السليمانية بالإضافة إلى مصادر طبيعية من المياه شديدة النقاء والتي تستعمل في الاستشفاء من أنواع محددة من الأمراض الجلدية.

لكن المشكلة تكمن في الوسط والجنوب، حيث تسبب العدوان ثم الاحتلال الأمريكي في ضرب البني التحتية والمصافي التي كانت تقوم بمهمة تصفية مياه النهرين من مياه الصرف الصحي التي تصب فيهما.

المدير العام لوزارة البيئة العراقية قال إن تلويث مياه البحر جاء نتيجة تسرب النفط الخام من جراء عمليات التخريب وغيره خاصة في منطقة البصرة ثاني أكبر مدن العراق. كل ما قاله كان صحيحًا، لكنه ليس السبب الوحيد للتلوث، بل إن الفوضى التي تعم البلاد والقصف الأمريكي للبنى التحتية وتفجير أنابيب النفط الشمالية مرات عدة من قبل المجموعات المسلحة.. من الأسباب ذات التأثير المباشر في تلوث البيئة في العراق ومياه الشرب خصوصًا.

لقد أصبح الشعب العراقي يعيش مأساة بيئية وصحية حقيقية في كل جوانبها: تلوث إشعاعي وتلوث مياه الشرب وعدم قدرة الحكومة الحالية على تنقيتها إضافة إلى مشكلة الصرف الصحي التي طفحت في الأزقة والمحلات والأسواق المكتظة وداخل البيوت وتسببت في انتشار العديد من الأمراض والحشرات الأمر الذي دفع بعض العائلات إلى ترك منازلهم.

التقارير أكدت أن 90% من مناطق بغداد اختلطت فيها المياه الملوثة بمياه الشرب خاصة الجوفية بسبب بطء عمليات السحب التي تقوم بها البلدية للمياه الملوثة من المناطق السكنية مما دفع سكان مدن الثورة والشعلة والحرية والبياع في بغداد إلى إلغاء أنبوب سحب مياه الشرب في المنزل واللجوء إلى السحب المباشر من الأنبوب الرئيس في الشارع العام عبر أجهزة سحب الماء الكهربائية.

تقرير رسمي

وزارة الصحة العراقية أصدرت تقريرًا أكدت فيه أن ٦٠٠ متر مكعب من المياه الثقيلة - الملوثة - تصب مباشرة في نهر دجلة الذي يتوسط بغداد ويشكل المصدر الرئيس لمياه الشرب فيها الأمر الذي ينذر بكارثة صحية تتسبب في انتشار أمراض الكلى بين أبناء الشعب العراقي.

سبب آخر لتلوث البيئة في العراق وهو انتشار النفايات في المدن في وسط وجنوب العراق، واختفاء الحاويات المخصصة لجمع تلك النفايات ونقلها. والدخول فيما يسمى في العراق الحواسم - كلمة توصف بها سيارات الدولة المسروقة.. وما تبقى منها قليل لا يلبي الحاجة، مع التقييد في الحركة خوفًا من الاختطاف أو انفجار سيارة ملغومة أو عبوة ناسفة موضوعة في كيس على قارعة الطريق الذي على العامل تنظيفه لتنفجر به وقد حدثت حالات عدة من هذا القبيل. كل هذه الأسباب عوامل مشتركة في تلويث البيئة في العراق وجعل المياه غير صالحة للشرب بصورة كاملة. والطريق طويل حقًا..

سرية تامة على آثار القصف الأمريكي على البيئة العراقية بأوامر مباشرة من الاحتلال

تقرير رسمي: ٦٠٠ متر مكعب من مياه الصرف تصب يوميًا في نهر دجلة

إصابة مواطني «التويثة» بالإشعاعات لانعدام الأمن والرقابة على مخازن الأسلحة الموجودة بها

الرابط المختصر :